هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




بلال كيساري
بلال كيساري
186

من يقف وراء إفساد أو إصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب؟

11/10/2018

يعيش المغرب على وقع نقاشٍ محتدم بين أطراف عدة، حول موضوع إقحام اللغة الدارجة - العامية - في المقررات الدراسية الخاصة بالمستويين الابتدائيين؛ الأول والثاني.. وقد زاد من حدة النقاش نوعية الكلمات المنتقاة من اللغة العامية، والتي يرى عموم الشعب المغربي أنها كلماتٌ لا تفيد النشءَ على الإطلاق، ولو تَمَّ تبريرُ إقحامِها في المقررات الدراسية بما هو تربوي وبيداغوجي من قبل الوزارة الوصية على قطاع التربية والتعليم. والحقيقة أن هذا النقاش؛ إنما هو نقاشٌ جانبي يستهدفُ البعضَ لا الكل، ويُضيف يومًا جديدًا في سلسلة أيام احتضار المنظومة التعليمية والتربوية ببلاد المغرب الأقصى.


إن النقاش الحقيقي الذي يجبُ أن يُستثارَ من قبل مختلف مكونات المجتمع المغربي، هو ذلكم النقاش الذي يتخذ من السؤال المحوري التالي منطلقًا له: من هي الجهة الحقيقيةُ التي تتحمل المسؤولية السياسية والتاريخية في إفساد أو إصلاح المنظومة التعليمية والتربوية في المغرب؟ إن أيَّ نقاشٍ ينطلقُ من السؤال السالف الذكر ليبحث لهُ عن إجابةٍ صحيحةٍ وصريحةٍ لا تنافق ولا تداهن لا سياسيا ولا اجتماعيا ولا فكريا ولا حتى اقتصاديا أيَّ جهةٍ أو مؤسسةٍ أو مكونٍ من مكونات الدولة المغربية وكذا المجتمع المغربي، لهو نقاشٌ كفيلٌ بالوصول إلى نتائج إيجابيةٍ بالإمكان البناءُ عليها في أي إصلاح يستهدف المنظومة التعليمية والتربوية بأرض المغرب الأقصى.


إن استعمالَ كلماتٍ من اللغة العامية في صلب المقررات الدراسية لا يعدو أن يكون سوى خطوةٍ جديدةٍ في مشوار إنزال التعليم المغربي من القمة إلى الحضيض، وقد مهدَتْ لهذه الخطوة سلسلةُ خطوات سبقتها؛ أهمها وأبرزها خطوةُ صناعة الحيرة لدى المجتمع المغربي؛ الذي غدا يجهلُ من هو المسؤول الأول والرئيسُ عن التدبير الفعلي لقطاع التربية والتعليم، أهو الوزارةُ الوصية على القطاع؟ ومن ورائها الحكومة المنبثقة من صناديق الاقتراع؟ وإذا كان ذلك كذلك! فلماذا يا ترى لا تسند حقيبة وزارة التربية الوطنية لشخصيةٍ ذاتِ خلفيةٍ سياسية حقيقية - منتمية لأحزاب سياسية لها وزنها في الساحة السياسية والنضالية-؟

لماذا تكون وزارة التعليم من نصيب شخصيات تكنوقراطية؟ أو تكون من نصيب أحزاب ٍ خرجت من رحم الإدارة المغربية؟!.. أم أن المسؤول الحقيقي والفعلي عن تدبير هذا القطاع الحيويِّ هو مؤسسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي؟ هذه المؤسسة التي يُعيَّنُ مسؤولوها بعيدًا عن إرادةِ الشعب المغربي؟ والتي يبدو للجميع أن قوتها تتجاوز القوةَ الاقتراحية، وأن سلطتها في قطاع التعليم هي سلطة حقيقية لا تقف عند أي حدٍّ، بخلاف الوزارة الوصية على قطاع التربية والتعليم؛ التي - كأنَّا بها - تشتغل بين مجالين مغلقين على بعضهما؛ أحدهما هو الخجل والآخر هو الوجل.. وزارةٌ لا تكاد تحسُّ لها بأي تأثير أو وجود!؟ (مع كامل الاحترام لأطرها وإدارييها وحتى مسؤوليها).

يجب أن توكل حقيبة الوزارة الوصية على قطاع التعليم في المغرب للحزب الذي بوأته صناديق الاقتراع رئاسة الحكومة، حتى يُنَزِّلَ مشروعه الذي يتوخى من ورائه إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية

إن المشاكل التي يرزح فيها قطاعُ التعليم في المغرب أكبر من أن تُختزل في إضافة كلماتٍ من اللغة العامية إلى المقررات الدراسية، وإن كان ذلك يعتبر أمرًا خطيرًا، إذ أنه يشكلُ خطوةً عكسية في اتجاهِ التسريع من وتيرة هدم القطاع وإرساله نحو الهاوية هناكَ في الحضيض الذي ما بعدهُ حضيض.. وعليه يجب الانصراف عن نقاش هذه الجزئيات - التي هي جزئيات في ظاهرها لكنها تخفي وراءها غولا فاسدًا يفتك بقطاع التعليم - إلى تركيز النقاش حول مجموعةِ أمورٍ أرى أنه من الضروري تدارسها على نطاق واسع وهي كالآتي:


أولا: وضعُ نقطة النهاية لمشوار التبعية والتقليد والانصياع للإملاءات الخارجية التي لا تزيد قطاعنا التعليمي والتربوي في المغرب إلا ارتباكًا وفوضوية وتدهورا.

ثانيا: يجب أن توكل حقيبة الوزارة الوصية على قطاع التعليم في المغرب للحزب الذي بوأته صناديق الاقتراع رئاسة الحكومة، حتى يُنَزِّلَ مشروعه الذي يتوخى من ورائه إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية، وحتى يحاسبه المجتمع المغربي من خلال صناديق الاقتراع عن فشله إن هو فعلا فشل في تدبير القطاع.. وعلاقة بهذا الموضوع يجب الاعتراف بأن إيعاز حقيبة التعليم للتكنوقراط أو لأحزابٍ ضعيفةٍ سياسيا ولا تحظى بتأييد شعبي إنما هو أحد أبرزِ معيقات إصلاح التعليم والدفع به نحو الهاوية.

ثالثا: إن قطاع التعليم في المغرب لن يستقيم بتواجد مؤسستين اثنتين على رأس هرمه المؤسساتي، وهما وزارة التربية الوطنية والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، ومهما قيل بأن لكل مؤسسة اختصاصاتها واستقلالية قرارها إلا أن العادة تدلل على أن الجحر الواحدَ لا يَسَعُ ثعبانين اثنين كما يصرح بذلك المثل الشعبي المغربي.

رابعا: إن أي إصلاحٍ للمنظومة التربوية المغربية لا يأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الأساسية للمدرس والمتمدرس وفضاء الدرس وبيئته ومحيطه إنما هو إصلاحٌ فاشل من أساسه.


خامسًا: إن أي إصلاح للمنظومة التربوية في المغرب لا ينطلق من الثوابت التي تصوغُ هوية وثقافة وتقاليد المجتمع المغربي، وتصب في اتجاه الحفاظ عليها وترسيخها لدى النشء لهو إصلاح فاشل. 

سادسا: بدلا من تغيير المقررات الدراسية يجب تغيير البنية التحتية التي تحتضن المنظومة التربوية والتعليمية في المغرب.

إن الكلمة العامية "بغريرة" التي يُشاعُ بأنها أقحمت في المقررات الدراسية لا تعدو أن تكون سوى خطوةٍ جديدة في المشوار الطويل الذي قطعه أولئك الساعون وراء هدم المنظومة التربوية والتعليمية في المغرب، والذين يهدفون من وراء ذلك إلى صناعةِ أجيالٍ ممسوخةٍ تربويا وعلميا.. وعليه لا يجب الانشغال بِـ"البغريرة"، بل يجب لفتُ الأنظار صوبَ أولئك الذين يتحركون هناكَ من وراء الستار، ويجب التصدي لهم ولمخططاتهم الهدامة. إن قطاع التربية والتعليم في المغرب يجب أن يكون قضيةً مصيرية لدى مختلف مكونات المجتمع المغربي، لأنه بالتعليم تصنع الأجيال التي تبني الوطن وتحافظ عليه وتنميه، وبالتعليم تصنع الأجيال الممسوخة التي تمسخ الوطن وتضيعه وتلقي به معها في الحضيض والدونية التي نجاةَ من ويلاتها وتبعاتها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة