هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




أمين أمكاح
أمين أمكاح
16.2 k

أكذوبة الجودة بمنظومة التربية والتعليم في العالم العربي!

1/10/2018

إن ازدهار المجتمعات والأمم لا تتم بمنأى عن إصلاح منظومة التربية والتعليم التي تضم إشكاليات عميقة وجوهرية تستدعي التوفر على مقومات حقيقية لعلاجها وإيجاد حلول فعالة لها، والحاجة إلى هذا النوع من الإصلاح يعد من أحد أهم مطالب الشعوب العربية في العقود الأخيرة من الزمن، كما أنه ضرورة ملحة وقضية من القضايا الرئيسة التي ينبغي أن تهم المسؤولين في قطاع التربية والتعليم فالاستثمار في العنصر البشري دعامة مركزية لكل نهضة فكرية وتنمية مستدامة.

 

وهذا الحقل بالذات لا يحتاج إلى التجريب الكثير بقدر ما يتطلب فهما عميقا لمستلزمات الإصلاح الذي يهدف إلى تحقيق أعلى مستويات الجودة، وهذا لا يمكنه أن يتم دون التشخيص الدقيق والتواصل الفعال والإنصات الجيد المبني على الحوار الحقيقي مع مختلف مكونات منظومة التربية والتعليم؛ لمواكبة الانخراط في محيط عالمي يتميز بالتنافسية التي تحتاج إلى نظرة شمولية لا تقصي أي طرف من أطراف مكونات هذه المنظومة. وهذا بحد ذاته باعث على طرح السؤال حول ما يتم ترويجه من قبل المتحكمين بزمام منظومة التربية والتعليم بالعالم العربي: هل حقا تمتلك هذه المنظومة جميع مقومات الجودة ومعاييرها الحقيقية؟

 

إن رفع شعار الجودة بمنظومة التربية والتعليم من بين أكبر الأكاذيب السائدة التي تمررها الحكومات ويتبجح بها المسؤولون عن هذا القطاع في العالم العربي، وهذا ليس حكما عاطفيا بل يستند إلى أمور واقعية متعددة تؤكد حقيقة استحالة توفير الجودة في هذه المنظومة في الوقت الحاضر، ومن أهمها: كثرة تبعثر المبادرات وفشل معظم المخططات والبرامج المعتمدة، إضافة إلى عدم القدرة على توفير سلطة فعالة للتقويم والمراقبة، وغياب الحكامة الرشيدة التي تعد اختيارا منهجيا في التدبير الجيد لهذه المنظومة، ومثال على ذلك: انعدام المقومات المطلوبة لترشيد النفقات، ويظهر هذا الأمر بوضوح فيما يقع من تبذير للموارد المالية التي تضخ في غير محلها؛ نظرا لفقدان الشفافية في مختلف الميزانيات المرصودة ولعدم ملاءمتها للأولويات.

 

توفير معايير الجودة الشاملة في منظومة التربية والتعليم بالعالم العربي مشروع ضخم يستدعي معرفة نقاط الضعف وتعيين أسبابها وتحليلها بدقة مع تحديد المسؤوليات ومراقبة سيرورتها

الدول العربية لا تصنف ضمن الدول المتقدمة، فكيف تصدق أكذوبة الجودة في منظومة التربية والتعليم بالعالم العربي مع العلم بأن وجودها حقيقة يعد معيارا لتقدم الدول، فالتقارير الوطنية والدولية ونتائج الاختبارات والتصنيفات العالمية تكاد تجمع على وجود أزمة حقيقية في هاته المنظومة في معظم الدول العربية رغم خضوع قطاع التربية والتعليم لإصلاحات متعاقبة مست كل مجالاته ومراحله إلا أن أغلبها شكلي لا يحدث الفارق المنتظر.

 

وتحتل التربية والتعليم في الدول المتقدمة مكانة أساسية ومرتبة عالية، وتحظى فيها بعناية فائقة، بل تعد أساس ازدهارها وتقدمها، وعليه تعتمد في بناء حاضرها ومستقبلها، وعلاج مختلف قضاياها الإنسانية ومشاكلها المطروحة في أوساطها المتحضرة، على نقيض ما نجده في مختلف البلدان العربية، بالرغم من الجهود المبذولة للنهوض بمنظومة التربية والتعليم إلا أنها غير كافية لبلوغ مراتب الجودة المطلوبة، ويظهر ذلك بوضوح أمام استمرار مكامن الخلل، فلا تزال هذه المنظومة تعاني من أزمات ومشكلات متعددة على جميع الأصعدة سواء المادية أو المعنوية، لهذا لم يتمكن بعد من تحويل جميع تلك الجهود إلى نتائج ملموسة تنعكس إيجابا على تحسين المردودية الداخلية والخارجية لمنظومة التربية والتعليم، فقياس الجودة لا يعتمد على ما تم القيام به من جهود بقدر ما يأخذ بعين الاعتبار النتائج المحققة في أرض الواقع والتي تلامس مختلف مكونات هذه المنظومة.

 

ومن المؤكد أن توفير معايير الجودة الشاملة في منظومة التربية والتعليم بالعالم العربي مشروع ضخم يستدعي معرفة نقاط الضعف وتعيين أسبابها وتحليلها بدقة مع تحديد المسؤوليات ومراقبة سيرورتها لإيجاد حلول مناسبة لا الترقيع والاهتمام بما هو سطحي بعيد عن الجوهر الذي هو بمثابة النواة التي من صلبها ينمو الإصلاح ويعطي ثماره ويزدهر. ولتحقيق رهان الجودة في التربية والتعليم أهمية قصوى عند الشعوب العربية باعتباره أولى الأولويات التي لا نقاش فيها، ولكون توفر الجودة بهذا القطاع الحيوي في أي بلد يؤدي إلى الرفع من التقييمات التي تعطى من المنظمات والمؤسسات القائمة على التحكيم وفق معايير محددة للجودة في التربية والتعليم، والتي لها ارتباط وثيق بمؤشر التقدم والتنمية البشرية.

 

ولهذا فحضور الجودة في منظومة التربية والتعليم يستوجب الإصلاح الذي يفيد ويعبر عن التحولات القائمة، وهذا بحد ذاته سيفرض خلق منظومة مغايرة دقيقة جدا في تحديد مواصفات الإنسان الذي تريد إخراجه بعد تكوينه، وكذا المجتمع الذي تسعى إلى بنائه، وعلى سبيل المثال: يمكن سن قوانين جديدة تغير أهداف التعليم ومبادئه، وإدخال مواد دراسية جديدة، وتغيير نظام الامتحانات والتقويمات، وتحديث أنماط التدبير وأساليبه...، وهذه النقط المعطاة على وجه تقديم المثال، ليتبين مدى التكامل بين البعد الإنساني والمادي بالشكل الذي يجعل مقاربة إشكالية جودة منظومة التربية والتكوين عملية مركبة يتداخل فيها البعدين معا، فالجودة في الزمن المعاصر أصبحت تقاس كميا وكيفيا، ولم يعد الأمر يتعلق فقط باستبدال مقرر دراسي بآخر أو بإدخال منهجية جديدة بغير وعي كي تعوض أخرى قديمة أو وضع رؤية استراتيجية تجهد على المكتسبات السابقة وتخدم أجندة معينة دون مراعاة موصفات المتعلم وخصوصيات المجتمع الذي وضعت لأجله.

 

لا يمكن الرقي بمنظومة التربية والتعليم والرفع من جودتها دون معالجة الاختلالات واستدراك التجاوزات التي تعرفها، وحصول ذلك كفيل أيضا بربط المسؤولية بالمحاسبة كواقع عملي لا كقوانين ومذكرات لا تعرف إلا الأوراق بعيدا عن أي تنزيل لبنودها على جميع المسؤولين صغارا كانوا أو كبارا على حد سواء، مما يعني تعميم تطبيق نظام المراقبة والتتبع لكل المسؤوليات المنوطة لكل الأطراف المنتمين لهذه المنظومة؛ انطلاقا من المساءلة القانونية وخصوصا عند ظهور أي اختلال وتقصير، وعدم اللجوء إلى فتح التحقيقيات دون إظهار نتائجها.

 

وتجدر الإشارة إلى أن جودة منظومة التربية والتعليم لا ترتبط فقط بنسبة نجاح المتعلمين، والتي تبقى نسبية في ظل الخلل الكبير على مستوى التقويم وألياته الإجرائية، وكذا غياب المراقبة الحقيقية لمختلف المساهمين في هذه العملية داخل هذه المنظومة، بعيدا عن الأمور الأخرى المتعلقة بنقص في معاير الجودة على مستوى المناهج والبرامج والكتب المدرسية والوسائل التعليمية، والتجهيزات والفضاءات المخصصة للتعلم، وفي ظل استمرار الهدر المدرسي والمهني والجامعي؛ مما يعني بالأساس صعوبة الاندماج المهني؛ لعدم ملاءمة التكوينات المتاحة مع متطلبات الشغل وحاجياته الأساسية المرهونة بالتوفر على مجموعة من الكفاءات والمهارات الضرورية التي لا تتوفر في جميع خرجي هذه المنظومة.

 

يستحيل أن تتوفر الجودة بمنظومة التربية والتعليم في العالم العربي آنيا مع عدم القدرة على تعزيز القيم التربوية التي تساهم بشكل كبير في الارتقاء بالعمل التربوي

الجزيرة
 

إن الجودة بمنظومة التربية والتعليم في العالم الإسلامي غير ممكنة ما دام أن الاهتمام بالمدرس ضئيل أو شبه منعدم، مع أنه بمثابة حجر الأساس ومفتاح نجاح التربية والتعليم، بعيدا عن ما هو متعلق بالجانب المادي والنفسي الذي فيه نظر كثير وقول بالغ الأهمية ولكن لا يسع تناوله الآن في أسطر محدودة، لذا سيقتصر الحديث في هذه الفقرة عن الجانب المعرفي والمهاري الذي هو بحاجة ماسة إليه؛ والمقصود بذلك التكوين والتطوير المهني المستمر الذي قد لا توفره له الوزارة الوصية على هذا القطاع، وإن وفرته يكون فيه اختلالات ونقائص كثيرة دون مراعاة لما يحصل من تغيرات في الاتجاهات التربوية اليوم، وبالخصوص مع تغير دوره في العملية التعليمية بحيث أصبح هو الموجه والمنظم والمنشط لها، ولم يعد يرتكز على نقل وتلقين المعرفة لهذا الجيل الذي يعرف تطورا سريعا في المجال التكنولوجي والتقني المسيطر على هذا العالم؛ مما يعني إفراز تصورات ومفاهيم جديدة تستدعي تعاملا أكثر رزانة وحكمة، وهذا لا يحصل دون الدراية التامة بحيثياته وتأثيراته.

 

يستحيل أن تتوفر الجودة بمنظومة التربية والتعليم في العالم العربي آنيا مع عدم القدرة على تعزيز القيم التربوية التي تساهم بشكل كبير في الارتقاء بالعمل التربوي انطلاقا من الوزارة المسؤولة عن القطاع وصولا إلى أصغر مسؤول في المؤسسات التعليمية، وتطوير الممارسات التربوية يساعد على صناعة قيادة ناجحة تعتمد بشكل أساس على التخطيط الاستراتيجي المبني على المقاربة التشاركية النزيهة والفعالة التي لا تخرج عن إطار الشفافية.

 

وفي الأخير نتساءل: هل المجتمع العربي الحالي في عمومه قادر على التنافس مع غيره من المجتمعات فكريا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا؟ يكفي أن ننظر للواقع ليبين لنا بشكل فاضح عدم القدرة على ذلك في ظل عدم تمكن منظومة التربية والتعليم في البلدان العربية من توفير المخرجات التي تضمن لنا تحقيق تلك التنافسية المذكورة لدحض تلك الأكذوبة. وبعد كل ما تم ذكره أيعقل أن هنالك من يزال يعتقد بأن ذكر الجودة في هذا المجال الحساس بالعالم العربي حاليا هي حقيقة وليست أكذوبة؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة