أحمد زيدان
أحمد زيدان
1.7 k

لماذا نجحت طالبان وأخفقت القاعدة (2)

12/1/2018

تشجعت أكثر على كتابة الجزء الثاني مما حفي به الجزء الأول من المقال قبولا وتفاعلا، بغض النظر عن الموافقين أو المخالفين، فقد خال البعض أن ما قصدته بالنجاح الطالباني كان يقتصر على مرحلة ما قبل الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول يوم أسست طالبان إمارتها، في حين لم يكن قصدي هذا وإن كنت قد ركزت، فالنجاح العسكري  بالوقوف أمام 38 دولة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لا يقل عن النجاح السياسي والعسكري يوم أسسوا إمارة طالبان وهزموا فصائل المجاهدين الأفغان المشتتة والممزقة.  والآن في  الشق الثاني من هذا الموضوع أود التطرق إلى الجانب العملي لنجاح طالبان وفشل القاعدة...

سيُسجل لطالبان كما سيُسجل لباكستان أنه على الرغم من الحرب العنيفة بينهما والتي خاضتها باكستان من طرف واحد ضد إمارة الحركة بتحالفها مع 38 دولة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لخلعها عن السلطة، أنه لم يصدر عن الحركة بيان واحد ضدها، رغم تورطها بإسقاطها وتسليم سفيرها عبد السلام ضعيف إلى أمريكا ونقله إلى غوانتانامو، فضلا عن اعتقال قادتها ومن بينهم الملا برادرز نائب زعيم حركة طالبان الأفغانية وتسليمه إلى كابول، فظلت الحركة تتفهم قهر الجغرافيا، وتتفهم معه الرئة الباكستانية الوحيدة التي تتنفس من خلالها، ناهيك عن التشاطر العرقي والجغرافي الذي يمكنها ويخولها التواصل مع العالم الخارجي، ومع عمقها البشتوني في مناطق القبائل وأبعد من مناطق القبائل الباكستانية، وفوق هذا عمقها المدرسي الممثل بالمدارس الديوبندية الحنفية التي تمثل خزانها التجنيدي ومرجعيتها الفكرية والدينية...

سعت حركة طالبان باكستان بزعامة مؤسسها بيعت الله محسود إلى كسب شرعية طالبانية أفغانية، لكن زعيم الحركة الملا محمد عمر رفض يومها التدخل في الشأن الباكستاني، وأرسل له ولخلفائه من بعده رسائل تحض على عدم فتح معارك هامشية وجانبية مع الحكومة الباكستانية إلى أن وقعت الواقعة فتنصل زعماء طالبان أفغانستان من أفعال طالبان باكستان، وبمواصلة طالبان أفغانستان انفتاحها على العمق الديوبندي الحنفي الباكستاني حصّنت نفسها من الفتاوى الشرعية التي قد تستخدم ضدها، فكانت تتحدث بشكل إيجابي دائم على العلماء الباكستانيين، وحفظ الأخيرون لها هذا الأمر، بينما كانت تتطلع واشنطن إلى فتوى واحدة من علماء باكستان ضد طالبان أفغانستان لنسف شرعية قتالها وجهادها، وربما نسف الفكرة الأساسية التي قامت عليها المدرسة الديوبندية منذ إنشاء باكستان والتي شكلت لعقود الشرعية الدينية لباكستان القائمة أساسا على الدين..

لعب انتقال قرار القاعدة إلى طهران خطرا ماحقا على الحركة وعلى حاضنتها ومحيطها ومعاركها، فكيف لقيادة قاعدية مقيمة في طهران منذ 17 عاما ممثلة بسيف العدل وهو تحت الإقامة الجبرية للحرس الثوري الإيراني أن يخطط لمن يقاوم الاحتلال الإيراني في الشام والعراق؟

كانت التجربة الطالبانية بذرة أفغانية أصيلة، من حيث المنهج الديوبندي الحنفي، ومن حيث فهم الواقع الأفغاني ومعاناته وآلامه وآماله، فلم تكن حالتها كحال تنظيم القاعدة الذي هو أشبه بمن نزل بـ"البارشوات"، المظلات، على أرض يجهل لغتها وتفاصيلها بغض النظر عن بقائه فيها لسنوات وربما لأكثر، وكما قيل قتلت أرض جاهلها، ولذا فقد كانت الوصية الطالبانية استمرارا للوصية الأفغانية الجهادية أيام السوفييت بعدم تقديم الأجانب من العرب وغير العرب للقيادة والشورى والمصالحات ونحوها، وإنما هم ضيوف لهم ما للضيوف وعليهم ما على الضيوف، وهو يخالف ما حصل لاحقا في العراق وسوريا وغيرهما من تقدم الأجانب صفوف قيادات  قاعدة العراق والنصرة في سوريا، وإن كان الأمر تراجع كثيرا في حال هيئة تحرير الشام، فرأينا قضاة وشرطة على الشوارع، ممن لا يتقن العربية فضلا أن يتقن حساسيات وتضاريس خلافات العوائل والقرى والبلدات، والأنكى من ذلك يُهمش دور أصحاب الثورة الحقيقيون الذين كانوا من أوائل من صدع بالحق ضد هذه العصابة الطائفية...

سلوكيات وممارسات طالبان الأفغانية عززت علاقتها مع حاضنتها ونخبها، حتى رأينا كيف عينت طالبان أفغانستان بداية عهدها حامد كارزاي في منصب نائب وزير خارجية حتى انقلب عليها لاحقاً، فكان تعامل طالبان مع الشعب الأفغاني ونخبه على أنها منه وهو منها، بخلاف تعامل القاعدة في سوريا والعراق وكأنها وصية عليه، فكان ينعكس ذلك حتى في بياناتهم أحيانا، وهو ما اختفى اليوم في سوريا على الأقل، بوصفهم المسلمين بـ  "عوام المسلمين" وكأنهم هم  من الخواص..

حرصت طالبان أفغانستان منذ البداية على أن مشروعها وطني أفغاني ولم تكن تعارض ما ينشر حتى على قبولها بالملك الأفغاني السابق ظاهر شاه، وحين وصلت إلى كابول عام 1997 فاجأت العالم برفضها لعودة الملك الأفغاني، وهو ما دفع يومها وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت للتعبير عن انزعاجها بشكل كبير، ورأت أن واشنطن ابتلعت طعما طالبانيا وربما باكستانيا لسنوات بصمتها على طالبان وتعاملها معها على أمل عودة الملك السابق، وواصلت طالبان معه التأكيد على وطنية مشروعها فاستقطبت العناصر من الأحزاب الجهادية الأخرى، ورفضت فكرة الخلافة، وأصر زعيمها على الإمارة الأفغانية وجمع 1500 أفغاني ليس بينهم مهاجر واحد ليعلن تشكيل الإمارة الإسلامية في أفغانستان، وواصل علاقاته مع السعودية والإمارات وقطر وبنغلاديش وبالطبع باكستان حتى اكتسب اعتراف أربع دول، مما زاد من شرعيته إلى أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر\ أيلول 2001...

لعب انتقال قرار القاعدة إلى طهران خطرا ماحقا على الحركة وعلى حاضنتها ومحيطها ومعاركها، فكيف لقيادة قاعدية مقيمة في طهران منذ 17 عاما ممثلة بسيف العدل وهو تحت الإقامة الجبرية للحرس الثوري الإيراني أن يخطط لمن يقاوم الاحتلال الإيراني في الشام والعراق؟!، والأنكى من ذلك كله أن البعض لا يزال يتواصل معه ليأخذ موافقاته وقراراته بشأن قضايا تفصيلية يجهلها في أرضه مصر فضلا أن يعلمها في سوريا، وحتى لو علمها فكيف للضيف الإيراني أن يتسامح معه في توجيه ما يضره بالحرب...

يظن كثير من الأغرار سياسيا وعسكريا أن الإخلاص والصدق قد يكفيان في ساحات المعارك السياسية والعسكرية، فإن كانا لا يكفيان في الدين، إذ العمل بصوابية الأمر شرط آخر وعمود ثان له، فكيف يكون الإخلاص والصدق دليلين على صحة العمل، ولا ننسى أن كثيرا من الأغرار سياسيا يظن أنه يلعب بدائرة كبيرة حين ينظر إلى داخل ما يلعب به، ولكن ينسى أن الدائرة التي تلف دائرته من دائرة إقليمية أو دولية أكبر من دائرته، وبالتالي نرى أن كل ما في دائرته إنما يعود ريعه إلى الدائرة الأوسع...

إن مثل من يأخذ أوامره من قيادة أسيرة لسبعة عشر عاما في طهران كمن يأخذ قراره من قيادة أسيرة لدى الكيان الصهيوني ليقاومه وينتصر عليه..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة