علي أنوزلا
علي أنوزلا
4.3 k

رصاصة بنكيران الأخيرة

9/8/2017
في آخر اجتماع للمجلس الوطني لحزب "العدالة والتنمية" (برلمان الحزب)، قال عبد الإله بنكيران، أمين عام الحزب الإسلامي الذي يرأس الحكومة في المغرب، لإخوانه: "إذا كانت لديكم رصاصة واحدة فلا تطلقوها الآن، اتركوها للمؤتمر"، وكان يقصد أن يحتفظوا برأيهم، إلى أن ينعقد مؤتمر الحزب نهاية هذا العام، ليحسموا في قرار منحه ولاية ثالثة بعد أن استنفذ الولايتين الشرعيتين اللتين يسمح له بهما قانون الحزب الأساسي، وزاد عليهما سنة أخرى إضافية ممد له فيها إخوانه رئاسته عليهم.


لكن بنكيران نفسه لم يستطع أن يحتفظ بآخر رصاصة في جعبته ولم ينتظر حتى ينعقد مؤتمر حزبه، وإنما اختار عز الصيف ليخرج كل ذخيرته حتى لا يأتي الخريف (موعد انعقاد المؤتمر) ويقال له "الصيف ضيعت اللبن". فمنذ الآن حمل الرجل عصاه وراح يلوح بها مجددا يهش ويلكز وينغز ويضرب بها في كل الاتجاهات.

ففي لقاء جمعه نهاية الأسبوع الماضي مع شبيبة حزبه كشف بنكيران عن النسخة الثانية من حياته السياسية بعد إعفائه من طرف الملك من رئاسة الحكومة في منتصف شهر مارس / آذار الماضي. ولأول مرة عرف الرأي العام المغربي أن قرار الإعفاء كان قاسيا على الرجل الذي رأس حكومة بلاده طيلة خمس سنوات الماضية، ظل خلالها شاغل الناس ومالئ دنياهم. وفي لحظة اعتراف صريح قال بنكيران إن ما وصفها بـ "محنة" إعفائه جعلته ينهار وكادت أن تؤدي بحياته نهائيا! قبل أن يعود، وفي تناقض صارخ مع نفسه ليقول بأنه "خرج مرفوع الرأس"! فكيف لمن انهار وكاد يموت أن يخرج مرفوع الرأس؟!

لكن، مثل كل سياسي متمرس، عاد بنكيران ليقول بأن لقائه مع شبيبة حزبه، جعله يحيا من جديد وأعاد له الروح، على حد قوله، وذلك بعد أن راجت أنباء عن وجود "خيانات" بين صفوف قياداته خذلته وزادت من "محنته".

بكيران يريد أن يُقدم نفسه من جديد منقذا للبلاد وهو الذي أمضى خمس سنوات رئيسا لحكومتها بصلاحيات دستورية لم يسبقه إليها أي وزير أول سابق في تاريخ المغرب.

الجزيرة

بنكيران في "نسخته" الجديدة عاد إلى لغته المفضلة، لغة "ناصح البلاط"، " يَبُخّ ويكوي" كما يقول المثل الشعبي، يٌرسل رسائله في كل الاتجاهات إلى كل من يهمهم الأمر. فرجل الدولة الذي وقف أمام البرلمان مرارا وتكرارا، عندما كان رئيسا للحكومة، مدافعا عن قرارات حكومته اللاشعبية بدعوى أن فيها مصلحة البلد، عاد ليتبنى لغة المعارض محذرا من النار التي توجد تحت الرماد. والسياسي الذي وقف في وجه الحراك الشعبي الذي عرفه المغرب عام 2011، ودافع عن دستور وصفه من عارضوه آنذاك بأنه "ممنوح" لا يعكس "الإرادة الشعبية" عاد ليدعو شباب حزبه إلى الاستعداد للتضحية من أجل مبادئهم وأفكارهم، ويطالب بتعديل الدستور الذي طالما أٌتهم هو نفسه بعدم تفعيله عندما كان رئيسا للحكومة، ليبرر تنازلاته باحترام "الأعراف" و"التقاليد المرعية"..

بنكيران يريد أن يُقدم نفسه من جديد منقذا للبلاد وهو الذي أمضى خمس سنوات رئيسا لحكومتها بصلاحيات دستورية لم يسبقه إليها أي وزير أول سابق في تاريخ المغرب، لكنه طيلة سنوات جلوسه على كرسي رئاسة الحكومة أَحكم إغلاق باب خزنة مكتبه على الدستورـ بكل مؤاخذات معارضيه، ليعود إلى إتباع الأعراف والتقاليد، كل ذلك من أجل كسب ثقة القصر وود ساكنه.

اليوم يعود بنكيران من جديد لكن بخطابه القديم، مراهنا على إعادة بناء "الثقة" داخل صفوف حزبه وبين حزبه والسلطة التي خذلته.

لذلك لم يتقبل بنكيران قرار إعفائه من طرف الملك، وأخبرنا بأن القرار الملكي جعله "ينهار" و"كاد يؤدي بحياته"، ليس لأنه استطاب الجلوس على الكرسي أو استلذ ما يمنحه له من امتيازات، فهذه طبيعة بشرية لا يسلم منها حتى الزاهدون المتعبدون، وإنما لأنه لم يستوعب، وهو صاحب الثقافة الدعوية، كيف يٌنكر جميله ويٌنسى معروفه ويٌجحد بفعله ولا يٌعترف بفضله عندما وقف ضد الحراك الشعبي عام 2011 واصطف وراء السلطة التي تنكرت له اليوم وأبعدته من بلاطها بتلك الطريقة المذلة والمهينة التي يبدو أن كبرياء الرجل لم تستوعبها.

كان يمكن لبنكيران أن يخرج فعلا مرفوع الرأس من الأزمة الحكومية التي عٌرفت في المغرب بـ "البلوكاج"، أي فترة الاعتراض ووضع العراقيل أمامه لتشكيل حكومته الثانية بعد انتخابات 7 أكتوبر 2016، والتي استغرقت ستة أشهر ونيف. فقد اعترف بنكيران نفسه بأن قرار إزاحته من رئاسة الحكومة كان جاهزا ينتظر فقط ترتيب إخراجه، ومع ذلك استسلم لقدره حتى أٌعفي بالطريقة المهينة والمذلة التي لم يتجرع مٌرَّ كأسها بعد.

اليوم يعود بنكيران من جديد لكن بخطابه القديم، مراهنا على إعادة بناء "الثقة" داخل صفوف حزبه وبين حزبه والسلطة التي خذلته، ومن استمع إلى خطابه الأخير أمام شبيبة حزبه لن يخرج بجديد، فالرجل مازال يضع نفسه وحزبه رهن إشارة خدمة نفس السلطة وبنفس الأدوات التي قتلت السياسة وأفقدت الناس الثقة في أصحابها وسحبت كل مصداقية عن فعلها.

رصاصة بنكيران الأخيرة التي أطلقها قٌبيل انعقاد مؤتمر حزبه الذي سيحسم في مستقبله السياسي، لن تصيب هدفها ليس لأنه أطلقها قبل موعدها، أو في الوقت الضائع، وإنما لأنها حملت في أحشائها ذخيرة خامدة تجاوزت مدة صلاحيتها بخمس سنوات ونيف..

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة