مولاي علي الأمغاري
مولاي علي الأمغاري
120

تركيا ومعركة الاستقلال الثانية.. الصناعة العسكرية التركية أنموذجا

7/8/2017

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن سياسة الغرب نحو بلاده: "في الماضي كانوا يخبّئون تهديداتهم خلف كلام مزيّن لكن الآن أصبحت تهديداتهم علنًا، ونحن بدورنا نشكرهم لأنّهم أصبحوا صادقين معنا، وأود أن أخبرهم أنّنا سنستمرّ في التفوّق على وكلائهم.. نرى بكلّ وضوح موقف أمريكا وألمانيا وهولندا تجاه تركيا، يريدون التحكم بنا وأن ننفّذ كلّ ما يطرحونه على طاولتهم، فهم يبعثون الآلاف من وكلائهم ونحن من المفترض ألا نفعل أيّ شيء! لا اعذرونا، تركيا تلك أصبحت في الماضي".


تركيا الماضي كانت دولة وظيفية مجرد خادمة لأجندة الغرب، دولة استسلمت للوصاية الغربية بعد سقوط الخلافة العثمانية وقيام جمهورية أتاتورك العلمانية، أصبحت ذيلا بعدما كانت رأسا. ومع صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة حكم تركيا في3 نوفمبر/تشرين الثاني 2002، بدأت تركيا أول خطواتها نحو انفكاك من الوصاية الغربية خطوة خطوة، وفي 15تموز ظهرت المعالم الكبرى لهذا الانفكاك، وخطى فيه الشعب التركي خطوة كبرى في مسار معركة الاستقلال الثاني والذي امتد لـ 15 عاما.


تركيا تعيد رسم مسار استقلالها عن الوصاية الخارجية، كما تعيد تعريف علاقتها مع الغرب وتغير موقعها من دولة وظيفية تعتمد على حماية الغرب ودعمهم الاقتصادي، إلى دولة فاعلة ومؤثرة إقليميا ودوليا عبر اعتمادها على الاكتفاء الذاتي في أغلب المجالات. ومن المجالات التي تجتهد الحكومة التركية على تحقيق الاكتفاء الذاتي فيها، مجال "الصناعة العسكرية" حيث تسعى الحكومة التركية للاعتماد الشبه الكامل على الإنتاج المحلي في المجال العسكري، حسب الأهداف المسطرة في رؤية 2023.

وصل عدد الدول التي تستورد الصناعات التركية إلى أكثر من 60 دولة حول العالم، وتعمل الشركات التركية هذا العام على 460 مشروعاً للصناعات الدفاعية بميزانية تبلغ 34.2 مليار دولار.

فساسة الأتراك يرون أن تحول تركيا من دولة وظيفية إلى دولة مستقلة فاعلة، لن يتم إلا بتحقيق الاكتفاء الذاتي في عدة مجالات أهمها" الصناعة العسكرية"، وإذا تحقق هذا، فإن تركيا تكون آمنة من ضغوطات الدول التي تورد السلاح لها، كما ستحتاط من تكرار الحظر الأمريكي والغربي على تصدير السلاح إليها، كما وقع عام 1974 عقب التدخل العسكري التركي في قبرص، وكذلك إنهاء اعتمادها على أسلحة حلف الناتو ومنظومته الدفاعية الجوية -الحاجة الوحيدة لتركيا من الناتو بعد سقوط الاتحاد السوفياتي- مع تنويع مصدر الدخل القومي التركي عبر تصدير الإنتاج العسكري التركي إلى الخارج، خصوصا إلى دول الشرق الأوسط وآسيا.


فبعدما كانت معظم أنظمة التسليح التي يستخدمها الجيش التركي "أمريكية"، اتجهت تركيا في نهوضها بالإمكانيات العسكرية للجيش التركي إلى اعتماد اتجاهين في مسألة توفير الأسلحة والعتاد والتكنولوجيا العسكرية هما:
- الأول: تنويع مصادر الأسلحة والاعتماد على أنظمة تسليح من دولة أخرى كألمانيا وبريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني والصين وروسيا.
- الآخر: الاستثمار في الصناعة العسكرية التركية عبر شركات وطنية تهتم بالصناعة الدفاعية التركية، عبر الدخول في شراكة مع شركات عالمية من أجل إنتاج أسلحة وأنظمة تسليح مشتركة.



كما اعتمدت وزارة الدفاع التركية استراتيجية دفاعية ترتكز على: العمل على تحول تركيا إلى دولة منتجة لاستراتيجيات ومشاريع توفر الأمن والاستقرار بالمنطقة بعيدا عن الاستراتيجيات التي تملى على دول الشرق الأوسط والتي أضرت بتركيا والمنطقة لصالح بعض القوى الإقليمية الأخرى، وقدمت الحماية لأنشطة المنظمات الإرهابية.

- العمل على استغلال كل الفرص التي تحقق التعاون والتفاهم وتطور العلاقات الايجابية مع الدول المحيطة- سياسة صفر مشكل- مع محاولة تحيد القوى الإقليمية والدولية في ملف المنظمات الإرهابية التي تنشط بتركيا ك"بي كاكا" وتحسين قدراتها في مواجهة التحديات الأمنية المختلفة. وهذا لن يتم إلا إذا عملت تركيا على تحويل نفسها إلى عنصر قوة وتوازن بالمنطقة، وتعزيز مكانتهاا الجيواستراتيجية ونفوذها الإقليمي عبر تقوية جيشها بأسلحة متطورة بقدرات ذاتية وصناعة تركية خالصة.

ونجحت الحكومة التركية عبر هذين الاتجاهين وتلك الاستراتيجية الدفاعية إلى تنويع مصادر التسليح، وفي الوقت نفسه تراجع اعتمادها على الخارج في الصناعات الدفاعية من 80بالمئة 2002 إلى ما نسبته 40بالمئة عام 2016، و تلبيث الصناعات المحلية حاجيات التسليح للجيش التركي، فارتفعت النسبة من 24بالمئة إلى 63بالمئة حسب تقارير عام2016، مع ازياد الفاعلية في الحد من نشاط منظمة "بي كاكا" وعمليتها الإرهابية، مما أثار قلق عدة دول ليست على وفاق مع تركيا كاليونان وأرمينيا والكيان الصهيوني المحتل.

هذا النجاح كان بفضل العمل الذؤوب الذي تقوم به وكالة صناعات الدفاع التابعة لوزارة الدفاع التركية المشرف والدافع لنمو وتطور الصناعات الدفاعية التركية، بتعاون وانخراط الشركات الصناعات الدفاعية التركية والجامعات والمؤسسات البحثية( ألف شركة كبيرة ومتوسطة وصغيرة ومؤسسة بحثية وجامعة) ومن أهمها : شركة الصناعات الجوفضائية التركية (TAI)"وتوساس لصناعة المحركات (TEI)"و "أسيلسيان "FNSS " و أوتوكار "Otokar "وشركة هافلسان "Havelsan" وشركة روكستان "Rocketsan"، و"توساش".

ثلاثة من هذه الشركات الرائدة تم تصنيفها ضمن أكبر الشركات الصناعية الدفاعية العالمية وهي أسيلسيان، وتوساش وروكيتسان، والتي دخلت قائمة أفضل 100 شركة منتجة عالميا. هذه الشركات وغيرها تحاول تنويع وتطوير إنتاجاتها، لاستيعاب جميع مستلزمات القوة العسكرية الجوية والبحرية والبرية. كما أطلقت تركيا في السنوات الماضية 5 أقمارصناعية نشطة، منها ثلاثة أقمار للاتصالات وهي توركسات 3 إيه و 4 إيه وتوركسات 4 بي، وأقمار غوكتورك 2 وغوكتورك 1، هذا الأخير يستخدم لأغراض استخبارية عسكرية، كما يعمل الأتراك على إنشاء وكالة فضاء وطنية، وصناعة قمر للاتصالات محلي الصنع.

استمرار الحكومة التركية في دعم قطاع الصناعة التركية الوطنية، وعدم تعاملها مع هذه الشركات بالطريقة نفسها التي تعامل بها الشركات الأجنبية المتقدمة كفيل بتحقيق هدفها في زيادة قيمة صادرات صناعة الدفاع.

رويترز

هذه الشركات تجتهد كذلك في تصنيع المنتجات الإلكترونية والتكنولوجيا العالية بأحدث الأنظمة في مجالات الاتصالات وأجهزة الراداروالبصريات الإلكترونية والرؤية الحرارية ومنصات الأسلحة الثابتة المدارة عن بعد، ومدرعات ذات الدفع الرباعي والسداسي، وغيرها من المنتوجات العسكرية التي رفعت حجم الصادرات التركية من الصناعات الدفاعية من250 مليون دولار في 2002، إلى1.7ملياردولار. فيما وصل عدد الدول التي تستورد الصناعات التركية إلى أكثر من 60 دولة حول العالم، وتعمل الشركات التركية هذا العام على 460 مشروعاً للصناعات الدفاعية بميزانية تبلغ 34.2 مليار دولار.


مشروع دخول نادي العشرة الأكثر تطورًا في قطاع الصناعات الدفاعية حول العالم عام2023، وإن كان على مساره الصحيح بدعم حكومي قوي، وضع البنية التحتية للصناعات الدفاعية الوطنية التركية، إلا أن هذا القطاع يواجه عدة صعوبات في نظر خبراء الشؤون العسكرية.

منها الصعوبات التي يطرحها المرور من مرحلة إنتاج النماذج الأولية إلى الإنتاج الفعلي، ومشاكل التعامل مع قضايا إنتاج خطوط التجميع ودعم ما بعد البيع، واستمرارية إدارة إنتاج مستدام لتلك النماذج الأولية، وتطوير اليات إرفاق جداول الإنتاج والميزانيات،والافتقار إلى القوى العاملة المؤهلة ورأس المال الفكري، مع الحفاظ على المكاسب التي تحققت حتى الآن.

استمرار الحكومة التركية في دعم قطاع الصناعة التركية الوطنية في شكل يشجع المنافسة، وعدم تعامل الحكومة التركية مع هذه الشركات بالطريقة نفسها التي تعامل بها الشركات الأجنبية المتقدمة - كفيل بتذليل كثير من هذه الصعوبات، وتحقيق هدفها في زيادة قيمة صادرات صناعة الدفاع إلى 25 مليار دولار. وأكبر من الربح المادي، ربح معركة الاستقلال الثانية في ميدان الصناعة العسكرية، مما يعني قطع شوط كبير في الانفكاك التام عن الوصاية الغربية والانسلاخ الكامل عن تركيا الماضي.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة