سعيد ايت غانم
سعيد ايت غانم
131

ماذا بعد إغلاق الجزيرة في القدس

9/8/2017

منذ القمة العربية الإسلامية الأمريكية، والأنباء الغريبة تتوالى تترا، حتى أننا إلى حد الساعة لم نفهم شيئا مما يحدث في الخليج العربي؛ فكلما توصلنا إلى خيط وظننا أننا بدأنا نفهم ما يحدث، جاء تصريح لوزير من هنا أو هناك لعيد بعثرة كل أوراقنا. لكن شيء واحد في هذه الأزمة كنا على يقين منه؛ أن حصار قطر لم يحصل لأنها دولة داعمة للإرهاب، كما تزعم دول الحصار، إنها تهمة لا تنطلي على طفل صغير حتى، ثم ممن من دول هي التي صنعت التشدد والتطرف، بخطب وعلماء يخبطون خبط عشواء، فتارة يدعون السذج من شباب الأمة للجهاد ضد عدو في الشرق، وأخرى يدعونهم للقتال ضد عدو في الغرب، بينما بوصلتهم لم تعرف للقدس ولا لفلسطين اتجاها، ودول أخرى تمارس الإرهاب على مواطنيها والعمالة البائسة على أراضيها، وفي الأخير تكون قطر هي الشماعة المثلى لتعلق عليها تهمة دعم الإرهاب.

ربما كان حصار قطر راجعا إلى أمرين؛ أولهما طمع دول الحصار ومن ورائهم الولايات المتحدة في أموال قطر، ومحفظتها الاستثمارية التي تقدر بمئات الملايير من الدولارات، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، والثاني الخلاف حول تغيير أنظمة الشرق الأوسط وخارطته، والذي قد يكون حصار قطر أول بوادره. لكن أغرب ما وصلنا في مسلسل حصار قطر واستهداف المؤسسات التابعة لها منذ أكثر من شهرين حتى الآن؛ قرار رئيس وزراء الكيان الصهيوني بإغلاق مكاتب قناة الجزيرة القطرية في الأراضي المحتلة..

لم يتحمل نتنياهو تغطية الجزيرة لملحمة المسجد الأقصى، والتي كان لها من المهنية ما جعل الرأي العام العربي والعالمي يخرج في مظاهرات ومسيرات نصرة للأقصى.

وأشد ما في الأمر من غرابة أن قرار الإغلاق تم تبريره بنفس مبررات دول الحصار؛ "دعم الدوحة للإرهاب"، بل إن نتنياهو عبر صراحة أن قراره جاء تماشيا وقرارات دول عربية سنية ومعتدلة، فكيف تتلاقى مصالح دول الحصار العربية ومصالح كيان العدو الصهيوني؟ ولم لجأ نتنياهو إلى منطق الحكام العرب، وهو الذي يتزعم حكومة كيان طالما تغنى بديموقراطيتها؟ أم هل يا ترى تَعَرَّب نتنياهو ومتطرفوا "إسرائيل"، وأصابهم شيء من عدوى طرق الحكم عندنا؟ للأسف الأصح أن حكومات دول الحصار هي التي تصهينت، فنحن العرب نعلم أكثر من كل العالم أن النظام العنصري الصهيوني لا يؤمن بحرية تعبير ولا حرية صحافة، وكنا نتوقع منذ سنين أن يقدم الإسرائيليون على إغلاق مكاتب الجزيرة؛ لما قامت به القناة من تغطية مهنية منذ سنين لما يقع في الأراضي المحتلة من حصار للشعب الفلسطيني، ومجازر وعدوان، واستيطان، ما عرى صورة الكيان الصهيوني أمام منظمات العالم الحر، وكذب كل أطروحاتهم الزائفة من أن إسرائيل واحة السلام والمحبة، واحترام حقوق الإنسان في الشرق الأوسط.


لكن أن تتوافق قرارات دول الحصار والقرارات الإسرائيلية، فالأمر ينذر بشر دبر بليل، ويؤكد بما لا يدع للشك مجالا أن هناك تواطؤا بينهما، تواطؤ ستضيع فيه حقوق الفلسطينيين والعرب، ودماء زاكيات سالت دفاعا عن كرامة الأمة، وسيندثر فيه حق العودة، وأمنية الدولة الفلسطينية المنشودة، كل هذا في إطار ما روج له الرئيس المصري تحت مسمى "صفقة القرن".


لم يتحمل نتنياهو تغطية الجزيرة لملحمة المسجد الأقصى، والتي كان لها من المهنية ما جعل الرأي العام العربي والعالمي يخرج في مظاهرات ومسيرات نصرة للأقصى، وألهم حماس المقدسيين وكل الفلسطينيين للقدوم إلى الشوارع المحيطة بالمسجد الأقصى ليكسروا إرادة المحتل ويقيموا إرادة الله التي منها إرادتهم. ما أصاب الكبرياء الصهيوني في الصميم وساهم في إفشال مخطط السيطرة على المسجد الأقصى حتى الآن على الأقل. لكن من ماذا يخاف نتنياهو اليوم وقد انتهت مشكلة المسجد الأقصى وعاد الهدوء لشوارع القدس؟ أم أنه مقدم على خطوات خرقاء أخرى ضد الفلسطينيين ويخشى الآلة الإعلامية لشبكة الجزيرة، في تقديري المتواضع هناك نذر ثلاث أمور تلوح في الأفق:

الأول: محاولة السيطرة على المسجد الأقصى مرة أخرى، بنفس سيناريو السيطرة على الحرم الإبراهيمي في الخليل، فسلطات الاحتلال تسابق الزمن للسيطرة على الأقصى قبل نهاية ولاية ترامب الرئيس الأمريكي الأكثر صهيونية من نتنياهو نفسه، والذي كان صعوده للسلطة في الولايات المتحدة فرصة ذهبية لإسرائيل للسيطرة على الأقصى، وتشريع القوانين التي تمنع الانسحاب من القدس في ظل أي تسوية مع الفلسطينيين، وما احتفالات الحكومة الإسرائيلية في الذكرى الخمسين لاحتلال القدس تحت المسجد الأقصى، وقضية البوابات الإلكترونية إلا فاتحة لذلك.


أيا كانت النوايا الإسرائيلية من وراء إغلاق مكاتب الجزيرة، لن يعدو كونه محاولة يائسة وبئيسة لإسكات صوت الحقيقة في عصر الوسائل التواصلية عالية التقانة.

الثاني: مهاجمة غزة والقضاء على القدرات العسكرية لحركة المقاومة حماس، إذ ليس بريئا أن تتهمها دول الحصار فجأة بأنها منظمة إرهابية، ما يعني ضوءا أخضر لضرب المقاومة في غزة، وإضفاءا خسيسا للشرعية على أي عدوان إسرائيلي يستهدفها. وما نشهده هذه الأيام من تضييق للسلطة الفلسطينية على موظفي القطاع المحاصر، وقطع للكهرباء، وتوعدات في خطب الجمعة من رام الله، بحضور الرئيس أبو مازن، وما رشح من ترتيبات إسرائيلية لضرب مكتب الجزيرة في غزة أيام عدوان 2014. كل ذلك يؤكد أن هناك أمرا يدبر لإنهاء حكم حماس لغزة، خاصة بعد عودتها الرسمية إلى المعسكر الإيراني.

الثالث: التدخل عسكريا ضد حزب الله في لبنان أو سورية، بما يغير موازين القوى في الملعب السوري بما يتوافق والأجندات الإسرائيلية. وقد لا حظنا تصاعد التصريحات الإسرائيلية ضد الحزب في الآونة الأخيرة.

وأيا كانت النوايا الإسرائيلية من وراء إغلاق مكاتب الجزيرة، لن يعدو كونه محاولة يائسة وبئيسة لإسكات صوت الحقيقة في عصر الوسائل التواصلية عالية التقانة. مع تصميم وعزم القناة على مواصلة تغطية الأحداث في فلسطين المحتلة. كما أن هذا القرار يبين للرأي العام في دول الحصار مدى تواطؤ حكوماتهم مع النظام العنصري الصهيوني، وخاصة تلك التي تحاول فرض وصايتها على العالم الإسلامي متشدقة بأنها قائمة على الكتاب والسنة، ويؤكد جليا أن دول الحصار لم تعمد إلى قطع علاقاتها مع قطر برغبتها. بل بإملاءات خارجية لا تستهدف قطر وحدها وإنما تستهدف العمل العربي المشترك، وآخر ما بقي من حلم الوحدة العربية، وإعلان وفاة شيء اسمه مجلس التعاون الخليجي.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة