حسام الغمري
حسام الغمري
542

سبع سنوات عجاف بعد ثورة يناير

23/1/2018

كنت من القليلين الذين يؤمنون بأن الوضع في مصر على وشك الانفجار، فمؤسسات الدولة تحولت إلى جزر منعزلة أو قل إقطاعيات مملوكية قسمها جمال مبارك على أتباعه المخلصين سندة التوريث، بل حتى داخل كل مؤسسة تحولت كل هيئة إلى تكية تأتي أكلها فقط لتسمين ذلك المختار بعناية ليجلس فوق عرشها، ووراء كل مختار جماعة المنتفعين الدائمين، كل حسب مدى قربه، أما بقية الشعب فليس لهم من الخيارات إلا واحد من ثلاثة:

 
الأول: أن تحزم حقيبة سفرك وتغادر صوب الخليج، ولك أن تحلم بأوروبا أو أمريكا إن استطعت إلى ذلك سبيلا.

الثاني: أن تبقى فيها ولكن بشرط، أن تتعاطى مع الحياة بفكر وفلسفة الشخصية الدرامية إبراهيم الأبيض في الفيلم الشهير، مجرد بلطجي مدمن فاقد الإحساس، تعيش يوما بيوم دون هدف أو رؤية شأن الدواب.

الثالث: مصير خالد سعيد.


ثورة الياسمين في تونس منحت الشباب المصري يقينا جديدا مفاده باختصار: إن ذلك ممكن أن يحدث، والحلم يمكن أن يتحقق، وإن الطريقة سهلة وبسيطة؛ فقط الذهاب إلى الميادين بهتاف: الشعب يريد إسقاط النظام، والإصرار والتصميم والتمسك بالهتاف، حتى تنقل قناة الجزيرة الخبر السعيد، خبر رحيل رأس النظام.


ولكن مباركا لم يرحل، بل أمر بتكليف المجلس العسكري الذي ساهم في تمرير معركة الجمل بإدارة شؤون البلاد، وكنت واحدا من الملايين الذين خدعتهم التحية العسكرية التي قدمها اللواء محسن الفنجري لأرواح الشهداء، قبل أن تذهب السكرة وتأتي الحسرة حين قال بعدها بأسبوعين فقط: رصيدنا لديكم يسمح!! عقب هجوم قوات الشرطة العسكرية على مئات المعتصمين بميدان التحرير وأمام مقر مجلس الوزراء المطالبين بإقالة رئيس الوزراء أحمد شفيق واستكمال باقي مهام الثورة، ثم اعتقال العشرات منهم ومحاكمتهم عسكريا بتهم تراوحت بين حيازة سلاح، وخرق حظر التجول، والتعدي على قوات الجيش.

 

 

قدر البراءة والصفاء وحسن النية التي تلقينا بها تحية اللواء محسن الفنجري لأرواح شهدائنا، بقدر المكر وسوء النية والكيد الذي عزموا عليه للنيل من ثورتنا، وإخضاعها

رويترز
 

جاء بيان المجلس العسكري ليعتذر عما اعتبره احتكاكات غير مقصودة بين الشرطة العسكرية وأبناء الثورة، مؤكدا أنه لم تصدر أوامر بالتعدي على من وصفهم حينها بأبناء هذا الشعب العظيم. وفي الوقت نفسه كان أبناء ثورة يناير يواجهون محاكمات عسكرية عاجلة أصدرت أحكاما قاسية بالسجن على معظمهم، لتمثل هذه الواقعة أول محاكمة عسكرية لمدنيين بعد تولي المجلس العسكري شؤون الحكم في ١١ فبراير ٢٠١١، وإن لم تكن الأولى منذ نزول الجيش للشارع في ٢٨ يناير عقب جمعة الغضب.


ما زالت عبارات الناشطة السياسية نوارة نجم تتردد أصداؤها في أذني: مفيش ظلم تاني.. مفيش خوف تاني، وأداعب نفسي قائلا: ليتها قالت إن شاء الله. فقدر البراءة والصفاء وحسن النية التي تلقينا بها تحية اللواء محسن الفنجري لأرواح شهدائنا، بقدر المكر وسوء النية والكيد الذي عزموا عليه للنيل من ثورتنا، وإخضاعها، وإعادة الشعب إلى حظيرة الخوف والتدجين، واللامبالاة، واليأس من أي مستقبل جماعي مشرق لهذا الوطن، وردة جماعية للأحلام الفردية بأمل النجاة على المستوى الشخصي من كوابيس مصر المحروسة المتجددة.


تعمد المجلس العسكري بث بذور الفتنة بين شركاء الميدان باستفتاء مارس اللعين، فانطلقت الدعاية والدعاية المضادة، وانقسم الثوار بين نعم ولا، وفي النهاية، أبى المجلس العسكري إلا أن يوجه رسالة لنا جميعا، بأني وحدي لا شريك لي في الحكم، بأن أقر بضعا وسبعين مادة دستورية في الوقت الذي استفتى الشعب فيه على ست مواد فقط، ولكن، لأن بذور الفتن والشقاق والأطماع والوعود الزائفة كانت قد باعدت بين الثوار، صمت الجميع على هذا التصغير المتعمد لدور الشعب. 
 

تعمد المجلس العسكري تعقيد الحياة اليومية للمواطنين حتى نكفر بالثورة، فلأول مرة نعرف الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين، ولكن ما علاقة أي شيء يحدث في ميدان التحرير باختفاء البنزين والسولار؟

تعمد المجلس العسكري عدم تحقيق أي مطلب ثوري -كمحاكمة مبارك- إلا بعد إرهاق الشعب بمليونية في ميدان التحرير، حتى تفقد هذه المفردة هيبتها بتكرارها بحثا عن أي مطلب قد لا يكون بالأساس محل توافق الجميع. ظهر المشير طنطاوي مرتديا حُلة مدنية، فضحت رغبته في العرش الفرعوني، فسخر الشعب من هذا، فجاء انتقام المشير رهيبا في مجلس الوزراء، ومحمد محمود، والعباسية، وملعب بورسعيد.


سالت دماء تفوق تلك التي سالت في الـ 18 يوما، هي عمر الثورة، أجريت انتخابات برلمانية شارك فيها 33 مليون مواطن، ولكن إرادة هؤلاء جميعا ذهبت أدراج الرياح، وقامت المحكمة الدستورية بحل المجلس بحجة عدم دستورية قانون انتخابه، وربما هذا هو الجزء من الدستور الذي فقط ينفذ، الجزء الذي يخدم الحاكم العسكري، أما الفقرات التي تتحدث عن الحريات، والحقوق المتكافئة من كل الدساتير المصرية، فهي الحلم بعيد المنال منذ وصول العسكر إلى الحكم بعد انقلاب يوليو 52. 


تعمد المجلس العسكري تعقيد الحياة اليومية للمواطنين حتى نكفر بالثورة، فلأول مرة نعرف الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين، وما علاقة أي شيء يحدث في ميدان التحرير باختفاء البنزين والسولار؟ هذا السؤال الذي لم يجب عليه العسكر يوما. أصبح انقطاع الكهرباء هو ثمن الحرية المُـر، حتى ظننا أننا عدنا إلى العصور الوسطى، تكدرت أحوال الناس، وبدأ البعض يكفرون بالثورة، وبدأت نغمة الحنين إلى الاستقرار، والندم على دعم الشباب المتهور الذي حرك الحلم الراكد منذ قرون؛ أن تحكم هذه البلاد بطريقة راشدة.


وفي هذه الأثناء، ووسط هذا الخلط المتعمد لكل الأوراق، ووسط متاريس من الحيرة والشكوك وبحث محموم عن طرف ثالث خفي نسبت إليه كل الفظائع التي ارتكبت بعد تنحي مبارك، قبل أسبوعين فقط من استحقاق انتخابي رئاسي، أدركنا أنه يتحتم علينا اختيار الدكتور محمد مرسي أو العودة إلى النظام القديم ممثلا في الفريق أحمد شفيق رئيس وزراء مبارك الذي استنجد به في محنته بعد جمعة الغضب.

انتهت الأحداث التي يعرفها الجميع بعزل أول رئيس مدني منتخب، وارتكاب أكبر مذبحة في العصر الحديث على الهواء مباشرة، أعقبتها عملية حرق للجثث، ومحرقة مستمرة في سيناء

رويترز
 

أذكر أن المخرج خالد يوسف مُبدع فيلم 30 يونيو قال في مداخلة هاتفية على قناة "أون تي في" بعد هزيمة مرشحه المفضل حمدين صباحي في الجولة الأولى إنه سيصوت لمحمد مرسي ولن يعطي صوته لشفيق. في ظل هذه الأجواء تعرفنا على الرئيس محمد مرسي وتعرف علينا، ولكن أبى الجيش إلا أن يعقد مهمته منذ البداية بحادث أعتقد أنهم هم مدبروه، حادث هدفه حرج الوجدان الشعبي والكرامة الوطنية بقتل 17 جنديا صائما عند الإفطار، لتتحرك بعدها الأذرع الإعلامية متهمة الرئيس الذي ما أظنه قد تعرف بعد على كل حجرات قصر الرئاسة بالتقصير والإهمال، وكان العسكر من ذلك كله يريدون تهيئة المزاج العام لحاكم عسكري سيظهر في الوقت المناسب بعد إعداد المسرح تماما للانقضاض على السلطة التي واقعيا ما غادروها يوما، بل تركونا نظن أننا فعلنا شيئا، وجعلونا ندفع ثمن هذا الظن جيدا!


وانتهت الأحداث التي يعرفها الجميع بعزل أول رئيس مدني منتخب، وارتكاب أكبر مذبحة في العصر الحديث على الهواء مباشرة، أعقبتها عملية حرق للجثث، ومحرقة مستمرة في سيناء، وتفريط في جزيرتين استراتيجيتين، وشرعنة لبناء سد النهضة الذي سيضع المصريين على حافة الفقر المائي، ومحرقة مستمرة في سيناء، وتعويم أهوج للجنيه أضاع معظم ثروات المصريين وقيمة أصولهم الثابتة، وقروض كبلت الأجيال الجديدة، وارتفاع مجنون في أسعار السلع الأساسية، وتوسع في سياسات القمع والترهيب والتعذيب والإخفاء القسري، وإعدامات مسعورة. لتكون السنوات السبع بعد ثورة يناير هي بالفعل سنوات عجاف اعتصر قلوبنا فيها الألم كل الألم، ولكن يبقى سؤال؛ هل السبب في استعار كل هذا الجحيم هو أننا بدأنا الثورة في يناير؟ أم أننا بدأناها ولم نستكملها؟ 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة