كيف تنتشر الأفكار السخيفة في المجتمع؟

17/9/2017
كثيرا ما يتبادر إلى أذهاننا سؤال مثل كيف انتشرت مثل هذه الأفكار السخيفة والتافهة في مجتمعاتنا؟، كيف تحولت هذه الأفكار إلى قضايا يدافع عنها الأفراد وينصبون العداء لمن ينتقدهم فيها، ولماذا يحدث أن نرفض الأفكار ثم ما نلبث إلا أن نقبلها.. ولماذا نشعر أننا صرنا فجأة مقلدين لفكر آخر وجماعة أخرى، أو حتى شخص آخر ربما نرى فيه شيئا مثاليا؟ ومن ثم كيف تنتشر الأفكار في المجتمع الواحد أو بين المجتمعات المختلفة؟  في هذه التدوينة لن نتطرق للدوافع النفسية والاجتماعية بقدر ما سنتحدث عن الآلية الاجتماعية التي تحدث كل هذه التغيرات.

 

هناك مصطلح في علم الاجتماع يسمى ب "العدوى الاجتماعية"، مفهوم هذا المصطلح بسيط، وهو يشابه مبدأ العدوى في الطب، أي أن الشخص المصاب بمرض معدي يمكن من خلال قيامه بسلوكيات محددة أن ينقل هذا المرض لشخص غير مصاب به، تعمّد ذلك أم لا..

 

ذات الأمر ينطبق على التفاعلات الاجتماعية، أي أن سلوك جماعة ما داخل المجتمع أو خارجه مع امتلاكها لسلطة أو علو ثقافي أو علمي أو سياسي أو أيدولوجي أو أو.. يمكن أن يؤثر على سلوك جماعة أخرى، بتغيير أفكار أو توجيهها أو التأثير عليها.

 

تتشكل العدوى الاجتماعية في إطار سلطوي، يسعى لتغيير مفاهيم المجتمع من خلال استخدام عديد من الوسائل التي تعمل على إكراه الأفراد على اعتناق ما بدا يوما ما مستحيلا

مواقع التواصل 
 

كثير من سلوكياتنا تبنى على هذا الأساس، بعضها يدخل في شكل من أشكال "الضبط الاجتماعي" وهي آلية لضبط سلوك الأفراد داخل المجتمع الواحد، كأن يكون لدينا سلوكيات مشتركة تعزز من التآلف بين أفراد المجتمع الواحد، سواء كانت تلك الأفكار سخيفة من الناحية المنطقية أو عقلانية، إذ لا يتطرق المعظم للغاية من هذا الفعل بقدر تطرقهم لأن الفعل يحدث لأنه يحدث. هذه السلوكيات تزيد من عوامل الارتباط بين مكوناته، لتتشكل بالنهاية تلك المقولة المشهورة في علم الاجتماع "لا أحد يأمر لكن الكل ينفذ".. أي تتشكل الملامح العامة للمجتمع بعاداته وسلوكياته وتنتظم بذلك الخطوط الأساسية وحتى التفصيلية للمجتمع بصورته الكلية، فمثلا، في المدرسة يصبح دخول المدرِّس أمرا يستوجب قيام الطلاب ورد التحية، في البداية يتعلمون هذا الأمر أو يلاحظونه، ثم ينتظم السلوك من تلقاء نفسه، لا أحد يأمر لكن الكل ينفّذ.

 

على الجانب الآخر، وفي مشهد مختلف تتشكل العدوى الاجتماعية في إطار سلطوي، يسعى لتغيير مفاهيم المجتمع من خلال استخدام عديد من الوسائل التي تعمل على إكراه الأفراد على اعتناق ما بدا يوما ما مستحيلا، هذا الإكراه قد يغلّف بالعديد من الأساليب التي تعمل على خلق واقع جديد، وتعد قوة الحديد والنار إحدى تلك الوسائل.

 

وبالربط بين العدوى الاجتماعية في إطار انتشار الأفكار في المجتمع وبين استخدام السلطة لها، فإنه يمكن للسلطة أن تخلق عادات جديدة مع الزمن، وأن تحولها لأمور تنظيمية تدخل في السلوكيات العامة لثقافة البشر، كأن يرث المجتمع -مثلا- أن التدخل في الشأن السياسي يعد أمرا مشينا يضع الفرد والعائلة في خطر وبالتالي يجب تجنبه، وأن الشأن السياسي حكر على الحكومة، ليتحول المجتمع مع الوقت إلى مجتمع ينبذ أبناءه إن تحدثوا بالسياسة، ويلجم أي صوت يمكن أن يصيب من حوله بخطر يهدد استقرارهم ووجودهم، وعلى هذا يبنى المجتمع.

 

بعد ذلك، وبالعدوى التي تصيب شريحة واسعة من الأفراد، يترسخ الأمر ليصبح مجرد النقاش فيه أمرا مشينا، بل وقد يستحق صاحبه أن يلقى بأبشع الألفاظ، وأن تنفذ فيه أشد أساليب العقاب المادية. نصل بعدها للمرحلة التي تحدثنا عنها "لا أحد يأمر لكن الكل ينفذ".. أي نصل لمرحلة أننا لا نأمر الناس بالابتعاد عن السياسة لأن الناس ابتعدوا عنها برقابة داخلية ولّدتها السلطة. وعليه فقيسوا.

 

الأنظمة السلطوية والجماعات الشمولية تخشى من انتشار الأفكار المخالفة لها، خصوصا تلك المهددة لها، كالأفكار الساعية للتحرر عموما، لأنها تعد ذلك خطرا داهما يمكن أن ينتشر في أوساط أفرادها، مما يهدد وجودها كسلطة.

 

يبقى الرجوع للقيم أو المقصد من الأفكار التي تنتشر بالمجتمع هي التي تحدد قيمة كل فكرة من عدمها، إلا أن الإشكال يقع حينما لا يبحث الناس عن السياقات التي أنتجت الأفكار، ولا المقصد والغاية

وبالانتقال من نموذج انتشار الأفكار داخل المجتمع الواحد إلى عدوى انتشار الأفكار بين المجتمعات.. وبأخذ الربيع العربي كنموذج.. فالمد الثوري الذي بدأ في تونس، انتقل لعديد الدول المجاورة، لذلك كان على أنظمة الحكم الشمولي أن تئد تلك الثورات لتقف هذه العدوى الثورية والتحررية، لتخبر أولئك الثائرين أن أي فكرة للتغيير سيقابلها شلالات من الدماء، يرفعون التكلفة لدرجة لا يستطيع معظم الناس احتمالها، بالتالي تنتشر جمل مثل "مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق" يصبح أي تفكير بالمطالبة بإصلاح أو محاولة لتغيير نظام ما أمر مستهجن التفكير فيه.

 

ولا يختلف الأمر كثيرا فيما يتعلق بانتشار الأفكار من المجتمعات المتفوقة سياسيا وعسكريا تجاه المجتمعات المهزومة ثقافيا، فيمكن الاستعاضة بالاحتلال العسكري من خلال الاحتلال الثقافي، وربما يمكن من خلال فهم هذه الآليات، فهم دوافع المجتمعات لاتخاذ أساليب حمائية تقيها من عملية ضياع القيم والمبادئ الأساسية.

 

نعم قد تختل القيم الاجتماعية لتصبح معايير المجتمع التي يتم القياس عليها رفضا أو قبولا هي معايير مشوهة، بالتالي تتشوه فكرة التقييم أساسا. إلا أن هذا يعد موضوعا آخر للنقاش.

ما سبق يمكن أن يعد بابًا للفهم، يمكن سحبه على كثير من الأفكار الاجتماعية، إلا أنه يجب التنبيه إلى أن مصطلح "العدوى الاجتماعية" يعد مصطلحا توصيفيا، وعلى من يريد استخدامه أن يكون حذرا، لأن اختلال التوصيف يعني اختلال الوصول لنتائج، فهذه آلية اجتماعية تحدث بإيجابياتها وسلبياتها، فكما أنه بهذه الآلية تنتشر القيم الخيِّرة، فهي ذاتها التي يمكن أن تتفشى فيها الكثير من المساوئ، ويبقى الرجوع للقيم أو المقصد من الأفكار التي تنتشر في المجتمع هي التي تحدد قيمة كل فكرة من عدمها، إلا أن الإشكال يقع حينما لا يبحث الناس عن السياقات التي أنتجت الأفكار، ولا المقصد والغاية، فيصبح الشعور اللحظي والمصلحة الذاتية الآنية هو المعيار، أو ربما فلنقل أن التقليد لمجرد الإعجاب وتحقيق مصلحة -الآن- دون النظر للمقصد والآثار المستقبلية هو المسار الذي تسير عليه المجتمعات، لتبقى تابعة مقلّدة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة