محمد معاذ شهبان
محمد معاذ شهبان
1.1 k

هكذا صرت مترجما

26/9/2017

تُعجبني مقولة ستيف جوبز التي دبجها يوماً قائلاً "أفضل طريقة للقيام بعمل رائع هي أن تحب ما تفعله"، فأجملُ ما قد يحصل لنا في مسارنا العلمي أنْ يختارنا تخصص معين قبل أن نلتفت له في لحظة يأسٍ مُكرهين على اختياره، وأروعُ ما يصادف دربنا أن تبرزَ ملكةُ التميز والتألق لدينا في سن مبكرة، تُصاحبنا، تميزنا عن أقراننا وتجعلنا ننغمس يوماً عن يوم في تفاصيل عشقها، نجابهُ تحديات ما اخترناه فنجد في المجابهة لذة الإصرار ومتعة المعرفة. ولا يختلفُ اثنان في أن أسعد الناس مهنياً هم أولئك الذين يُحبون ما ابتغوه تخصصا فيُبدعون كل مرة وكأنها أول مرة.

لمْ يَدر في خلدي، على الأقل قبل سنتي الأخيرة، أن أكون مترجماً متمرساً ومُحترفاً وأن تُصبح ما ظننتها يوما هواية وشغفاً مصدرا لكسب قوتي اليومي إذْ كنتُ أكثر ميلاً للتاريخِ والعلوم السياسية والعلاقات الدولية. قصتي مع الترجمة تُشابه لحد كبير قصص الحب الكلاسيكية التي نشاهدها في الأفلام، تلكَ التي تُكلل بعد تردد وإضمار وإعجاب وتوافق بزواج عن تراض وقناعة تامة بحسن الاختيار.

تعودتُ في صغري أنْ أُجالس أبي كلما أدِن موعد الأخبار، كان والدي يُجالسُ بدوره كبار السياسيين والمُثقفين متتبعاً متحمساً للسياسة والساسة عبر العالم وعلى دراية كبيرة بالعلاقات الدولية وما زال، فصرتُ بدوري حريصاً على الالتزامِ بمواعيد معينة حتى لا تفوتني مستجدات العالم وحتى يتسنى لي الاطلاع على مجريات الأحداث.

إن الترجمة فنٌ، إذ أنها تحثُ المُترجم على الإبداع وتحفزه دائما على الاطلاع على ما استجد في اللغة وتعبيراتها، ينتقي المصطلحات المناسبة ويُرتب العبارات ترتيبا يليق بمقام النص المترجم

مواقع التواصل
 

كانت قناة الجزيرة حينها ماركة مسجلة Trade Mark في بيتنا، تسمع تتر الأخبار على رأس كل ثلاث ساعات وتتردد أصوات متألقي الجزيرة: جمال ريان، جميل عازر، سامي حداد... أذكر أنني تعرفتُ أول ما تعرفتُ على الترجمة في تلك النشرات حيثُ غالباً ما يُبث خبر عاجل، خطاباً كان أو تغطية إعلامية لمؤتمر صحفي أو لقاء مباشرا، كانت بالخصوص خطابات طوني بلير وبيل كلينتون تُبث حينها تزامناً مع حرب كوسوفو. كانت الجمل والعبارات تُنطق تباعاً بشكل مسترسل ثُم سرعان ما يتلقفها المترجم الفوري فيتيحها عربية خالصة. راقتني العملية المُعقدة والممتعة.. أتسمرُ أمام شاشة التلفاز بانتباه وإصغاء شديدين فأسابقُ المترجم في البث المباشر بترجمة بعض من المصطلحات فأنتظر مصطَلح المُترجمِ مقابل اجتهادي، ثم أعيد الكرة كل مرة، حتى أنني أذكر أن أولى العبارات الإنجليزية التي تعلمتها كانت من خلال تلك العملية التي لم أمل منها يوما.

مرت السنون، اخترت الأدب المعاصر والعلوم الإنسانية مساراً في التعليم الثانوي واخترتُ لاحقاً الدراسات الإنجليزية تخصصاً في جامعة القاضي عياض بمراكش المشهود لها بتميزها وتألقها وعلو كعبِ أساتذتها الجامعيين. كانت الترجمة من بين ما درست، رغم أن حصصها كانت لا تتعدى أربع ساعات أسبوعيا إلا أنها كانت حصتي المفضلة، نُترجم مقالات أدبية وسياسية وأبياتاً شعرية ومقاطع من أهم أعمال الأدب الإنجليزي، كُنت أميل لها أكثر من ميلي للسيمائيات Semantics وعلم الصوتيات Phonetics وكل ما يهم اللسانيات التي لطالما آمنتُ أن المرءَ لا يبدع فيها بقدر ما يلتزم بقواعد معينة يخضع لها، فكان ذلك احتكاكي الفعلي الأول بالترجمة، وقعتُ في عشق فنها المُركب وتمكنت مني شراكها فثابرت على المضي في النهل من فنونها.

بنيلكَ لشهادة الإجازة BA في الدراسات الإنجليزية تتعددُ أمامَك المسارات التي تطمحُ لسلكها حسب تفوقك، فكان من اختار التعليم الإعدادي أو الثانوي ومن اختار الالتحاق بمراكز لغات خاصة للتدريس ومن توجه لمجال السياحة ومن هاجر للولايات المتحدة أو بريطانيا. فكانَ أنْ آثرت استكمالَ مساري الأكاديمي بأن التحقتُ بماجستير الترجمة بعد سلسلة من الاختبارات لأوَثق رباطي بالترجمة فناً وعلماً.

برنامجُ الماجستير كان مكثفاً بين حصص وندوات علمية وتداريب جامعاً بين تخصصات متعددة من القانون والاقتصاد والأحداث السياسية والعلاقات الدولية وبين بحوث كان يُطلب منا تحضيرها وعرضها لاستعراض مهارات التواصل والإلقاء، فتلك من المحددات الضرورية لعمل المترجم وضمان سلاسة مهمته. ومما زاد مرحلة الماجستير ألقا ثلة الأساتذة المرموقين الذين أثثوا مراحله وحببونا في الترجمة أكثر بصبرهم وتفانيهم وتمكنهم.. 

إن التجربةُ الأولى هي التي دائماً ما يترددُ صداها حينَ كل تكليف جديد، نقيس على أساسها مقدار تطور ممارستنا ونُشهرها في وجه كل ما استجد من المسؤوليات والمشاريع المُبرمجة على جدول أعمالنا

خلال تحضيري للماجستير حظيت بفترة تدريب Internship بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون بالرباط فكانت تلك البوابة التي جعلتني أنفذُ إلى الدبلوماسية وعالمها المتشعب من خلال جواز الترجمة، ثم تعاونت بعدها مع بعثات دبلوماسية ومنظمات دولية بالمغرب، جالستُ شخصياتٍ لطالما حلمُت بلقائها، حضرتُ لقاءات على مستوى عال من السرية خلف الأبواب المٌغلقة، اؤتُمنتُ على وثائق بالغة الحساسية وعايشتُ أوقاتاً عديدة كثيرة طبعها الضغط الرهيب والتوتر قبل كل مهمة ترجمة جديدة.

 

كانت المُتعة والرهبة الممزوجتان حينها في تلك الاختبارات لجس قدرتك على ترجمة وثائق بمصطلحات عصيةٍ على التوفر حتى في أعرقِ القواميس، في البروتوكولات التي تَسبق كل اجتماع من كيفية الجلوس وتدوين النقاط والاسترسال في الترجمة وخلق التوازن والتناسق بين المتحدثين -طرفي الترجمة-، في الحرص على ضبط المفاهيم والمصطلحات فالمصطلحُ وإن هانت أهميته انقلبَ إلى سوء فهم دون قصد وجر عليكَ ويلاتِ النقد، في التحكم في نبرة الحديث فتضبط إيقاعها، تتغير بحسبِ تغير الحديث وتفاصيله، ترنو للعفوية والبسيط من الخطاب حينما يخرج اللقاء عن إطاره الرسمي وتغدو أكثر حزماً في بيت قصيد اللقاء.

الجميل في الترجمة أنه يتأتى لكل ممارس لفنها خوضُ غمارٍ آخر لا يقلُ متعةً عما يُوكل إليه من مهام رسميةٍ من خلال ترجمة ما تيسر وتوفرَ من إنتاجات وإصدارات مكتوبة أو مرئية متنوعة المشارب فيغدو متمرساً خابراً لتقنيات الترجمة واستراتيجياتها مساهماً في بث المعرفة وتنوير المُجتمع. وإن أكدتُ وكررتُ أن الترجمة فنٌ فليسَ في الأمر أية مبالغة، إذ أنها تحثُ المُترجم على الإبداع وتحفزه دائما على الاطلاع على ما استجد في اللغة وتعبيراتها، ينتقي المصطلحات المناسبة ويُرتب العبارات ترتيبا يليق بمقام النص المترجم فتقرأُ النص المُتَرجم وكأنهُ مؤلفٌ بلغته الأصلية. 

ومما لا شَك فيه أنَ كل مترجمةٍ ومُترجم منا له قصةُ تعامله الأول مع الترجمة بتفاصيلها الزمكانية وتجربتها التي نتذكرُها باعتزاز كُلما أضفنا لبنةً من لبنات أعمالنا إلى معمارنا الذي نحرص على تكامله.. فتلكَ التجربةُ الأولى هي التي دائماً ما يترددُ صداها حينَ كل تكليف جديد، نقيس على أساسها مقدار تطور ممارستنا ونُشهرها في وجه كل ما استجد من المسؤوليات والمشاريع المُبرمجة على جدول أعمالنا ونَمتحُ من مُتعة ذكرياتها ما يدُب في أوصال فكرنا الوقود اللازم للإتقان والإبداع، وذلك هدفُ كل مُترجمة ومترجِم.. هكذا إذن صرت مترجما.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة