آلاء حمدان
آلاء حمدان
2 k

المسلمون في هوليوود

10/9/2017

للحظة قد يتهيأ لنا من العنوان أنّنا سنتحدّث عن مسلم اخترق الصّفوف الأماميّة لعالم هوليوود، وأصبح ممثّلاً ناجحا أو مخرجاً عالميّاً. ولكن هنا سأتحدث عن المسلمين الآخرين، عن المسلمين في أفلام هوليوود.


أتذكر تلك اللّيلة التي جلست فيها أشاهد فيلماً أمريكياً تمّ تصنيفه من أفضل أفلام عام ٢٠١٤، عنوانه (American Sniper). طبعاً يبدأ الفيلم بمشهد لجنديّ أمريكيّ يختبئ وسلاحه على سطح مبنى في العراق، أمام لقطة واسعة (Wide shot) لدمار وخراب وبشاعة نتيجة الحرب. يخرج من إحدى الأبواب امرأة عراقيّة يشكّ أنّها تحمل سلاحاً تحت ملابسها، وبعد لحظات تقف المرأة أمام الدّبابة "وبسريّة" تامّة تحمل صاروخاً صغيراً من تحت عباءتها وتعطيه لابنها الصّغير الذي يقف بجانبها، وتطلب منه أن يركض باتّجاه الدّبابة ويفجّرها أو يفجّر نفسه.


عواطف ذلك الجنديّ الأمريكي التي يركّز عليها المخرج من خلال مؤثرات صوتيّة وأنفاس متقطّعة ولقطه قريبة لوجه الجندي القلق المتعرّق منعته في البداية من إطلاق النّار على الطّفل، وراح يسترجع في ذكريات Flashback، يتذكّر طفله وهو في قمّة براءته يحاول اصطياد غزال قبل أن ننتقل لمشهد مسالمٍ في كنيسة. ولقطة مقرّبة Close-up على كتاب الإنجيل.



هذا المشهد لوحده كفيل بتهويل آلاف الصّور النّمطيّة عن المسلمين والتي يحاول المسلمون حول العالم دفعها عنهم. أوّلاً: بلادنا خراب ودمار لا حياة فيها. ثانياً: أمّهاتنا ترسل الأطفال ليقتلوا أنفسهم بهذه الصّورة الغبيّة وبكل بساطة. ثالثا: المحجبّات، كل محجّبة قد يكون تحت حجابها صاروخ، فاحذر! رابعاً: أنّنا مجرمون، والطّرف الآخر مسكين متعطّش لابنه وعائلته وكتابه الدّينيّ المتسامح.


ولكن هل تفاجأتُ؟ لا! فأنا ممّن شاهدوا المسلسل الأمريكي المعروف (24)، والذي اشتهر بسبب عرضه مباشرة بعد أحداث 9/11. المسلسل يروي أحداثاً لجهاز الاستخبارات الامريكيّ والذي يحاول طوال الحلقات والأجزاء حماية أمريكا من الهجمات الإرهابية، ولنحزر ما هي أسماء الممثلين الإرهابيين؟ علي، عمر، محمد، أحمد، محمود، جهاد، شريفة، مريم، فاطمة. سمعت هذه الأسماء في المسلسل مكرّرة أكثر من سماعي لها في الحياة الواقعيّة. ماذا عن الرّوس؟ الصينيين؟ اليابانيين؟ وكل أولئك ممن يملكون قدرات أضخم وأغنى وأهم للقيام بأي اعتداء، بل وأمريكا فيها خلايا إرهابيّة غير مسلمة منتشرة في جميع ولاياتها.

المخرج الذّكي لا يعبّر صراحة عن توجّه فيلمه أو توجهه وخاصّة إن كان فيه ريح العنصريّة، بل يدع لقطات بسيطة تعبّر عن رأيه: الصّلاة بسريّة، جدران مكتوب عليها "موت"، شوارع ضيّقة قذرة..

أمشي قليلاً للأمام، لعام ٢٠١١ والمسلسل الأمريكي (Homeland)، وهو يظهر لك قصّة جنديّ أمريكي ترك دينه خلال وجوده في أفغانستان ليعود لأمريكا مُسلماً. إلى هنا ممتاز، ولكن انتظروا: تدور حوله الشّكوك إن كان حقّاً مسلماً أم لا وقد أخفى اعتناقه للدّين الجديد. وبطبيعة الحال والتّوقعات في مسلسلات كهذه، فإنّ اعتناقه للإسلام جعل منه إرهابيّاً، ويدخل في مطاردة طويلة لن أحرق لكم نهايتها. أحداث المسلسل في غالبها تدور في مصر والأردن ولبنان. طبعاً لا ترى إلا أسواقاً مكتظّة، منازل قديمة، شوارع قذرة، وصوت أذان يزعج الممثّلة فجراً.


الكثير من المغالطات الدينية والثقافيّة تملأ هذا المسلسل: إن وقع المصحف أرضاً، عليك بدفنه تحت التّراب. كل من يلبس بدلة هو فلسطيني ذكيّ ورجل أعمال هام، ولكنّه إرهابيّ أو عميل. أمّا الجدران، فالكتابات عليها تحتاج فيلماً لوحدها: نموت، تفجير العدو، هذا ليس وطن، الوطن ضاع، بدنا حرية، الحرية أو الموت.. وعبارات أخرى كلّها دامية!


كذلك المسلسل الأمريكي (House أو ER) لا أذكر تماماً، عندما دخلت فتاة باكستانيّة المشفى لأنّ والدها ضربها عندما قررت الزّواج بغير مسلم. وأنقل ذلك للقضيّة الأكثر تداولاً عام ٢٠١١ فيما يتعلّق بفيلم هاري بوتر (Harry Potter) عندما قام والد إحدى الممثلات الأفغانيات المسلمات بالتهديد بقتلها بسبب مواعدتها لشاب هندوسي. متى كانت المرّة الأخيرة التي أصبح خبر الممثلين "الكومبارس" على رأس أخبار هوليوود؟ ولكنّ هذه الأخبار تجلب التّعاطف الدّولي، والأهم، تجذب المزيد من الأنظار للجزء الجديد المنتظر من (Harry Potter) على حساب ديانة كاملة!



أمّا فيلم (Eye in the Sky)، فيلم ذكي جدّاّ في توجيه العالم "المشاهدين" نحو دعم ومساندة أمريكا في مواقفها وحروبها وقراراتها السّياسية، وأننا نحن لا نعلم ماذا يحصل خلف الأبواب المغلقة التي تتخذ عندها تلك القرارات. تقع أحداث الفيلم في كينيا، حيث تحاول طائرة حربية أمريكية استهداف منزل لرجل مدجج بالقنابل بهدف تفجير نفسه. ولكنّ "الحبكة" في الفيلم هي أنّ قرار الاستهداف يتأخر أكثر من ساعة لأنّ وزارة الدّفاع الأمريكية ترى طفلة صغيرة بقرب المنزل المراد تفجيره، وبذلك دولة أمريكا العظمى تنتظر ابتعاد الفتاة عن موقع التفجير حتى لا تصيبها التفجيرات بأذى. فأمريكا تهتمّ بأرواح الجميع، الجميع دون استثناء.


حاولت مراراً أن أفصل الفنّ عن السّياسة، وأن أقول في ذاتي وأكرر "الفنّ لأجل الفنّ"، ولكن ليس دائماً. فالأفلام ترجمان الأفكار، والمَشاهد التي يكتبها المخرج هي أحياناً لنقل المبادئ والتوجهات والعنصرية والانحياز واللاموضوعية على هيئة ساعتين من المتعة البصريّة والموسيقيّة والتي قد تستمتع فيها لأقصى حد حتّى وإن كنت لا توافق ما جاء بها، ولكنّها حتماً تركت في العالم أثراً أوسع وأطول من تلك المتعة اللّحظيّة.


إنّ المخرج الذّكي لا يعبّر صراحة عن توجّه فيلمه أو توجهه وخاصّة إن كان فيه ريح العنصريّة، بل يدع لقطات بسيطة تعبّر عن رأيه: الصّلاة بسريّة، جدران مكتوب عليها "موت"، شوارع ضيّقة قذرة، سائق تكسي يعاكس ممثلة وعضو بالمخابرات الأمريكيّة (نحن التكسي، وهم النّساء منهم يعملن في المخابرات)، بدلات رسميّة لشخصيّات خليجية وفلسطينيّة تحتها أسلحة، مسلم "مُجاهد" يخون زوجته كلّ يوم، و"مُجاهد" آخر يضرب بناته. هذه اللّقطات كفيلة أن تزرع في عقل المُشاهد صورة نمطيّة قبيحة وبذلك يمكننا وبكل ثقة تصنيف بعض (ولا أعمّم بالطّبع) الأفلام الأمريكية بـ "Islamophobic" أي أفلام يُرهبها الإسلام.


أقول دائماً: "صانع الأفلام، هو كاتب التّاريخ"، ففي أيّامنا هذه من يصنع الأفلام يكتب التّاريخ بدقّة، أو يحرّفه باحترافيّة. بعد أعوام، سيقرأ الجيل الجديد تاريخاً مختلفاً إن بقيت أفلامنا صامتة كما هي الآن.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة