هيا توركو
هيا توركو
3.4 k

شيشانية وعربية في آن واحد

26/1/2018

ولدتُ من أب وأم شيشانيّي الأصل وترعرعت في بيئة شيشانية وتقاليد وعادات شيشانية، إلا أنني قد مشيتُ الخطوة الأولى في حياتي على أرض عربية، وأول كلمة قد نطقتها في صغري هي كلمة عربية، وأول كلمة أتقنت كتابتها في الخامسة من عمري كانت عربية أيضا، وأول وآخر حلم رسمته في حياتي هو أن أكون كاتبة "عربية اللسان" أندّد بالحكومات العربية وأطالب بحقوق المواطن العربي المسلوبة مع الأسف. كبرت وتزوجت من شاب شيشاني الأصل وأنجبت منه صغيرين وحظيت أن أكون مسلمة وعشقت اللغةَ العربيةَ عشقا لا منته.. وفي ذات الوقت سارت في شراييني التفاصيل الشيشانية قلبا وقالبا.


شيء ما حدث هذا اليوم شعرتُ به لا أعلم أيصحّ أن أسميه شعور الامتنان للحرب التي قامت بين الشيشان وروسيا والتي أطاحت بنا في ذلك الزمن القاسي، أم أنّه مجرد فوضى المشاعر، أشعر أني متأسفة لقسوة تلك الحروب ولحجم وحشية تلك المجازر، ولكن لو تعمقنا قليلا لوجدنا حكمةَ الله في كل أمر؛ فلولا الحرب لما حظينا بدين الإسلام دينا، ولما تعلمنا اللغةَ العربية، لكنا الآن لا نفقه من آيات الله شيئا، ولكن من فضل الله أن منّ علينا بحرب قاسية يؤسفني أن دفع ثمنها مئات آلاف الشهداء، ولكن أثق بعدالة الله بأن ما ينتظرهم في جنات الخلد أجمل وأبقى. وأقرّ أننا نحن من انتصرنا بهذه الحرب إذ إننا خرجنا منها بدين يعزّنا ويمنحنا هيبة ووقارا.. دين التوحيد وشعار "لا إله إلا الله" الذي جعلنا من أقوى الشعوب وذلك بفضل من الله.

سئمتُ هذه المهزلة التي تحدث بحق شعبنا.. سئمت المنشورات التي تحرض علينا ولا تدرك حقيقة معاناتنا.. سئمتُ آلاف التعليقات السخيفة التي تكتب تعقيبا على طقوسنا أو عاداتنا أو فتياتنا أو شبابنا

لكن ما يثير حزني الآن هو الحرب الثانية التي لا تزال إلى يومنا هذا تُشَنُّ علينا وبكافة الوسائل الإعلامية وغيرها، ومن دون أي استنكار أو تنديد أو تصريح.. ومع الأسف أن هذه الحرب التي تقام الآن هي حرب من بعض -أقول بعض- المسلمين أنفسهم، الذين راحوا يمارسون سخافاتهم بحق شعوبنا القوقازية.. كتلك الفئة التي تنشر صور بعض الشبان الشيشان على أنهم إرهابيون ومرتزقة وتصورهم على أنهم هم السبب في دمار الوطن العربي، وهم السبب في احتلال القدس، وهم السبب في ثقب الأوزون، وهم السبب في ارتفاع أسعار السلع وانتشار البطالة وووو إلخ. وأعلمُ جيدا أن العالم بأسره يدرك من الذي قد مارس الإرهاب!!َ وبحق من!! ومن كان السبب في دمار البلاد العربية ومن كان السبب في احتلال القدس وووو.. وأصبح الآن الكل يمارس جرمه على قدر استطاعته وأضعف الإيمان بات إخفاء الحقائق ولا أستثني من هذا الكون أحدا.


قل الحق ولو كان مرا.. قرأتها كثيرا وتمعنت بها ونظرتُ إلى ما يدور حولي، ولذلك توجّب علي اليوم قول الحق ولو كان مرا، فالبعض من المسلمين قد قلبوا الباطل حقا والحق باطلا، والظاهرة التي انتشرت في الآونة الأخيرة هي تلك المنشورات التي باتت تنهمر كخبر عاجل يجلب إليه شباب الشعب العربي في غضون دقيقتين، وذلك بمجرد أن توضع صورة مع تعليق صغير بين قوسين؛ اللهم ششّن فتياتنا.. أو شيشانية للزواج بدون تكاليف زواج، أو سارع للتسجيل في جمعية تزويج المسلمات الشيشانيات.. فتلتم حثالة الأمم وتهبّ النخوة العربية النائمة منذ عقود والتي لا تستيقظ إلا عند مثل هذه الأمور.


فترى هذا الذي يريد رقمها، وذاك الذي يشير لأمه أن تزوجه إياها، وآخر تراه يدعو أصدقاءه لرؤية هذا الشيء النادر.. وكأن الفتاة صاحبةَ الصورة تجلس في منزلها في الشيشان تراقب التعليقات وتنتظر الفارس الذي سيأتي على حصانه الأبيض ويخلصها من مرارة العيش هناك.. وآخر يكتب بكل ثقة "اللهم ششن فتياتنا" وكأنه أمير قومه ويريد تغيير ملامح النسوة العربيات اللواتي هن مضرب المثل في جمالهن؛ فالجمال العربي لا يحق لاثنين النقاش فيه.. أجل هنا تهب النخوة العربية يا أبناء الأكرمين.. 


والله إني قد سئمت هذه المهزلة التي تحدث بحق شعبنا.. سئمت المنشورات التي تحرض علينا ولا تدرك حقيقة معاناتنا.. سئمت آلاف التعليقات السخيفة التي تكتب تعقيبا على طقوسنا أو عاداتنا أو فتياتنا أو شبابنا، والتي أقرأها يوميا على مواقع التواصل الاجتماعي.. لقد سئمنا من تصرفات البعض -وأصر بقولي البعض- من الشباب العربي الذي بينه وبين الوعي ألف سنة ضوئية.. سئمت أنا هذه المجرة المظلمة وسئمت دفاعي عن القدس وأنا لا أقوى أن أحدث أثرا واحدا على الأقل.. وأنا أعد القدس قضيتي الأولى.. سئمت أنا غيرتي على أبناء ديني وعروبتي، وفي ذات الوقت آلاف من الشباب العربي لا يزال يمقت شعبي بأبشع ما يمكن أن يقال..



وأما عني؛ فأنا شيشانية الهوى.. دمشقية الخطى.. ومقدسية الجوهر.. وعراقية الأصل.. وأعد البلاد كلها وطني ما دمت أعبد رب الأرض كلها.. ولكن كيف لي أن أمضي مسيرتي نحو المطالبة بحق المواطن العربي وأنا أقف مكتوفةَ الأيدي أمام حقي الذي يتعدى عليه غيري من أبناءَ عروبتي، وأمام حرب باردة حقيقية تُشَنّ الآن من قبل أناس لا تفقه في حضارتنا إلا نساءنا، ولا تأخذ من شهامتنا إلا صور فتياتنا، ولا تذكر من رجالنا إلا إرهابنا المدّعى أنه ممارس على الأبرياء وليس على عدونا.. عدونا فقط؟! 


وما إرهابنا إلا آية من آيات الله في سورة الأنفال: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ".


في الختام.. لا أريد من قولي هذا إلا أن أذكّركم أننا كلنا عابرون في هذه الحياة، وما نحن إلا ومضة ضوء، فلنكن ضوءا ساطعا يحدث نورا لا نيزكا عابرا يدمّر هذا الكوكب، فلننشغل بما يجعل الأمة العربية تتقدم إلى الأمام لا أن نعود إلى الخلف أشواطا، فيكفينا الحال الذي قد وصلنا إليه؛ ذلك الحال الذي يرثى له.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة