صبغة الله الهدوي
صبغة الله الهدوي
985

القدس أهم من الرياض ومن البيت الأبيض

12/1/2018
والله إنه لم يمض طويل بعدما سلط هاشتاج "الرياض أهم من القدس" في المواقع والوسائل والقنوات بمشاركة مشاهير وولاة في نشر هذه الرمزية المسمومة الغامضة على حين غفلتهم، وتجاهلهم الفحوى التي تضم هذه المشاركة والتعليقات المهمشة إلى أن بلغ بعضهم "لولا السعودية لاختفت فلسطين" و"أن ذرة فيها أفضل من فلسطين ومن فيها" بل كان انتشارها مثل النار في الهشيم بعدما أضاف إليها الناقد السعودي د.عبد الله الغذامي الذي كتب فيها "هناك فلسطينيون يسيؤون لبلدنا، وفلسطينيون خانوا وباعوا فلسطين، ولكن القدس ليست للخونة والغدارين، هي لنا قبلهم ومن فوقهم" التي تدل على انصهار السعودية والتفافها حول تل أبيب واستبداديتها في مساومة القدس أمام العالم بدون أي لفتة إلى حساسية القضية.
 
فإنها كانت رسالة شكلت خطرا فادحا على وحدة الأمة العربية أولا والإسلامية ثانيا، بل كانت توحي قبعات الأفاعي التي نفخت كير الأمة وأججت لظاها وقصفت آخر بريق الأمل في جسدها الضئيل، رسالة غامضة للغاية وعارية من الحقيقة، لم تورث إلا وبالا ونكالا على قضية القدس التي تشتكي من تضخم الحواجز لحل مشكلتها إلى الأبد، لكنها أسفرت عن المجرم الحقيقي الذي يكتب هذه المسرحية المأساوية لسنة طويلة، فإنها كانت أدل دليل على وجود صهاينة من العرب.
   
الأكثر خطرا وتهديدا للأمة، الأمة التي بعزتها وفخرها التاريخي التليد لم تتخلص حتى الآن من سطوة الآلام وتكسر الأحلام، وطموحات داعبتها الأيام، لقد آلمتها آلاف التحديات والمشكلات، بل عمتها خيبة الأمل لسنوات طويلة، وسادت خدودها مخالب الهزيمة والانكسار في ظل هذه الضجات الهائجة، فأصبحت مع اليأس والقنوط من الرحمة ومن النصرة الموعودة لها، فإنها دائما شاطرت عن أطياف الخوف وأشباح الرعب والهلع، واتصلت مع برقيات التهديد والوعيد الموجهة نحوها، وتضاعفت في قلبها مؤسسات تعد بحضانة الأيتام والسعي للأرامل، ومع ذلك أسرت أقلامها في جدران المراثي واللطميات، وبحت من ضميرها قصص النكبة والكربة، وسارت مع الدمعات يمينا وشمالا، وأملت لأبنائها حكايات اللاجئين والمشردين والمغتصبين، وطبعت لأجلها ملفات ساخنة تعالج آلامهم وأحزانهم.
 
لقد كان هناك زمان لا تششتنا الألوان ولا يهتم بنا العنوان، زمان رفعت لنا قبعات العالم وخضعت دون أبهتنا هامات الملوك، فاضمحلت تلك الروابي في تقلبات الدهر وتعرضنا لتأرجحات خاطئة في ميزان العدل، أمة شاءت لها الأقدار أن تستباح دماؤها وتغتصب أراضيها وتتجرع مرارة الذل والإهانة على مر السنين.
  

بعيد جدا أن يخرج الحلفاء العرب من ورطتهم المنصوبة لهم، الممتدة من الرياض إلى واشنطن، إلا أنهم يقتنعون بالشجب والتنديد والاستنكار والإدانة وفقط!

رويترز
  
متى يعلنون وفاة العرب؟
توفي الشاعر القدير نزار قباني متسائلا عن وفاة قومه ودفنه وتشييع جنازته، وخلف وراءه فكرة جسدت ضحالة الأمة في الكشف على العدو الحقيقي والتعرف على آليات التشتت والتفكك، وحاول رسم بلدة تسمى مجازا بلاد العرب، القصيدة التي لفتت نظرتنا إلى عجزنا وضعف قوتنا وخضوعنا أمام الكيان الصهيوني، ورفعت أسئلة جثاما دوت في الشوارع العربية التي ظلت تطمح إلى تحرر كامل من تسلط اليهود وتدافعها فوق الصعيد العربي والإسلامي، فليس بسهل أن تنأى الأمة العربية عن مرضعتها وتبعد من حاضنتها، قالوا عن القدس هي عروس العروبة، وهل أصبحت الأن ضريبة العروبة وجهيزتها؟
 
ففي خضم الربيع العربي وما أعقبه من المآسي والقلاقل، وفي جراء الصراعات الداخلية وما خلفته من جراحات لا تندمل، كنا نتوقع وفاة العرب وأربع تكبيرات على جثتهم، لكن الشعوب الصامدة رغم ما قاسوا من الظلم والجور من أربابهم، ثبتوا كالجبال أمام البنادق الموجهة إلى حلقومهم وسجلوا التاريخ من جديد، والعرب لم تمت ولكن انخلع عقالها وكبت خيولها في ميدان المعركة الحاسمة، ثم أقبل البيت الأبيض بقرار يطعن خلف العواصم الإسلامية والعروش الملكية بنقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، فانتفضنا كعادتنا في المواقع والشوارع، وأرقنا ليالينا في الوسائل، وجاهدنا حق جهادنا عبر تويتر والمدونات، ثم نمنا سالمين كأن لم يحدث شيء بالأمس.
 
هكذا قاومنا ودافعنا عن القدس وشرفها، فلا غرو إذا أعربت رئيسة وزراء الكيان الصهيوني جولد موير عن تقاعس الأمم العربية والمجتمعات الإسلامية حينما أقبل متطرف يهودي من أستراليا اسمه مايكل هارون بحرق المسجد الأقصى إلى أن شبت النار وخربت منبر صلاح الدين الأيوبي في الستينات فقالت: "سهرت تلك الليلة وتوقعت تدافع العرب واقتحام المسلمين في بوابات الأقصى، لكن البكرة انشقت كعادتها كأن لم يغن بالأمس"، فقلنا "العروبة حية والإسلام باق".
 

بقيت العروبة ترثي لحالها وتسارق النظر إلى تركيا ورئيسها، وتشتم إيران وإخوتها في الشرق الأوسط، ووقفت مكتوفة الأيدي لإعادة هيبتها ولم تنشد ضالتها، وبعد كل هذا شددنا عقالنا وحكمنا عقدتها ونادينا "العروبة حية".

رويترز
 
ثم كانت الشعارات المرفوعة أيام سقوط الخلافة العثمانية واهتزاز عروشها وانفلات قبضتها من العالم الإسلامي تشير بحياة العروبة وعودتها إلى ساحة المجد ورجعتها السريعة، لكنها كانت بداية النهاية ونقطة مصيرية في تشكيل الدول وإحياء الوطنية، ومنذ طفيلية الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط لم تندمل الجروح، وأثيرت موجات من الأوبئة والكوارث على مدى الصعيد العربي، أيام شهدها العالم لانكسارات الأمة العربية الفتية وخسائر أودت بحياة الإسلام، ثم مرت العصور وتغيرت الكائنات والمكونات.
 
فانبعثت تركيا وأتت بمبادئ مضيئة تشرق وجوه الإسلام ودمرت الأسس الكمالية وداست المكونات الموضوعة لحماية العلمانية وطمس الشريعة وعمت أثراتها في العالم الإسلامي، واتجهت بوصلة الأمة إلى أنقرة ومرمرة وطالت أعناقها لسماع موقفها وآرائها من قضايا العالم الإسلامي، بل أدت تركيا دورها الحضاري والديني بشكل ريادي محمود، وبقيت العروبة ترثي لحالها وتسارق النظر إلى تركيا ورئيسها، وتشتم إيران وإخوتها في الشرق الأوسط، وصعدت المنابر تصرخ بتدخلات إيرانية في المناطق العربية، ووقفت مكتوفة الأيدي لإعادة هيبتها ولم تنشد ضالتها، وبعد كل هذا شددنا عقالنا وحكمنا عقدتها ونادينا "العروبة حية".
 
منذ فجر التاريخ وانبثاقه لم تتخل قضية القدس من خانات الأخبار ولا من طيات الأسفار ولا من ثكنات الجيوش، بل أصبحت بوصلة الثقافة ومعبر التاريخ من قديم، احتضنت الحضارات يهوديا ومسيحيا وإسلاميا، فماذا يريد ترمب منها؟ وما لمن لا علاقة لها بهويتها وتراثها، وكم معارك حدثت في ساحتها وشعارات رفعت لحريتها، لكن القدس تحدت الأمم وبقيت فوق الشعوب والمجتمعات، ونسجت آلاف القصص والروايات وغازلت العشاق وناغمت الأدباء، في القدس جدران من التاريخ وبوابات تسرح في الخيالات التي لا تدين لأحد.
 

خلال هذه المساومة والخضوع لقناطير الدولار والدينار هنا شعب يؤمن إيمانا كاملا بأنه ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ويعرض عن سائر المسرحيات والتشنجات السياسية

رويترز
 
وعد من لا يملك لمن لا يستحق
على امتداد التاريخ كان هناك جبابرة وطغاة يحلمون ببناء عالم لأنفسهم ولا يجيزون للأغيار أية فرصة فيه، لكنهم مضوا على سبيلهم وأمسوا أهراما في الصحراء وركاما تحت أنقاض الثرى، ومومياوات في كثبان الرمال "ليكون لمن خلفك آية" باقية، وهنا تولد جبروت من جديد اسمه دونالد ترمب الذي يملك العالم بحكمه ويقيم عدله وينفد شريعته الخاصة به، لقد أصدر هذا "الرئيس الموقر" قرارا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وإعلانها عاصمة لإسرائيل، وطلب من الدول العالمية الاعتراف بقراره والاقتناع بإصداره الرسمي، بل تابع قائلا "إنه يقطع العلاقات ويقلل الإمدادات المالية ويحاصر الدول التي لا تصفق لهذا القرار" (قرار غبي من رئيس غبي)، قرار يحاكيه وعد بلفور ولكن وعد الله يبقى ويستحق الوجود.
 
وعلى ضوء هذا القرار المستفز بدت سوءات الزعماء العرب أمام شعوبهم ومثلوا عراة في المحاكم الشعبية بدون أي تبرير، حيث شكل قراره التاريخي الحلفاء العرب لواشنطن في موقف محرج ما بين تأييد رؤية شريكهم القوي "الأخ الأكبر" أو المصالحة مع الرأي العام العربي والإسلامي وتلبية نداءاتهم حتى لا تدك حصون الإمبراطورية والملكية، فإنه إما قرار أو دولار. إنه بعيد جدا أن تخرج الحلفاء العرب من ورطتهم المنصوبة لهم، الممتدة من الرياض إلى واشنطن، إلا أنهم يقتنعون بالشجب والتنديد والاستنكار والإدانة، يعني تلك المواقف التي جرت عليها عادات الجماهير العربية والإسلامية منذ زمن بعيد، فإن جميع هذه الأنظمة لن تتخذ إجراءات تزعج خلايا الأمريكة و"خطيبتها" في الشرق الأوسط.
 
ما سلب بالقوة لا يعود إلا بالقوة
وخلال هذه المساومة والخضوع لقناطير الدولار والدينار هنا شعب يؤمن إيمانا كاملا بأنه ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ويعرض عن سائر المسرحيات والتشنجات السياسية، ويثق بتراثه وشرعيته، ويعول على رشقات الصواريخ وحجارات السجيل، شعب انخرط في المقاومة ووقف في وجه العداء بكل تمكيناته وآلياته، ولم ينتظر قرار رئيس أو إعلان محكمة أو إمداد مال، إنه شعب الصمود والصبر، يعرف جيدا بأن الليل طويل وأن الشمس لا تشرق إلا رويدا، وأن النجاح من بين الأسلاك الشائكة والحالات المرتبكة، يقولون أمام العالم القدس أهم من قصر اليمامة ومن البيت الأبيض، وإن ما أخذ بالقوة لا يعود إلا بالقوة، وإنه إما الشهادة وإما الانتصار.

#يتصدر_الآن

الانتخابات التركية المبكًرة.. "ضربة معلّم" تمنع خلخلة شعبية الرئيس!

ما أن أعلن رسميًا عن تبكير الانتخابات حتى التقط خصوم العدالة والتنمية وأردوغان الإعلان وكالوا سيلًا من الاتهامات لرئيس الجمهورية مفادها أن الرجل نفذ صبره وطال انتظاره لممارسة صلاحيتها الجديدة.

1.9 k
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة