جمال قــادري
جمال قــادري
197

الهجرة إلى الجزائر بين الهاجس الأمني والعولمة

9/8/2017
تعتبر الهجرة أو التنقل الجماعي والفردي بمختلف الطرق بين الأقاليم من أقدم الخيارات وأساليب العيش البشرية، ومن خلال التنقل البشري تم إعمار وتخصيب مناطق لم تكن صالحة للحياة، كما هاجر الإنسان لمختلف الأسباب طوعا وكرها، وقد نجد من البشر أقواما نمط عيشهم في الترحال المتواصل بين صيف وشتاء من إقليم إلى آخر, وقد أحصت المحافظة السامية للاجئين HCR أكثر من 65 مليون شخص نازح عبر العالم و21 مليون شخص ممن غادروا بلادهم، منهم 39 % متواجدون في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، كما تقدر المحافظة العالمية عدد اللاجئين في الجزائر بـ 100775 شخص مقبلون خاصة من دول الساحل الأفريقي. وقبل الحكم على ظاهرة الهجرة يجب مراعاة العديد من الأوجه نذكر منها المحاور الأساسية التالية:

1. المحور الاجتماعي الاقتصادي:
حسب مميزات المنطقة تؤثر الهجرة في توازن العرض والطلب لليد العاملة حيث يصبح العرض يغلب الطلب مما يؤثر سلبا على مستوى الأجور، كما يخلق تدني كبير في مدى احترام قانون الشغل والضمان الاجتماعي، ناهيك عن خرق أبسط شروط الأمن والسلامة في ميدان العمل. كما أن اليد العاملة المحلية أصبحت لا تقبل بممارسة أعمال شاقة في ظل انعدام أدنى شروط النظافة والأمن، ويبقى المقاولون والمستثمرون يميلون إلى اليد العاملة الرخيصة القادمة بطريقة غير شرعية لسهولة التخلص منها وبساطة التكفل بالإيواء والإطعام في الورشات المعزولة زيادة عن الأجور الدنيا.

التدفق الذي تعرفه ولايات جنوب الجزائر أصبح مرئيا عبر كل ولايات الوطن، حيث يستحيل التحكم في انتقال العائلات اللاجئة والمشردة، كما يصعب التعرف عن الأشخاص.

الجزيرة
2. المحور الأمني:
إن التدفق الناتج عن المستجدات الحديثة بالساحل الأفريقي يذكرنا بالخطة المتبعة من طرف الإرهابيين الإسلاميين في الجزائر خلال التسعينيات، حيث من خلال دفع المواطنين العزل والقرويين إلى المدن يصبح من السهل خلق اختلال في أمن المدن والتغلغل في الأوساط الشعبية نظرا لتفشي الفوضى والأحياء العشوائية الناجمة عن الزحف البشري الهائل.

كما أن التدفق الذي تعرفه ولايات جنوب الجزائر أصبح مرئيا عبر كل ولايات الوطن، حيث يستحيل التحكم في انتقال العائلات اللاجئة والمشردة، كما يصعب التعرف عن الأشخاص، والأخطر من كل ذلك هو آلاف الأطفال الأفريقيين اللاجئين الذين يترعرعون في شوارعنا وعلى أرصفة طرقنا في غياب خطط محكمة لمحاولة مسايرة الوضع والحد من خطورة انخراط هذه الشريحة الهشة في عالم الإجرام إذا بلغوا سن المراهقة وهم في تهميشهم. كما تسمح هذه الفوضى بتكريس مناطق مقفلة لا تخضع للقانون الوطني وتخضع لقوانين أخرى بحكم الفقر والتكاثف السكاني لمجتمعات غير وطنية مثل ما نجده في ولاية تمنراست وأسواقها الأفريقية والتجمعات العشوائية في ضواحي المدن الكبرى في الشمال، حيث الحياة تتخذ المجرى المتاح لها.

وضع آليات للتعرف البيو ميتري للأشخاص المهاجرين إلى الوطن بات أمرا ضروريا بصفة عاجلة ولا مفر منه، كما أنه يستوجب انتشال الأطفال من الطرق والشوارع ووضعهم في أماكن ترعى سنهم.
3. المحور الخاص بالهوية:
المجتمع الجزائري بحكم الموقع الجغرافي المطل على البحر الأبيض المتوسط والشريط الحدودي الممتد عبر دول الجوار باختلاف أعراقها، شهد عبر العصور تجديدا وانصهارا لبنيته المجتمعية مع الحفاظ على الهوية الوطنية، وذلك رغم جهود الاستيطان والإدماج التي سعى إليها المستعمر الفرنسي حديثا. هذه الحقبة الأخيرة تعد حقبة حرب عالمية وإن لم تشن الحرب في أوروبا حتى يعترف بها المؤرخون، لكن الخراب والنـزوح الناتج عنها لا يعادله إلا ما أسفرت عنه الحروب العالمية السابقة، والدمار الشامل الذي تعرفه دول الساحل الأفريقي وشمـالها لا يمكن تـجاهله بل ويوجب علينا النـهوض والتصدي لما هو خفي أكثر مما هو ظاهر من هذه الأزمة البشرية.

والتعامل مع الموجات النازحة من البشر باختلاف وجهاتهم ونواياهم يقضي بإضفاء حالة الطوارئ القصوى على هذا الملف، كما يتطلب اتخاذ تدابير عاجلة تشرع طريقة التعامل مع هذا المد البشري العظيم، ومعظم المهاجرين غير شرعيين يتخذون الجزائر معبرا وهم في طائلة القوانين الوطنية التي تؤطر هذا النوع من المخالفات، لكن أغلب المهاجرين الذين يستقرون في الوطن يعتبرون لاجئين ويقعون تحت رعاية القوانين الدولية والتعاملات الإنسانية للمجتمع الجزائري.

وضع آليات للتعرف البيو ميتري للأشخاص المهاجرين إلى الوطن بات أمرا ضروريا بصفة عاجلة ولا مفر منه، كما أنه يستوجب انتشال الأطفال من الطرق والشوارع ووضعهم في أماكن ترعى سنهم، مما يعطي فرص شغل لحاملي الشهادات الوطنية في العلوم الإنسانية واللغات، كما يجب خلق فضاءات للعمل اليدوي لأوليائهم في المزارع عبر الولايات في الهضاب العليا والصحراء ثم الحرص على تقديم السكن اللائق والأجر حتى تتحسن الأوضاع في دولهم وإمكانية الرجوع.

4. المحور السياسي:
خطر التطرف اليميني يحدق بالساحة السياسية الجزائرية في ظل غياب خطاب جامع وبناء، ومن خلال ذلك يجب على النخبة السياسية الانسياق وراء سياسة وقائية تمنع نار الفتنة الطائفية التي قد تكون ملاذا للداعين للفوضى والذين لم يجدوا عند المجتمع الجزائري الفكر العدائي اللازم لاندلاع حركات احتجاجية قد تلهب المشهد السياسي والشارع الجزائري.

وتبقى أوجه أخرى لا يمكن حصرها في مقال واحد، إذ إن الأمر في غاية الخطورة، حيث يكفي المرء أن يعتاد على مشهد مئات المشردين في الطرق والشوارع ليصبح الوضع خارج السيطرة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة