باسم الجنوبي
باسم الجنوبي
176

عن مشاع حياتنا الخاصة

17/1/2018
قبل أيام رفع صديقي عبر صفحته على فيسبوك "سيلفي الطلاق" مع طليقته الخامسة يزف إلينا خبر قطع علاقته الزوجية بها، وما إن رفع الصورة حتى رفع عدد كبير من الأصدقاء وغير الأصدقاء أسلحة السب والشتائم عليه في معركتهم لحماية الفضيلة ومؤسسة الزواج التي يحاول هدمها في المجتمع (على حد قولهم).
 
قبل هذه الأيام أيضا رأيت حربا أخرى على إحداهن بعد أن دشنت مناسبة عبر صفحتها بعنوان "حفلة طلاقي من المتعوس"، وكان الحضور حاضرا بدوره بأسلحة محرمة أخلاقيا حيث وجدت قنابل مسيلة للشرف وغيرها مضاد للأدب دفاعا عن المتعوس تارة وهجوما على جرأتها في الجهر بانفصالها، مثل هذه الحرب حدثني صديق أنه رآها على مناسبة عبر فيسبوك لصديق له يعلن عن زواجه الثالث.
 
هذه المناسبات والإعلانات المرتبطة بالحياة الخاصة التي تتحول ببساطة وبسرعة إلى حروب كلامية ويتم سحبها غالبا إلى ساحات الأخلاق والدين والعرف جديرة بالسؤال: من المخطئ فيها؟! تُرى هل هؤلاء هم الذين جعلوا حياتهم مشاعا للناس فوجب عليهم تقبل نتيجة هذا المشاع؟ أم إن الخطأ في منطق هؤلاء الذين يعلقون على حياة غيرهم دون أن يضعوا أنفسهم في ظروفهم؟
 
الإجابة بالطبع معقدة بقدر تعقيد كل احتمال وكل حال على حدة، لكن هناك خلاصات من كل هذه المواقف الجزئية شديدة الخطورة، تؤشر على مستنقع اجتماعي وفكري يقترب منه جيلنا بسرعة مونوريل ياباني جديد. من هذه الخلاصات مايلي:

الواقع الافتراضي لا يرحم أحدا ولا يلتمس الأعذار لأحد، فطالما رضيت بمشاع حياتك فاستعد لدفع ثمن غير متفق عليه

رويترز
 
أن بعضنا يتعامل مع الحياة الزوجية كتعامله مع قهوة بلدي، متى شاء جلس ومتى شاء انصرف وفي الحالتين يُعلم الجميع حضورا وانصرافا، دون مراعاة أن حضوره تشعب في حضور آخرين غيره، ولابد أن يكون مسؤلا في قرار لا يخصه وحده فقط. تحول الإعلان والإعلام عن تحولات الحياة الخاصة مثل الزواج والانفصال إلى هوس إلكتروني تسبب في تحويل إنسانية هؤلا إلى "أشياء" خاضعة للتقييم والنقد والتشنيع أحيانا.
 
بحسب زيجموند باومان (الحب السائل) فإن حرص المعدد للعلاقات على أن يجهر بها طوال الوقت (تكوينا، انفصالا) غالبا ما ينتظر من ذلك "مباركات" الأصدقاء حتى يشعر بالتطهير أو الاغتسال نفسيا واجتماعيا، وليس تقنين أو تطبيع الأمر والدعوة إليه كما قد يفهمه بعض المستقبلين، وغالبا ما يحصل على هذ الاغتسال من رد فعل المقربين منه، والمعجبين به، دافعا ثمن ذلك الاغتسال بموجات الشتائم التي ينالها من غيرهم.
 
مسألة تكوين العلاقات غير المعتادة اجتماعيا والإعلام بها ربما تتفهم من المقربين الذين يعرفون حقيقة الأمور، ويلتمسون الأعذار لأصحابها، لكن الأغراب لهم ما يظهر من أصحاب الشأن وفقط ومن غير الممكن أن تلزمهم بالصمت، لكن أما وقد حدث التشنيع بهذا الشكل غير الأخلاقي، فلك أن تتأكد أن الواقع الافتراضي لا يرحم أحدا ولا يلتمس الأعذار لأحد، فطالما رضيت بمشاع حياتك فاستعد لدفع ثمن غير متفق عليه.
 
لا يوجد شيء في الحياة اسمه "حفلة طلاق"، لك أن تستعيذ بالله من "كسرة قلب" امرأة بعد ما تسمع كلمة "انتي طالق" حتى لو كان زوجها هو النكد نفسه وكان هو البلوى الكبرى بحياتها، بعد الطلاق ستلعنه ألف مرة بلا حفلات لأنه أدخلها علاقة استهلكت فيها من عمرها ومشاعرها التي لا يمكن أن تعوض بعد ذلك أي عوض مهما يكن. ما يسمى بـ "حفلة الطلاق" التي تراها من بعضهم ماهي ألا ستار يخفي وجعا لا يمكن وصفه ولا الكتابة عنه بحروف من دموع ودم.
 
ختاما، حياة جيلنا الاجتماعية مشابهة تماما لكل حياتنا التي أصابها الخريف الذي أصاب ربيع أعمارنا، وجدير هذا الخريف بمنطق أشد حرصا على العلاقات اختيارا وتكوينا وإعلاما أو حتى انفصالا يليق بإنسانيتنا التي أصبحت بهذا المشاع في خطر، لعل هذا الخريف أن ينتهي ونصادف ربيعا ومازلنا بشرا لم نبع قيمتنا بالعبث بحياتنا الخاصة أو بظهور افتراضي غير مسؤول.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة