د. محمد العمر
د. محمد العمر
4.2 k

من كردستان إلى عفرين.. هل يحق للأكراد دولة؟

31/1/2018

بادئ ذي بدء، نود أن نؤكد في مستهل مقالنا هذا أن الأكراد جميعا هم إخوتنا في الأرض وشركاؤنا في التاريخ والجغرافيا، ولهم منا كل التقدير والمودة والاحترام. هذا المقال هو محاولة لتبيان الواقع كما هو، ولا يمكن أن يتم تفسيره بأي حال من الأحوال كمعاد للأكراد أو لحقوقهم أو لأحلامهم المشروعة، لذلك وجب التنويه.

مقدمة

يتوزع الأكراد في منطقة الشرق الأوسط على عدة دول تشمل بشكل أساسي تركيا وسوريا والعراق وإيران، ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لأعدادهم في هذه الدول إلا أنها تقارب الثلاثين مليون شخص يعيش أغلبهم في تركيا، تليها إيران ثم العراق، وأخيرا سوريا، مع وجود أعداد منهم في أرمينيا ولبنان وغيرها.


عندما نتحدث عن الأكراد فإننا نتحدث عن شعب عريق ينبض بالحيوية ويملك إسهامات مهمة في مسيرة المنطقة الحضارية. شعب أنتج عددا كبيرا من العظماء كالقائد صلاح الدين الأيوبي محرر القدس والقاضي والمؤرخ ابن خلكان والشيخ العالم سعيد النورسي وغيرهم. الغالبية العظمى من الأكراد هم مسلمون سنة، والقليل منهم شيعة، مع وجود أعداد تعتنق المسيحية. وللأكراد لغتهم الخاصة وثقافتهم، فهم يشكلون شعبا وقومية متميزة.
 

الأكراد تجمعهم لغة واحدة وقومية متميزة، إلا أن الطموحات القومية لم تظهر على السطح كإشكالية ذات طابع سياسي إلا بعد الاحتلال البريطاني للمنطقة الذي دعم العصبيات القومية

ومع أن المشكلة الكردية قديمة تعود الى عصور ماضية تلت سقوط الإمبراطورية الميدية على يد الفرس الاخمينيين ومن ثم استعبادهم من قبل الأقوام الهندواوروبية، إلا أن معركة جالديران بين الدولتين الصفوية والعثمانية عام 1514 هي التي أظهرت بوضوح عمق المشكلة الكردية في العصر الحديث، وأدت إلى تقاسم كردستان بين الصفويين والعثمانيين. هذا التقاسم تم تكريسه في عدد من الاتفاقيات اللاحقة بين الدولتين، ابتداء باتفاقية أمانسيا ومرورا باتفاقيتي أرضروم الأولى والثانية، وصولا لاتفاقية الأستانة لترسيم الحدود بين إيران والدولة العثمانية والبروتوكول الملحق بها عام 1913. 


في الحقيقة، من المعروف للجميع أن اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت إرث الدولة العثمانية قد تم بناؤها استنادا إلى مصالح راسميها أولا وأخيرا، ودون أي اعتبار لمصالح وتطلعات شعوب المنطقة. بل على النقيض من ذلك، فقد تم رسم الحدود الدولية في منطقتنا بخبث ودهاء غير خافيين على أحد، وبشكل يحمل في طياته بذور الصراع والنزاع المستقبلي من أجل الإبقاء على حالة دائمة من عدم الاستقرار والتباين. والهدف من ذلك بالتأكيد يستند إلى المبدأ الاستعماري الشهير "فرق تسد". فحتى تبقى الدول المنتصرة متفوقة، لا بد من وأد أي أمل في بناء أو إعادة بناء أي قوة ذات قيمة في منطقة الشرق الأوسط. وبما أن غالبية أراضي كردستان تقع ضمن حدود الدولة العثمانية فقد شملها التقسيم. وبذلك فقد تشتت الأكراد على عدة دول، كما أشرنا إليه أعلاه. 


على الرغم أن الأكراد تجمعهم لغة واحدة وقومية متميزة، إلا أن الطموحات القومية لم تظهر على السطح كإشكالية ذات طابع سياسي إلا بعد الاحتلال البريطاني للمنطقة، الذي عمل على إحياء ودعم العصبيات القومية. فالتاريخ يشهد أن علاقة الأكراد مع الدولة العثمانية كانت علاقة هادئة على العموم. وحتى بعض الحركات الكردية التي كانت تنادي بإصلاح الخلافة في أوائل القرن التاسع عشر كانت حركات ذات طابع إسلامي وليس قوميا. كما أن التحركات الاستقلالية الكردية بعد انهيار الحكم العثماني لم تكن مستندة إلى نزعات أو طموحات قومية، وظلت قيادة تحركاتهم تحمل طابعا إسلاميا وتهدف أساسا للوقوف في وجه حملات التغريب التي قادها مصطفى أتاتورك، الذي عاداهم بشدة وضيق عليهم.


تغير الوضع بعد الحرب العالمية الثانية، فقد دعمت الدول الغربية وصول قيادات يسارية وشيوعية للسلطة في المجتمع الكردي، وإضعاف وتغييب دور الدين كمكون أساسي في قيادة هذا المجتمع. بدأت هذه القيادات تؤطر وتوجه الحراك الكردي بعيدا عن طابعه الإسلامي وتلبسه لباسا قوميا واضحا ينادي باستقلال الأكراد كقومية في دولة تجمعهم. قادت هذه الحركات عدة محاولات لإقامة دولة كردية، إلا أن هذه المحاولات كلها باءت بالفشل.

لا يمكن للأكراد التذرع بالظلم والقهر الذي لحق بهم عبر التاريخ من أجل تبرير مطالبتهم بدولة قومية كردية. فشعوب المنطقة كلها، بكل أطيافها وألوانها، تعرضت لموجات قاسية من الظلم والقهر

رويترز
 

سنحاول في مقالين متتابعين بإذن الله أن نسلط الضوء على عدة أسئلة جوهرية محاولين أن نقدم إجابات موضوعية ومحايدة:
- أولا: هل يحق للأكراد أن يطالبوا أساسا بإقامة دولة قومية لهم؟ ولماذا؟
- ثانيا: إن كان يحق لهم ذلك، فهل يملكون شروط النجاح الموضوعية اللازمة؟ 
- ثالثا: ما هي الحلول المقترحة؟

سنعالج السؤال الأول في مقالنا هذا ونترك معالجة السؤالين الأخيرين إلى مقال لاحق بإذن الله. بالنسبة للسؤال الأول، فإننا نرى أنه لا يحق للأكراد المطالبة بدولة قومية لهم لعدة أسباب موضوعية أهمها:

- إن المطالبة بدولة قومية للأكراد في منطقة مكتظة بالتنوع الطائفي والقومي والديني هو أشبه بإلقاء قنبلة دمار شامل لن تبقي ولن تذر، فالأكراد ليسوا وحدهم من يملكون هوية أو ثقافة مميزة في المنطقة. ولو نجح الأكراد في إقامة دويلتهم في سوريا مثلا، فإن ذلك سيؤدي بشكل مباشر وأوتوماتيكي إلى تقسيم هذا البلد إلى دولة علوية ودولة سنية ودولة درزية إضافة إلى الدولة الكردية.
 

لا يحق للأكراد أن يطالبوا بدولة قومية تجمعهم حتى وإن كانوا يشكلون قومية متميزة بالفعل.. لا يحق لهم إلقاء مثل هذه القنبلة الذرية في منطقتنا.. لأنها ستنفجر فيهم قبل غيرهم

أما على المستوى الإقليمي، فإن نجاح إنشاء أي كيان كردي مستقل في أي من الدول الأربع التي يتواجد فيها الأكراد حاليا سوف يؤدي إلى تغذية النزعات القومية والدينية والمذهبية والعرقية لدى الأكراد وغيرهم من شعوب المنطقة، مما سيؤدي بالضرورة إلى إحداث زلزال يفتت المنطقة بأسرها ابتداء بباكستان وأفغانستان وإيران، مرورا بالعراق وسوريا وتركيا ولبنان، وصولا إلى دول الخليج العربي واليمن وحتى المغرب العربي.. هذه حقيقة وليست خيالا..


- إن منطقتنا على حالتها الراهنة ليس فيها أي دولة قومية سوى "الكيان الإسرائيلي" الذي يحاول بناء دولة قومية يهودية. وهذا ما يمكن أن يقدم تفسيرا لسبب دعم "إسرائيل" لاستقلال كردستان العراق. أما بقية الدول الموجودة حاليا فهي تشكل خليطا من الشعوب والثقافات والمذاهب والأديان. فلماذا يمكن أن يحق للأكراد ما لا يحق لغيرهم؟ 

- لا يمكن للأكراد التذرع بالظلم والقهر الذي لحق بهم عبر التاريخ من أجل تبرير مطالبتهم بدولة قومية كردية. فشعوب المنطقة كلها، بكل أطيافها وألوانها، تعرضت لموجات قاسية من الظلم والقهر. زد على ذلك أن إقامة دولة كردية لن تفتح أبواب الفردوس والراحة للأكراد، لأن تقسيم المنطقة بالشكل الذي شرحناه أعلاه سيؤدي إلى قيام كيانات هزيلة متعادية ومتحاقدة ولاؤها المطلق للخارج. لذلك فإن مثل هذا السيناريو لن يكون مريحا لا للأكراد ولا لغيرهم، بل سيفتح أبواب جهنم على الجميع.


- إن الأكراد أنفسهم ليسوا على قلب رجل واحد، لذلك فإن مثل هذا السيناريو يمكن أن يدخل الشقاق إلى داخل البيت الكردي نفسه، فيزيد من معاناة الأكراد وقهرهم.


- لا تتوفر أساسا الشروط الموضوعية اللازمة لبناء مثل هذه الدولة، وعلى الأكراد أن يتعلموا من دروس الماضي القريب قبل البعيد (وهذا ما سنناقشه في مقالنا التالي بإذن الله). 

استنادا لذلك فإننا نرى أنه لا يحق للأكراد أن يطالبوا بدولة قومية تجمعهم حتى وإن كانوا يشكلون قومية متميزة بالفعل.. لا يحق لهم إلقاء مثل هذه القنبلة الذرية في منطقتنا.. لأنها ستنفجر فيهم قبل غيرهم. ونود أن نؤكد في نهاية هذا المقال أن رفضنا لإقامة دولة قومية كردية لا ينحصر بالأكراد، بل يمتد ليشمل أي فكرة لبناء قومي مهما كانت. فالمنطقة تكمن قوتها في تنوعها وتعايشها، وكل بناء قومي فيها لن يأتي لها ولا لأهلها بخير..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة