نبيه العاكوم
نبيه العاكوم
299

تركيا.. والعقدة الكردية

24/1/2018

من جديد، تتجه الأنظار نحو الشمال السوري، المنطقة التي تختصر المعاناة التي يعيشها حزام الأزمات، الممتد على كافة الدول العربية والإسلامية، حيث تتعدد القوميات والإثنيات والطوائف والمذاهب، وتتداخل فيها مشكلة الحدود التي مازالت تشكل العنصر الأهم للحروب الفتاكة في منطقتنا الشرق أوسطية.

وحتى نخرج بتصور كامل عن سبب التدخل التركي في الشمال السوري، وتبعات هذا التدخل على المستوى الداخلي، حيث التواجد الكردي والعلوي اللذين يشكلان نسبة لا يستهان بها من المجتمع التركي، وعلى المستوى الخارجي وعلاقات تركيا مع روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ علينا أن نغوص قليلا في تداخل عنصر الجغرافيا والديمغرافيا بالسياسة في هذه المنطقة.

تقع تركيا على خط انتقال جيوثقافي بين أوروبا وآسيا، وهذا ما جعلها محط أنظار عبر التاريخ كثير من الإمبراطوريات قديما والقوى الدولية حديثا. وتعد تراكماتها التاريخية سببا مهما جدا لتعزيز موقعها الدولي، لذلك تراها تتصدر المشهد في الملفات التي تعصف بالمنطقة المحيطة بها. فتركيا كانت حاضرة في حرب البلقان، والأزمة القبرصية، وحروب الخليج الثلاثة والقضية الفلسطينية، فضلا عن تواجدها في الحرب الباردة كلاعب محوري وتوازني بين حلف وارسو وحلف الناتو، وطبعا في الأزمة السورية اليوم. ويبقى التحدي الأكبر لنظامها هو التناقضات الداخلية على أراضيها، لأن جميع الأزمات تنعكس على داخلها، كونها دولة تتمتع بتعدد قومي إثني طائفي.

أدّت الخلافات الحدودية بين دول الشرق الأوسط الناتجة عن عدم الإنسجام بين الحدود السياسية المرسومة والخطوط الجيوسياسية الحقيقية إلى لجوء القوميات المختلفة للدعوة للإنفصال عن الحكومة المركزية

الجزيرة
 

أما بالنظر إلى حدود تركيا الجنوبية، وهو امتدادها الإسلامي الطبيعي، نرى الحدود غير المتجانسة تماما مع جغرافية القوميات. وليس ثمة شك في أن أحد التناقضات الأساسية الهامة لجيوسياسية الشرق الأوسط، خاصة على الحدود الواقعة بين تركيا والعراق وسوريا، هو عدم الإنسجام بين الجغرافيا السياسية التي تم تشكيلها بعد مرحلة الإستعمار، وبين الخطوط الجيوسياسية التي حددتها الجغرافية الطبيعية أو الجغرافية العرقية؛ ويعدّ هذا التناقض أحد الأسباب الأساسية للأزمات التي حدثت في هذه المنطقة، ولعدد من الخلافات الحدودية الجدية بين دول المنطقة المتجاورة.


أدّت الخلافات الحدودية بين دول الشرق الأوسط الناتجة عن عدم الانسجام بين الحدود السياسية المرسومة والخطوط الجيوسياسية الحقيقية إلى لجوء الدول وبشكل متبادل إلى مطالب مستندة إلى ادعاءات تاريخية، ولجوء القوميات المختلفة إلى الدعوة للإنفصال عن الحكومة المركزية.

تنظر تركيا اليوم من منظور تصفير المشاكل مع دول الجوار، وهي استراتيجية حزب العدالة والتنمية منذ توليه الحكم. العقيدة الأردوغانية تجاه العالم الإسلامي تتمثل في أن باستطاعة تركيا أن تتحول إلى مركز عبور تجاري، يخدم كأداة من أدوات السياسة الخارجية التي تخفض من وتيرة العلاقات التنافرية مع دول المنطقة، خاصة من خلال تفعيل الإتصال البري مع سوريا والعراق ثم إيران وآسيا الوسطى، وبالتالي تحقيق تكامل اقتصادي حقيقي والتخلص من العداء التاريخي المتبادل بين هذه الدول. وتبقى العقدة الأكبر، المطالبات الكردية، من العراق وسوريا، ببناء دولة مستقلة تكون حافزا لأبناء هذا العرق المتواجد في الداخل التركي للإنضمام إليها. من هنا يمكننا فهم ما يجري في الشمال السوري اليوم، وأن الملف الكردي يتصدر لائحة الأولويات عند النظام التركي، ويعتبر خطا أحمر لا يمكن الإستهانة به.

لماذا شنت تركيا حملتها العسكرية على عفرين؟

كلمة السر تبدأ من خلال البحث في توقيت العملية، فمنذ أسبوع تقريبا من بدئها، عُقِد اجتماع خماسي ضم السعودية وبريطانيا وفرنسا والأردن والولايات المتّحدة في واشنطن ولم تتم دعوة تركيا إليه. هدف الإجتماع هو تحويل الرؤية المشتركة في الملفات الشائكة إلى ورقة عمل وشراكة تنفيذيّة ميدانيا. أهم هذه الملفات كبح إيران في سوريا ولَجم طموحاتها في العراق واليمن ولبنان.

العملية العسكرية التركية في عفرين (الجزيرة)


بعد أيام من هذا الاجتماع، أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون بيانا تؤكد فيه مواصلتها تدريبَ قوات أمن محلّية في سوريا، ويهدف التدريب إلى تحسين الأمن للنازحين العائدين إلى مناطقهم المدمَّرة، حتى لا يُعاود داعش الظهور في المناطق المحرَّرة وغير الخاضعة لسيطرة الحكومة ، كما حصل في العام 2011 عندما سمح الخروج المبكر من العراق للقاعدة بأن تبقى هناك وتنتشر لتصبح تنظيم الدولة الإسلامية. ومن ثم أكد وزير الخارجية تيلرسون عن خطوات ستتخذها واشنطن لبقاء قوات عسكرية أميركية من أجل الحفاظ على "وحدة سوريا"، ومكافحة الإرهاب، وصد النفوذ الإيراني.

 
رغم محاولة وزير الخارجية الأميركية تبرير موقفه بأن القوة التي تجهزها بلاده ليست جيشا جديدا أو قوّة حرس حدود نظامية إلا أن الرد التركي جاء سريعا، عبر لسان رئيس الوزراء أوغلو يقول فيه إنّ تصريحات المسؤولين الأميركيّين حول مخاوفنا في شأن الحدود السوريّة لم تُرضنا بالكامل. عدم الرضا التركي مبرر تماما. فبالعودة إلى تسلسل الأحداث، فقد صرح التحالف الدولي يوم الأحد 14 من شهر كانون الثاني 2017 أنه يعمل مع فصائل سورية على تشكيل قوة حدودية من 30 ألف عنصر "تقودها قوات سورية الديموقراطية".

تركيا لن ترضى ببناء مكون ذاتي للأكراد في سوريا، وسيتم "وأد" هذا المكون حتى لو كانت الإشارة حمراء من دول العالم كافة

بعد يومين من هذا التاريخ، أي الثلثاء 16 كانون الثاني 2017، قال مصدر عسكري في "قوات سورية الديموقراطية" (قسد)، إن التحالف الدولي سيعترف بفيديرالية شمال سورية ويحميها من أي تدخل محلي أو إقليمي وأن تشكيل قوة عسكرية حدودية بدعم من قوات التحالف الدولي في شمال سورية فضلاً عن إرسال ديبلوماسيين أميركيين، ستليه خطوة الاعتراف بشرق الفرات وفيديراليته التي قررتها مكونات هذه المنطقة من الأكراد والعرب وغيرهم. وهو الخط الأحمر الذي تحذر منه دائما تركيا، ما استدعى شن عملية عفرين للقضاء على حلم "قسد" ببناء فيديرالية تكون نواة لبناء دولة كردية على الحدود الجنوبية من تركيا.

أتت مواقف الدول الغربية والإتحاد الأوروبي متوافقة تقريبا، وهي دعوة لضبط النفس، ولا شك أنها محرجة تماما، وينعكس هذا الإحراج من خلال الموقف البريطاني "من جهة نفهم أن الأكراد لعبوا دورا حيويا في أخذ زمام المعركة من داعش والجميع يقدر ذلك، ومن جهة أخرى، نفهم أن لتركيا مصلحة مشروعة في حماية حدودها". والموقف الفرنسي أتى أكثر المواقف تصلبا بالدعوة سريعا لانعقاد جلسة لمناقشة الموضوع في مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة.

الكلام اليوم في الصالونات السياسية حول هذا الموضوع يتمحور حول السؤال التالي: هل أخذت تركيا الضوء الأخضر من روسيا والولايات المتحدة لشن العملية العسكرية على عفرين؟ دراسة الموقع الإستراتيجي لتركيا، والتداخل العرقي على حدودها، الجنوبية منها خاصة، يضيء على الإجابة التالية: تركيا لن ترضى ببناء مكون ذاتي للأكراد في سوريا، وسيتم "وأد" هذا المكون حتى لو كانت الإشارة حمراء من دول العالم كافة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة