بثينة مقراني
بثينة مقراني
587

إلى ابنِي... "ثَوَاب"

15/10/2018

لطالَما كُنت قبل زواجي أفكّرُ في تأجيل فكرة إنجابِ الأطفال ولو لسنةٍ على الأقل، ليس خوفًا من عدم التفاهم أو المشاكِل الّتي تحاصرُ البعض في بدايةِ زواجِهم، ولا كرهًا للأطفال بل يشهد الله على قلبي كم أحبُّهم وأبتهج لرؤيتِهم، بل هي رغبةً في بعض الخصوصية وأن تكون لكلّ زوجين فترة من الحريّة والمتعة، لكن هذه الفكرة سرعان ما تغيّرت واندثرت بعد الزواج مباشرةً، فشوقي لرؤية طفل يلعب بين ذراعاي الْتَهَم هذه الفكرة وطغى على كلّ حواسي، كيف لنا القدرة على تأجيل ما قال عنه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم زينة الحياة الدّنيا؟ وكيف لهذه الزينة أن تعرقل سعادتنا وحرّيتنا؟ بل ستكون دعامةً جديدةً نبني عليها تلكَ السعادة.


بدايةً وقبل كلّ شيء، كم رغبة في أن يكون أول طفلٍ لي أنثى ليس بدافع العنصريّة فلو فكرتُ كما يفكر مجتمعنا لكانت رغبتي الأولى والأخيرة أن أنجب ذكرًا فنحن وسط مجتمعٍ ذكوريٍّ بحت، لكن هناك دائمًا فرقٌ كبير بين الطفلة والطفل، فحلاوة البناتِ ورقتهم وخفة دمهم تأسِرُ روحِي بالإضافة إلى كون أول مولود يكون فتاة بمعنى أنّها ستكون الصديقة المقربة لأمها والقلب الحنون لأبيها، لكنّ حكمة الله فوق كلّ شيء وما أجمل البنين والبنات.


في بداية حملي بكَ يا قرّة العين لم أكن أعرف بما سأناديك لأنّي لم أعرف جنسك بعد، بالرغمِ من إحساس الأمومة الذّي بداخلي والذي كان ينبئني بأنّك أميرٌ صغير، إلى أن أكّدت لنا الطبيبة جنسكَ، لم أستأ ولم أحزن بل كان ذلك أوّل لقاء بيننا سمعتُ فيه دقات قلبك ورأيتُك بحجمك الصغير صورة طُبعت في مخيلتي ولن تُمحى ولو بعد قرنٍ من الزمن، جنين بحجم الكف نائمٌ على يده اليمنى كانت صورتك واضحة جدًا، تعجبت كيف لجنينٍ بعمرِ الثلاثة أشهر أن تكون صورته واضحة بهذا الشكل، ولكم كان شعورًا جميلاً الذّي اجتاحني وأبوك لا يمكنِ لكلماتِ اللّغة أن تصف ولو ربعه.

أسعد بتلك الحركات وانتهز الفرصة حينها للحديث معك، ولكم تَحَمَّلت ثرثرتي، شكواي والكثير الكثير من الأحاديث اللّا منتهية، مجبرٌ أنتَ على الاستماع فلا مفرّ لك قابعٌ في رحمي

وها قد بدأت رحلتي معك، ولكم عانيتُ في الأربعة أشهرٍ الأولى أقرّ أنك استخدمت كلّ الأساليب المتاحة والّتي تصيب النساء في فترة الحمل، لكنّها كانت معاناة لذيذة وعذابٌ حلو، نعم وجودك بداخلي تنمو بأحشائي وتلك الاضطرابات وما أصابني في فترة الوحام أسميته بالعذاب الحلو، فقد كنت أتخيلُك في كلّ مرة تحاول تذكيري بوجودك أن "أنا هنا يا أمّي" فكنتُ أضع يدي على بطني وأجيبك بكلّ حبّ " أعلم بوجودك وكيف لي أن أنساك يا فرحة القلب".


وها قد انقضت أصعب مرحلة وهي بداية الحمل لآخذ بعض الراحة من مشاكساتِك معي، عندما أصبح عُمرُك أربعة أشهرٍ كان الجميع يسأل إن بدأت بالتحرك أم لا، فكنتُ أجيبُهم بأنّي لم أحسّ بشيءٍ حتّى الآن وكيف لـ"ثوابي" أن يتحرك ولا أشعر به، إلى أن جاء اليوم الموعود كان يوم حفل تخرّجي عندها كنت عائدة إلى البيت أحسستُ بحركات مفاجأة ومتتالية ركزتُ أكثر فأكثر فتيقنتُ أنك "أنت"، فكانتِ الفرحة فرحتان وخُلّد ذاك التاريخ في ذاكرتي ولن أنساه، أحسستُ حينها أنّك تريد أن تبارك لي نجاحي وتشاركني فرحتي وكانت تِلك الحركات الصغيرة أجمل هديةٍ لي في ذاك اليوم المبارك.


ومن تلك اللحظة أصبح تواصُلنا أكبر، أسعد بتلك الحركات وانتهز الفرصة حينها للحديث معك، ولكم تَحَمَّلت ثرثرتي، شكواي والكثير الكثير من الأحاديث اللّا منتهية، مجبرٌ أنتَ على الاستماع فلا مفرّ لك قابعٌ في رحمي تتأثّر بنفسيتي وتستمع لكلّ تُرهاتي، لكنّي أيضًا كنتُ اقرأ لك الكتب والقرآن وبعض الحكايات واسمِعُك موسيقى الأطفال الهادئة.


تعهدتُ على أن أكرّس حياتي في تربيتِك تربية صالحة، على حسنِ الخُلق وأنبِتك نباتًا حسنًا، أن أسعى جاهدة لتعليمِك أحسن تعليم، لكنّي لن أعدك بأنّي سأكون الأمّ المثالية، فقط سأحاول جاهدة لأكون كذلك.


أتعلم! أحيانًا أخاف مجيئك، ليس لشيءٍ فقط بسببِ والدك أخافُ أن أحبّك أكثر منه وأنشغِل بكَ زيادةً عنه، فبينما أنا الآن أوليه كلّ اهتمامي، يوم مجيئك ستنقلِبُ الأمور، ولأصدقك القول لن يعذّبني تقصيري معك بقدر عذابي إن قصرتُ معه، فمهما حدث سيأتي عليك يوم وتكبر وتنشغِل بحالِك وتتزوّج ولن يبقى لي حينها سوى والدك، فمن الأحق برأيك باهتمامي أليس هو؟ عذرًا إن آلمكَ حديثي لكنّها الحقيقة الّتي لا مهرب منها، فكما أنا هنا مع والدِك بعد أن ربته أمه وتعبت عليه سيأتي اليوم الّذي تغيبُ فيه عنّي وتنشغل بحياتِك الخاصة بعيدًا عنّي.

لم يبقى الكثير لنلتقي، لأشبِع عيني برؤيتك وألمس أنامِلك الصغيرة وأقبّلها بكلّ حبٍ، لأشم عبيرك الفريد وأهمِس في أذنك، أنّك ستكون استثناءً في قلبي بين إخوتك مستقبلاً

ناشطون
 

من المستحيل أن أتنبأ بطبيعة حياتنا مستقبلاً، وكيف سأتعاملُ معك لكنّي واثقة بأنّي سأغدقك بحناني ورعايتي، كما أنّي ومع بالغِ الأسف ولأعتذر منك مُسبقًا سأقرصك على وجنتيك مداعبة إياك حتّى تحمرّ، فإن أبكيتُكَ يومًا بتلك المداعبات فلا تحمل في قلبك حقدًا لي فهذا سيكون من فرط الحُبّ لا أكثر.


كثيرًا ما حاولتُ تخيّل ملامِحك رسمتُك في ذهني صغيرًا جميلاً ذو بشرةٍ قمحية وأنفٍ صغير وشعر بنيٍّ مموج تميلُ ملامحُك لأبيك بعينيهِ البنيتين ورموشه الطويلة، إذ كلّما اشتقتُ إليه رأيتهُ فيك، وجهٌ ممتلئ بعض الشيء ووجنتان بارزتان لأستمتع بقرصهما بين الحين والآخر. كلّما فكرتُ فيك حاصرني الشوقُ إليك، أحببتُك لأبعدِ مدى، وفكرة وجودك فقط في حياتي وتخيّلك نائمًا بقربي تملؤ حياتي بهجةً وسعادة.


لم يبقى الكثير لنلتقي، لأشبِع عيني برؤيتك وألمس أنامِلك الصغيرة وأقبّلها بكلّ حبٍ، لأشم عبيرك الفريد وأهمِس في أذنك، أنّك ستكون استثناءً في قلبي بين إخوتك مستقبلاً، فأنت أوّل من علمّي معنى الأمومة، وأوّل من سيناديني بأمي ويختبئ تحت جناحي إن أحسّ بالخطر، وستكون ذرع إخوتِك وحاميهم في الكِبر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة