منى شتيه
منى شتيه
404

الشلل العربي وحرية الحركة

12/1/2018

من على قمة جبل نيبو في مادبا/ الأردن كنا نطل على فلسطين، على طبرية، ونابلس، وأريحا، ورام الله، والقدس قلب فلسطين، وجميلة الجميلات بيت لحم، على الجمال المقدس بأكمله، ولكننا حبيسو المكان لا نستطيع تجاوز الحدود بين الضفتين الشقيقتين؛ الشرقية والغربية، الأردن وفلسطين، لا نستطيع العبور دون تصريح لعين من الاحتلال الفاشي ومن حكومتين عربيتين لم تتمكنا من التغلب على هذا الاحتلال بعد! هذه ليست دراما! هذا الواقع الذي نعيشه! هذا واقع عزل فلسطين عن العالم بأكمله!

 

حرية الحركة في القوانين الدولية

تعد حرية الحركة والتنقل هي أحد أهم الحريات التي كفلها القانون في الكثير من الدول وبحسب المادة رقم 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإن "لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة، كما من حق كل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده، كما يحق له العودة إليها"بالإضافة إلى أن المادة رقم 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية كفلت أن "لكل فرد حرية التنقل واختيار مكان سكناه في أي مكان في نطاق الدولة التي يتواجد فيها بشكل شرعي، كما ويحق لأي فرد أن يغادر أية دولة بحرية بما في ذلك دولته هو".

 

الفلسطيني وحرية الحركة!

برفقة صديقي الفلسطيني الذي خرج من فلسطين قبل حوالي 10 أعوام وقفنا على منصة جبل نيبو المطلة على فلسطين، وقفنا لنتأمل البلاد القريبة البعيدة، فمنذ خروجه من فلسطين لم يدخلها حتى اليوم، ولا يدري متى يستطيع أن يدخلها، وقف يتأمل البلاد بسهولها وجبالها، ببحرها وبرها، وقف يستنشق هواءها وباح بشوقه لفلسطين، نعم، أنا سمعته حين كان يتمتم في داخله عن ذاك الشوق الذي لا يحكى، فصديقي حاله كحال أي فلسطيني آخر، لجأ أهله منذ النكبة وانتقلوا من الداخل المحتل إلى إحدى الدول العربية ليولد هناك ويعيش بضع سنين من حياته في تلك الدولة، عاد بعدها يافعا وعائلته إلى البلاد ليقطن إحدى المدن -غير مدينته الأصلية- ولمدة 10 سنوات، لم يلبث أن يستقر بها حتى قرر السفر والانتقال إلى خارج فلسطين مرة أخرى بحثا عن العلم والحياة بعيدا عن الحواجز والتصاريح والاحتلال، بعيدا عن التضييق على حريات الحركة والتعبير وغيرها، خرج!

 

الحدود العربية وحرية الحركة

لقد درسنا قديما في كتب الجغرافيا والتاريخ أن فلسطين تقع في "قلب العالم القديم" وتربط بين كل من القارات القديمة الثلاث؛ آسيا، إفريقيا وأروربا، وعليه تكونت في بالنا أفكار غريبة كأن نكون مركزا لهذه القارات ونقطة عبور بينها، ما يجعلنا مركزا تجاريا واقتصاديا وسياحيا، نعم هذا ما درسناه وهذا تماما ما يناقض الواقع ويخالفه، ففي فلسطين لا تستطيع التحرك من نابلس إلى الخليل دون المرور بمجموعة من حواجز الاحتلال العسكرية التي قد توقفك وتخبرك بأن الطريق مغلقة ولن تستطيع العبور في هذا اليوم -لأسباب لا نعلمها- هذا مثال بسيط على حرية الحركة الداخلية هنا، هل تستطيع معي التخيل كيف لنا الخروج من فلسطين إلى دولة أخرى! وبالنظر بشكل أشمل وأعم هل تستطيع أن تتخيل آلية الحركة بين أي دولتين عربيتين طبيعيتين؟ هل لخيالنا أن يسرح بسيارة شخصية تنتقل من المغرب في أقصى الغرب إلى سلطنة عُمان في أقصى الشرق بأمان؟
حسنا، ففي اليوم نفسه رأينا بأم أعيننا سيارة سعودية تتجاوز الجموع لتدخل إلى فلسطين المحتلة!

 

أوروبا وحرية الحركة

لقد شاهد الكثير منا برامج الشقيري ومقاطع فيديو للعديد من معدي المحتوى المرئي على منصات التواصل الاجتماعي التي تظهر آلية الانتقال بين دول الاتحاد الأوروبي، التي تعد الحدود فيها مجرد خط وهمي على الأرض، وقد شاهد أغلبنا البيت الذي يقع نصفه في هولندا والنصف الآخر في بلجيكا وعاش الكثير منا هذا الانتقال السلس، حيث لا تحتاج لأكثر من تأشيرة واحدة لكل هذه الدول لتنتقل بينها داخليا بسيارتك الخاصة، دون أن يوقفك أحد ويسألك حتى عن جواز السفر خاصتك! ولا أنسى موقفا لصديق انتقل قبل فترة قصيرة للعيش في ألمانيا وقرر في أول إجازة له أن يقوم برحلة إلى 10 دول محيطة به وحين أعد حقيبة سفره لم ينسَ جواز سفره وكل فكره أنه سيتوقف على محطة أو ما يشابهها ليظهر جواز سفره ليستطيع أن يتخطى الحدود، لم يستطيع الصديق أن يمسك نفسه عن التعبير بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي عندما انتقل دون أن يسأل عن جوازه أو بطاقته الشخصية، حيث كانت الصدمة بالنسبة له، وعبر قائلا: "أعلم أننا نستطيع أن ننتقل بين كل دول الاتحاد الأوروبي بتأشيره واحدة، ولكن لم يخطر لي أنني أستطيع أن أنتقل بين هذه الدول دون إظهارها، هذه هي الصدمة بالنسبة لي!"

 

طموحات فلسطينية عربية لحرية الحركة اليوم!

لا نستطيع أن نفصل حين الحديث عن حرية الحركة والتنقل الوضع الفلسطيني الداخلي عن الوضع العربي عامة وعن مقارنة هذه الحرية بحرية الحركة في العالم أجمع، ففي فلسطين نحن بحاجة لإنهاء الاحتلال حتى نستطيع أن ننتقل بين أي مدينتين طبيعيتين بحرية وسلام وأمان، فنحن حين نخرج من بيتنا صباحا، لسنا متأكدين من أننا سنصل لعملنا! ولا تعلم الأم إن كانت ستلتقي أطفالها بعد يوم عمل طويل في المساء! ربما يوقفنا أي حاجز في الطريق ويعتقل أحدنا! وربما يوقفنا الحاجز ذاته ويتهمنا بمحاولة الاعتداء على مستوطن أو جندي صهيوني ويطلق النار نحونا! فالرعب في فلسطين هو سيد الموقف حين التفكير بحرية الحركة! أما بالنسبة لحالنا العربي فنحن بحاجة إلى قيادة عربية ليبرالية تدرك أهمية الحريات لا أن تقمعها في كل يوم بمناسبة وبدون مناسبة! نريد أن نزور المغرب بسيارتنا عبر العبور إلى مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر لنحط أخيرا في المغرب! نحب أن نصل العراق بسيارتنا مرورا بالأردن وسوريا! هذه أمنيات مؤجلة لكنها ستتحقق يوما ما.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة