أحمد سمير قنيطة
أحمد سمير قنيطة
360

الثورة السورية واتفاقية أوسلو المشؤومة!

18/9/2017

قد يبدو لك للوهلة الأولى أن العنوان فيه شيء من الغرابة أو المغالطة، فإنه معلوم للقاصي والداني أن اتفاقية أوسلو هي اتفاقية خاصة بالقضية الفلسطينية وقّعتها منظمة "التحرير" مع العدو الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين، أما الاتفاقيات والمقررات الخاصة بالثورة السورية والتي يتم طبخها في أروقة مؤسسات المجتمع الدولي المتآمر فهي مفاوضات جنيف وأستانة وغيرها من المبادرات التي تسعى لإيجاد حلول سياسية للثورة السورية.

تعمدتُ من خلال اعتماد هذا العنوان إيجاد تلك المقاربة بين القضية الفلسطينية وما ترتب عليها من احتلال ثم ما لحق بها على مدار سنوات من تصفية ومتاجرة بتضحيات الفلسطينيين، وبين ما يحدث الآن من محاولات تجري على قدم وساق لتصفية الثورة السورية وإفراغها من مضمونها وتجريدها من ثوابتها التي خرج من أجلها الشعب السوري الثائر، والتي على رأس أولوياتها إسقاط النظام بكامل أركانه ومحاكمة المجرم السفاح بشار الأسد، وإذا عرَّجنا على بنود اتفاقية أوسلو نجد أن هناك تشابه كبير بين بعض بنودها مع ما تكشف عن بعض مخرجات مفاوضات أستانة وأهمها: الاعتراف بالعدو الصهيوني والتنازل عن (78 في المائة) من فلسطين التاريخية، والتخلي عن مبدأ تدمير "إسرائيل"، ونبذ العنف ومحاربة الإرهاب مقابل إعطاء الفلسطينيين الحق في إقامة حكم ذاتي وقوة شرطية وجيش وطني منزوع السلاح لحفظ الأمن!

من الغريب ألا يكون مطروحاً على جدول أعمال المفاوضات قضية مصير النظام بوقت بدأت بعض الدول "الصديقة" للثورة تتراجع عن مطلب رحيل بشار الأسد ونظامه والقبول بحلول الأمر الواقع لاعتقادهم بأن الثورة انتهت

الثورة السورية اليوم ليست بأفضل حالاً من شقيقتها الفلسطينية التي تآمر عليها من ادعوا أنهم أبناؤها وسادتها وقادتها ومشعلي شرارتها الأولى، ثم باعوها بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيها من الزاهدين، فهي تعاني اليوم من نفس الوباء الذي أصاب القضية الفلسطينية، فالمتصدرين لتمثيل الشعب السوري والمتسلقين على تضحياته يسلكون ذات الطريق الذي سلكها المفاوض الفلسطيني شبرا بشبر وذرعاً بذراع، فتنازلوا عن مطالب الثورة وفرطوا بالدماء التي لا زالت تروي ثرى الشام، وضحوا بعذابات ملايين السوريين الذين لا زالوا يحلمون بالخلاص من نظام مجرم جاثم على قلوبهم منذ عقود.

وبالنظر إلى مفاوضات أستانة فإن من أهم مخرجاتها هو الاعتراف بالنظام السوري المجرم ضمناً من خلال محاولة الوصول لحل سياسي معه بإشراف روسي وإيراني وهو ما يقابله في أوسلو بند "الاعتراف بإسرائيل"، ويدعم ذلك تصريح الوفد الروسي بأنه سيتم القضاء على أي قوة أو فصيل يسعى للإطاحة بالحكومة السورية دون أي اعتراض أو تعليق من الفصائل المشاركة في أستانة، وهذا الواقع يقابله في أوسلو بند "نبذ العنف ومحاربة الإرهاب" والإرهابيين بالتأكيد هم كل من يحاربون النظام ويسعون لإسقاطه، وهذا منصوص عليه في بنود "أستانة" تحت عنوان محاربة النصرة والتنظيمات المرتبطة بتنظيم القاعدة.

 

أيضاً مما تم التوافق عليه هو تجميد قتال النظام من خلال القبول بعقد هدن وإنشاء مناطق خفض تصعيد من شأنها اعفاء النظام من الكلفة البشرية والاستنزاف الهائل للإمكانات التي كان يخسرها في مواجهة قوى الثورة، مقابل ذلك كله سيتم إعطاء المفاوضين حصتهم في الكعكة المتمثلة في حكومة وطنية وجيش وطني سيكون مهمتهم المحافظة على البنود آنفة الذكر.

اتفاقية أوسلو المشؤومة والتي تمر ذكراها هذه الأيام لم يعتبر منها المفاوض السوري الذي يلهث خلف أوهام أستانة التي حتماً لن تعطيه سوى السراب، وإذا علمت أن "الوفد العسكري المفاوض" ذهب إلى المعركة التفاوضية بغير سلاح فاعلم أنه حتماً سيرجع خالي الوفاض يجرُّ خلفه أذيال الهزيمة، كيف لا والثورة تمر اليوم بأخطر مراحلها على الإطلاق في ظل تقدم كبير للنظام في المنطقة الشرقية على حساب تنظيم الدولة، أضف إلى ذلك خسارة الثوار لمناطق استراتيجية في الأشهر الأخيرة كحلب وأجزاء من الغوطة الشرقية والقلمون وغيرها من المناطق، وأمام هذه المعطيات نتساءل عن أوراق القوة التي يمتلكها المفاوض السوري الذي يذهب إلى الانتحار الحتمي في مقابل النظام المتقدم عسكرياً والمدعوم من الحليفين الاستراتيجيين روسيا وإيران. 

الوفد المفاوض في أستانة لا يملك السيطرة إلا على مساحة قد لا تتجاوز ال (10 في المائة) في أحسن الأحوال من مساحة المناطق المحررة، ولا يمثل الثقل الحقيقي للفصائل العسكرية الفاعلة على الأرض، فهناك فصائل ترفض هذه المفاوضات وتعتبرها فرض حلول انهزامية على الثورة السورية وعلى رأسها "هيئة تحرير الشام" الفصيل الأكبر في الساحة إضافة إلى بعض فصائل الجيش الحر كـ "جيش العزة" و"جيش النصر" ولذلك أعتقد أن أستانة لن تمر أبداً وسيفشلها الشعب السوري وثواره كما أفشل الشعب الفلسطيني اتفاقية الذل والعار "أوسلو" خصوصاً إذا تم فتح الجبهات في المرحلة الحالية ضد النظام وإشعال الثورة وعودتها لزخمها الثوري من جديد، ما سيدفع الشعب السوري للالتفاف حول كل من جاهد وقاتل ليحافظ على تضحياته ويحقق آماله وأحلامه التي خرج لها في الثورة المباركة.

الثورة لم ولن تنتهي ولكنها تلفظ خبثها وتعيد ترتيب أوراقها بعد أن ثبت من ثبت وسقط من سقط في هذه الطريق القاسية والتي لا يقوى على الصمود فيها إلا رجال وهبوا أنفسهم نصرة لدينهم وشعبهم الثائر

رويترز


الخطورة في هذه المفاوضات أنها تأتي في وقت يسعى المجتمع الدولي الظالم لفرض حلول سياسية للسوريين على حساب مبادئ ثورتهم الأعظم في تاريخ الأمة، حيث يتم في هذه المرحلة تعويم النظام المجرم فوق بحر متلاطم من المبادرات والاتفاقات والمؤتمرات والمؤامرات والهدن والمصالحات، من جنيف إلى أستانة مروراً بمنصة الرياض وليس انتهاءً بمنصتي القاهرة وموسكو، إذ أنه من الغريب أن لا يكون مطروحاً على جدول أعمال المفاوضات قضية مصير النظام في وقت بدأت بعض الدول "الصديقة" للثورة تتراجع عن مطلب رحيل بشار الأسد ونظامه والقبول بحلول الأمر الواقع لاعتقادهم بأن الثورة انتهت وأن روسيا وإيران انتصرت على ثورة شعب خرج مطالباً بالحرية والعدالة ودفع في سبيل ذلك ما يقارب المليون شهيد!

الثورة لم ولن تنتهي ولكنها تلفظ خبثها وتعيد ترتيب أوراقها بعد أن ثبت من ثبت وسقط من سقط في هذه الطريق القاسية والتي لا يقوى على الصمود فيها إلا رجال وهبوا أنفسهم نصرة لدينهم وشعبهم الثائر، وصدق الإمام الغزالي إذ قال: "الدعوات -إبّان امتدادها وانتصارها- تُغري الكثيرين بالانضواء تحت لوائها، فيختلط المخلص بالمُغرض، والأصيل بالدخيل، وهذا الاختلاط مُضرّ أكبر الضرر بسير الرسالات الكبيرة وإنتاجها، ومن مصلحتها الأولى أن تُصاب برجّات عنيفة تعزل خبثها عنها".

لذلك فإن الثورة بإذن الله ستنطلق من جديد انطلاقةً وثّابة وهي أصلب عوداً وأقوى شكيمة وأشد إصراراً على إسقاط هذا النظام المجرم، وسيواصل المجاهدون والثوار الذين ما زالوا على العهد لم يغيروا ولم يبدلوا ممن حملوا أرواحهم على أكفهم وشقوا طريقهم نحو النصر غير آبهين بعظيم الثمن الذي سيدفعونه رغبة في تحقيق تطلعات شعبهم الصابر المرابط، وستمضي الثورة بثبات رامية خلف ظهرها كل من خانها وتاجر بها وباعها في سوق النخاسة ظاناً بالله ظن السوء بأن الباطل انتصر وأن الحق لا طاقة له اليوم بالباطل وجنوده، لترد عليه الثلة المجاهدة الصابرة: "كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة