أسامة الشجراوي
أسامة الشجراوي
1 k

رُفعت الجلسة

6/1/2018

ما إن بلغ التقويم السنوي ورقته الأخيرة، التي تُوحي بإدبار عامٍ، وقدوم عام جَديد، حتى هربت الروح، طارقة أبواب خُلدها، سائلة ما حاله، بَعد ضيافته لعام رَحل، كان قد أبقى شيئاً من عبق عَطر ذكرياته، ما برح مُقيماً في جنباته، وبعد أن نقشت الذكرى على جدرانه، مشاهد لن تُمحى، حافرة أثارها في ثنايا الوجه الحالم، فتتحسس يد الذكرى خُدود الروح، التي تستحضرُ قُبلات أيام العام، تارة على حين أمل، وتستحضر طوراً صَفعات لحظاته على حين خَيبة، وتبدأ بتقليب ذكرياتها في مواقد الأيام، مُحاولة استراق إلهامها، من تجارب قد سبقت، متخذة من القصص التي خاضتها، زادا ومتاعاً، في ظل شموس أشرقت في زوايا جديدة بالنفس، وزوايا مناطق أطفئت، شيعتها شموع حالمي الأمس، وما بين تلك الشموع والشموس، وُضع رأس السنة، على مائدة فاخرة من الذكريات .


وبعد أن تصل الرواية الموسمية، لخاتمة فَصلٍ من فصول حكاياها، تبدأ الروح التي لعبت دَورة البطولة فيها، بأخذ نظرة اعتبار وتأمل، فتجلس الروح على مقاعد محكمة سنوية، كان قاضيها الزمن، وكان مُتهمها أياماً متشحة بالسواد، وثمة شركاء لها تجلببوا بسوادها، وحاولوا أن يُلبسوها غيرهم، في جريمة كان عنوانها اللحظات المسروقة من جيوب النفس، والأحلام التي طُحنت في رَحى الواقع، فيُحقَّق في البراءة التي اغتيلت، على مسرح التجارب، ويرفع الكشف عن بصمات الأصابع العابثة، التي تورطت بتشويه اللحظات البهية، وإطفاء جذوة الفَرح في نفوس أصحابها، ما إن حاولت الحياة عناقهم.

 

يستوي القلب على عرشه، وتقف الروح متأملة المشهد، من على سَفح جَبل ذكرياتها، متخذة من مِحراب قَلبها، صَرحاً لأصالتها تَقف عليه، وأنساً لفؤادها تَلوذ به

مواقع التواصل
 

فيحكم بالقِصاص على أنصاف الخيارات التي لم تُسعف الحال، فتُبتر الأياديِ الممدودة، التي اكتُشف زيف طهارتها، وفي ذهن الحاضرين في تلك المحاكمة، مشهدٌ الأيام، وأنصاف الخيارات التي تُساق، ولحظات الحُزن التي تَجُر نفسها، وهي مُقيدة بأغلال الذكرى، المهددة بالنسيان، وعليها من صدأ القلب ما عليها، تستعد للانتصاب على مشنقة المشاعر، والمثول أمام عدالة القَدر، والقَلب شاهد، وكأني به يحضر فيلماً لقصاص خصومه، ومن حاول اجتياح حصون فَرحه، والانتقاص من أحلامه، وتحطيم أكواخ بساطته، والعبث بمقدساته، وتشويهه.


تقف النفس بعدها شامخة في تلك المحاكمة، بَعد أن أُتخمت بالقضايا المرافع عنها، ويستوي القلب على عرشه، و تقف الروح متأملة المشهد، من على سَفح جَبل ذكرياتها، متخذة من مِحراب قَلبها، صَرحاً لأصالتها تَقف عليه، وأنساً لفؤادها تَلوذ به، بَعد أن قامت بإزرار الزِر الأخير من مِعطفها السنوي، المصنوع من نسيج ذكرياتها، وعقدت صُلحاً مع الأيام، بَعد أن وضعت الضماد على كفوفها، وخطت مراسيل الوعود لأمانيها المؤجلة، ورسائل التهديد للشواطئ، التي عَزمت سُفنها على ضربها، وعانقت مودعة النجوم الأخيرة، في سماء سَنة لن تعود، متأسية بصور الذكريات فيها، التي التقطتها مُتلهفة.

 

فتزورها الذكرى على حين حنين، وتُسلم عليها لحظاتها على حين وفاء، فتطلق الروح زفرات عامٍ قد انقضى، وتتذكر أنها ما زالت تُكمل جَلسة المرافعة السنوية، فترمق بعينها رُوحا أخرى كانت جالسة تُطالعها منذ أن بدأت الجَلسة، فتخط على ورقة كانت بجانبها وكأنها قد تذكرت شيئاً: ما أجمل أن تلتقي نسخة روحك القديمة بنسختها الجديدة، وتحاولان التعرف على بعضهما، فتنظر الجديدة للقديمة بعين الشفقة، وتنظر القديمة للجديدة بعين العظمة. فيدق ناقوس البداية الجديدة في باحات نفسها، ويَصيح القَلب وقد أثقله المشهد، بأن تُرفع الجلسة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة