د. نزار نبيل الحرباوي
د. نزار نبيل الحرباوي
282

الضغط الاقتصادي الحالي على الناس.. سلاح ووسيلة!

11/10/2018

إنّى نظرت في بقاع المعمورة في هذه الآونة وجدت أكثر من مشهد من مشاهد التعسير والتضييق والكبت الاقتصادي، والاستباحة التامة من قبل الشركات الكبرى للاقتصادات الوطنية المحلية، وارتهان الاقتصاد الداخلي للالتزامات الخارجية، وحالات فساد تساند الكبت الاقتصادي وتستنزف موارد الدول العربية، تتبخر معها السيولة النقدية في الأسواق، وتترك هذه الشواهد المواطن الفرد في حالة من الضنك والأسى والالتفات إلى قوت يومه وقوت عياله وترك الشؤون العامة كرها.

 

إنها حالة مدروسة مقصودة من الضغط النفسي والسياسي والاقتصادي التكاملي الذي يشكل منظومة فعلية هدفها السيطرة المطلقة على الموارد، ومنع الاقتصاد الحر والناشئ، والكبت الاقتصادي لمدخولات الفرد البسيط؛ من خلال رفع نسب البطالة الحقيقية وسن التشريعات والقوانين التي تضرب عصب الحياة اليومية، إضافة إلى إشاعة أجواء من التلاعب في القوانين وبث حالات اليأس المجتمعي من خلال كشف بعض حالات الفساد للتستر على الملفات الكبرى للقطط السمان في كل مجتمعاتنا العربية البائسة.

 

مخطئ من يظن أن واقعه الصعب يطاله وحده، فالأزمة الحالية تعصف بدول بكاملها، والعالم يشهد حالة غير مسبوقة من التنافس على السيولة والعمليات التجارية وعمليات الاحتيال غير المتوقعة بمستويات عالمية، فانتشر النصب والاحتيال بمستويات عالية، وارتفعت مؤشرات الفساد، وتعددت صور الارتهان للبنوك من خلال القروض الصغيرة والمتوسطة، وانعدمت السيولة وشاعت أشكال الديون لدى الفرد البسيط مما زاد الضغط على المواطن بصورة كبيرة وواضحة. مؤشر خطر يدعم هذه المؤشرات، وهو الإغلاق الواسع لعدد من الشركات والمؤسسات الخاصة والعائلية بسبب الضغط الاقتصادي وارتفاع الضرائب المترتبة عليها للدول مع انعدام الاستقرار الاقتصادي وهو ما جعل من استمراريتها خسارة متحققة لمالكيها.

 

من غير المستغرب أن ترى في المجتمعات المغرقة في الفقر حالة النكوص والاستسلام النفسي، والقبول بالأمر الواقع طمعاً في رغيف الخبز المخضب بالعبودية المقنعة

يتواصل معي عدد غير قليل من الأصدقاء والمعارف بحثاً عن عمل، وقبل أن يبدؤوا بشرح واقعهم أطلعهم على بعض المعطيات العالمية ليعلموا أن وضعهم ليس منعزلاً عن الواقع العام، فالأزمة عامة، وحال المواطن في ليبيا لا يختلف عن الواقع في فلسطين، والأزمة في مصر لا تختلف عن الأزمة في الأردن، والتردي الاقتصادي والفساد في الخليج العربي موازٍ من حيث الشكل لما هو حاصل في الدول الإفريقية البترولية، والحروب والنزاعات زادت الطين بلّة بلا ريب.

 

التحدي الحقيقي المترتب على الفرد هنا ليس بسيطاً، لا سيما على رب الأسرة الكبيرة، فمتطلبات الحياة لا تنتظر ولا ترحم أحداً، وبالطبع، حال المشردين المهجرين قسراً عن أوطانهم يفوق في توصيف الأزمة حال المستقر في دياره، ولكن البطش السياسي والاقتصادي والفساد والارتهان للشركات العابرة للقارات، وضرب الاقتصاد الوطني الداخلي وفتح المجال أمام الاستيراد غير المضبوط والميكنة غير العقلانية كلها أدت لإفلاس واسع في المجتمعات، وانتشرت مظاهر الفقر التي ترافقها بالضرورة شواهد الجريمة والفاحشة والمخدرات ونحوها من الآفات القاتلة. المطلوب في المحصلة الختامية، أن تسمن القطط السمان بشكل أكبر، وأن ينتشر الفقر الملجيء لدى شرائح أوسع من الناس، حتى تترك النخب القضايا العامة ومسائل السياسة للبحث عن لقمة عيشها، والتمسك بالمتاح من الفرص في الوظائف ولو أدى ذلك لبيع العقل وتأجير الأدمغة.

 

من غير المستغرب أن ترى في المجتمعات المغرقة في الفقر حالة النكوص والاستسلام النفسي، والقبول بالأمر الواقع طمعاً في رغيف الخبز المخضب بالعبودية المقنعة، فنشر الفقر يعني بالضرورة انتشار مجموعة من الآفات الاجتماعية والنفسية التي تزيد عن خطورة الموت نفسه، وهي الظواهر المطلوبة عالمياً في هذه الفترة للسيطرة على الشعوب والتحكم بمصائرها حتى تكون رهينة بإقطاعي المال العالمي الذين هم بالغالب أدوات الغرب في المنطقة ولو لم يصرح بذلك.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة