ريم مشهور جوابرة
ريم مشهور جوابرة
892

ما بين مطرقة العقل وسندان العاطفة

5/1/2018
خلق الله الإنسان وميزه بالعقل الذي به يدرك محدثات وحقائق الأشياء، وأكرمه بأن جعله عاقلاً مفكّراً، فالعقل هو القوة التي تساعده على استنباط الترابطات وحل المشكلات بصورة عقلانية، وأنعم عليه بقلب ينبض بين ضلوعه ليقيم شعائر الحياة. 
 
العقل والقلب متضادان متكاملان، فالعقل امتاز بالصلابة والقوة، إذ يرتكز دائماً على المنطق والاستدلال، ويحكم في مختلف القضايا وفق معايير جازمة، بينما اختص القلب باللين واليسر. وكلاهما لا غنى للإنسان وبنائه الروحي عنهما، فصلابة العقل تلطفها رقة القلب، ولين القلب يهذبه تدبير العقل. يعيش الإنسان في حياته بمحركات من مقتضى حكمته وفيض مشاعره، أي أن عقله وقلبه هما اللذان يحددان سلوكه ويستأثران بطبيعة مساره وفعالياته. قد يختلف العقل عن القلب تبعاً لانقسامه الذاتي، ومن ثم الخارجي، إذ أن المتعارف عليه أن العقل يرتبط بالماديات والعاطفة بالمشاعر.
 
وفي ما يتعلق بمشاعر الحب والتقدير، فلا بدّ من استخدام العقل أولاً للاقتناع بالفكرة والهدف، بمعنى أن القلب يحتاج إلى ما يستوثقه بأن الشخص الذي حاز على مشاعر الإعجاب والاهتمام يستحق ذلك. وإذا كان العقل هو وقود العلم والمعرفة؛ فإن القلب هو صندوق المشاعر لسكينة الإنسان ولصالح استقراره النفسي والفكري والمادي.
 
التوازن الحميد بين القلب والعقل
قد يكون التفضيل بين اختيارات العقل والقلب متعذراً في كثير من الأحيان، ويزداد الطين بلّة إذا كانت المواقف تستدعي إفتاءً في التو واللحظة، فقد يكون هناك أشخاص يغلب نظامهم الفكري على نظامهم العاطفي، وآخرون نظامهم يغلب العاطفي على الفكري، وهذا هو جوهر الفرق بين الفكريين والعاطفيين. بيد أن هناك تداخلا كبيرا في أعمال القلب والعقل، وإن كان التفاوت كبيرا بينهما، فكلّ منهما يكمّل الآخر، فالعقل يختار ويدرك الموقف، فهو مناط التكليف، ثمّ يقدم الدليل، فيستفتي القلب، الذي يقوم بالنظر إليه من زاويته الخاصّة، ثمّ بعد ذلك تصدُر الأحكام قولاً وفعلاً.
  

القلب هو محل الإدراك والتمييز، وبصلاحه يصلح البدن ويصحصح الحق ويظهر، وبِسَواده يظلم الإنسان ويجهل، فقلب الإنسان له دور في التعقّل والإدراك والمنطق

أن سبلاش
 
إن أسلوب الجمع التناغمي والانسجام بين العقل والقلب، وقيام القلب والعقل بتأدية وظائفهما معاً في آن واحد، وعدم الاستسلام لأحدهما بطابع الأنانية، والانجراف لأهواء ذاتية مفتقرة الروح الإنسانية تجعل حياتنا صورة متكاملة بطريقة متوازنة، وتضمن لنا السير نحو الطريق السديد بعيداً عن المؤثرات الخارجية.
 
العقل والقلب من منظور القرآن الكريم
لقد عني الإسلام ببناء الموازنة في الحياة بين العقل والقلب، وقد ظهر ذلك في وصف الله تبارك وتعالى المؤمنين في سورة الفتح 'آية رقم 29) فقال الله تعالى في كتابه العزيز الكريم: "أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ"، وهذه من صفات الأضداد: أن يكون المؤمن شديداً عنيفاً على الكفار، رحيماً، باراً بالأخيار، فالأولى من العقل والثانية من القلب.
 
استوقفتني أيضاً الآية رقم 90 من سورة النحل، وفيها قال الله تعالى في كتابه العزيز الكريم "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ". جاء الأمر الإلهي جلياً في التوازن والتوافق بين العدل والإحسان، فالعدل هو الميزان العقلي ومقتضى الحكمة، والإحسان هو الرحمة القلبية وفيض العاطفة.
 
وفي دلالة أخرى في الآية رقم 46 من سورة الحج، قال الله تعالى في كتابه العزيز الكريم " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ". جعل الله محل العقل في القلب، كما جعل محل السمع في الأذن، فلولا أن مستقر العقل في القلب ما ذكر الله عز وجل أن الأذن هي مستقر السمع، وهذا يبرهن لنا على أن القلب هو محل الإدراك والتمييز، وأنه بصلاحه يصلح البدن ويصحصح الحق ويظهر، وبِسَواده يظلم الإنسان ويجهل. فقلب الإنسان له دور في التعقّل والإدراك والمنطق، ولبياضه دورٌ في نجاة الإنسان من الشهوات والشبهات والوصول بالطاعات إلى أعلى الجنات. وجعل الله تعالى أيضاً العقل الذي يميز بين الحق والباطل، وبين المعروف والمنكر، وبين الخير والشر في القلب.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة