إبراهيم هلال
إبراهيم هلال
4.6 k

أدبيات سيد قطب.. أو بماذا نفعنا الاستعلاء بالإيمان

30/8/2017
مع كل ذكرى لرحيل الشهيد -بإذن الله- سيد قطب الذي أعدمه النظام الناصري المصري عام 1965 م، يتجدد الحديث عن دور سيد قطب "المنظر" والداعية الإسلامي الكبير، وكيف وقف الشهيد في وجه الطغاة حتى أعدموه، وكيف دون بقلمه مسيرة الحركة الإسلامية التي كادت لتموت بعد محنة 1954 ثم محنة 1965-1966 بمصر، وكيف كان قطب وكلماته تأسيس أيديولوجي جديد، ومحطة متقدمة في صراعه الحركة الإسلامية مع الاستعمار الأجنبي ومخلفاته من الأنظمة والحكومات في العالم العربي والإسلامي.

لكن وبرغم أن سيد قطب كانت تنظيراته نقلة كبيرة في مسيرة الحركة الإسلامية، بل كانت تحولا في رؤية الحركة للدولة القومية والانفصال عنها تماما، بعد أن كانت تنظيرات حسن البنا تتجه نسبيا -قبل مقال معركة المصحف- إلى الإصلاح ودعوة الحكام، لكن كل كتابات قطب تقريبا غير الأدبية وغير تفسيره للقرآن تمتلئ بالضحالة والنقد الجذري المتسرع لكل ما هو غير إسلامي خاصة في الفلسفة والعلوم الانسانية، والقارئ لأفكار المفكر علي عزت بيجوفيتش يستشعر هذا الفرق الشاسع بين هضم الأفكار والاستفادة منها وبين نفيها كليا كما فعل قطب.


ثم تأتي تبشيرات قطب كتبشيرات عاطفية، تنبع من شاعر مرهف الحس رقيق القلب معذب النفس، ليس من مفكر ولا سياسي ولا منظر بل من داعية ذو خلفية شاعرية عذبة، لا تعرف إلا الفضيلة بشكلها المجرد الروحاني الصوفي، فإذا رفض الناس تلك الفضيلة، فيجب نفي الناس أو الموت الشاعري لتحيا الفضيلة منزهة كما هي في مخيال الشاعر.

يبقى من أجمل ما كتبه الشهيد هو ما يحمل سماته الأدبية مثل الظلال والتصوير الفني في القرآن. وهي بمثابة تجديد في مدرسة التفسير الكلاسيكية وهي نقلة كبيرة لم تجد من يكمل مسيرتها.

مواقع التواصل


أنتج قطب فيضا من الكلمات تخاطب النفس لتحررها من القيود والأغلال وعبودية الحياة التي اكتشفها قطب داخل سجنه، وهذه الكلمات جاءت كتبشيرات شاعرية عاش الجيل السابق والجيل الحالي عليها، وهذه التبشيرات الشاعرية مثل: السقوط الحتمي السريع للحضارة الغربية وأن كل محنة ابتلاء، وأن المحنة تزيد الإيمان الذي بدوره يعطي صاحبه الاستعلاء اللازم لحمل الأمانة والرسالة وهم الأمة، ليس ذلك فقط بل تمادى أبناء الحركة الاسلامية في توظيف الآيات القرآنية لصالحهم، وكيف لا، وقد أهداهم قطب تفسيره -حسب قولهم- وسماهم الطليعة المؤمنة المجاهدة.

هذه الديباجات الأدبية التي أنتجها قطب: الاستعلاء بالإيمان- الطليعة المؤمنة- كل محنة هي ابتلاء - النفي التام للحضارة الغربية (حضارة على وشك الانهيار) - جيل قرآني فريد - المفاصلة مع المجتمع - فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر. هي ما عاشت عليها الأجيال السابقة للإسلاميين، وهي ما تحولت فيما بعد لتبريرات لأخطاء الإسلاميين. لا أحٌمل هنا الرجل أخطاء الأجيال اللاحقة له، لكن بماذا نفعتنا ديباجات الاستعلاء بالإيمان والطليعة المؤمنة وباقي الجمل الحماسية التي أطلقها سيد قطب؟! ربما كانت هذه الديباجات ضرورية في وقتها عندما كانت الحركة الإسلامية في محنة شديدة، لكن هذه الديباجات لم تنتج إلا اندفاعا حركيا دفعت الحركة الإسلامية كلها ثمنه من أرواحها ودمائها دون أي خطوة للأمام، فكم جماعة حاولت أن تكون صفوة المؤمنين وطليعتهم، وانتهى الأمر بها في القبور أو السجون أو غرف المخابرات وأمن الدولة سواء معتقلين أو متعاونين.

وكم أهملت الحركات الاسلامية باسم "الاستعلاء" النظر إلى علوم السياسة وأساليبها، وعلوم الاجتماع وظواهره، والعلوم العسكرية وأدوات القوة، رغم ان موقف سيد قطب المفصلي من العالم ومن الدولة القومية خاصة، كانت نقطة انطلاق مهمة يجب أن يُبنى عليها لكن غلبت الشعارات على الأدوات، وغلب الخطاب الحماسي على الفهم والتخطيط وتوقف أتباع قطب عند حبل مشنقته ولم يخطو خطوة نحو الجماهير التي كان يخاطبها.

استشاد سيد قطب هو استشهاد روح رفضت الأغلال والعبودية ونظرت لحرية الحياة الداخلية للنفس. وتبقى ذكرى موته علامة خالدة على الظلم وشهادة على كونه ضحية.

مواقع التواصل


وبرغم فاعلية كلمات قطب والأثر العميق لموقفه، لم يطرح قطب أي إجابات بخصوص "سؤال العمل"، لم يطرح إلا الانفصال التام عن المجتمع الجاهلي أو الانضمام للصفوة المؤمنة والتي ستشعل العالم بانتقامها وتعيد الحكامية للشريعة!


أما استشهاد سيد قطب فلم يكن استشهاد مفكر أو متفلسف بسبب كتاباته لكنه استشهاد بطل أو فنان مرهف الحس كان لديه موقف تجاه العالم كله، وهو استشهاد من لم يستطع مقاومة رغبته في الفناء ليحيل بتضحيته الثقل من على نفسه المرهفة المعذبة وينقله للعالم، استشهاد روح رفضت الأغلال والعبودية ونظرت لحرية الحياة الداخلية للنفس. وتبقى ذكرى موته علامة خالدة على الظلم وشهادة على كونه ضحية.


أخيرا يبقى من أجمل ما كتبه الشهيد هو ما يحمل سماته الأدبية مثل الظلال والتصوير الفني في القرآن. وهي بمثابة تجديد في مدرسة التفسير الكلاسيكية وهي نقلة كبيرة لم تجد من يكمل مسيرتها. وتأتي ذكرى استشهاد سيد قطب متزامنة مع ذكرى اغتيال الفنان الفلسطيني ناجي العلي، لتذكرنا كيف يمكن للفنان أن يكون مقاوما للاستبداد وشهيدا على الظلم والقهر، رحمهما الله.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة