بين الحب والتراجيديا.. كيف ناقش فيلم تيتانيك معضلات الحياة؟

2/10/2018

عند اقتراب بزوغ فجر 15 أبريل 1915، غرقت سفينة "ار إم إس تيتانيك" في أول إبحار لها وسط المحيط الأطلسي مخلفة معها 1500 غريق من مختلف الشرائح المكونة للمجتمع الانجليزي أنذاك، حدث شكل موجة هائلة من الصدمة في أرجاء العالم بسبب العدد المهول للضحايا ولأن السفينة كانت تشكل إعجازا صناعيا أنذاك ومفخرة لصناعها. قصة السفينة ألهمت المخرج الأمريكي جيمس كاميرون بعد أزيد من تسعين سنة على وقوعها لتحويلها لفيلم سيصير فيما بعد واحدا من أنجح الأفلام على الإطلاق ومن أكثرها تحقيقا للإيرادات. استطاع كاميرون في فيلمه الخروج من القالب الوثائقي للحدث مستعينا بقصة الحب بين جاك الفقير وروز المنتمية لطبقة النبلاء، القصة التي حوّرت الفيلم عن الحدث الأهم في الفيلم وهو غرق السفينة وجعلته فيلما رومنسيا ملحميا.

في التراجيديا تنعدم النهايات السعيدة:

يفوز جاك بتذكرة من الدرجة الثالثة لركوب تيتانيك في لعبة البوكر في اللحظات الأخيرة للإقلاع، ليس لدى جاك في الفيلم عائلة أو علاقات فهو يعيش متجولا كتجسيد للمغامرة التقليدية لدى الذكور، وعلى النقيض توجد روز الفتاة المدللة المنتمية لطبقة النبلاء مخطوبة من رجل أعمال هو السبيل الوحيد لإنقاذ ثروة عائلتها من الهلاك والإفلاس. وسط هاته التناقضات الطبقية ينمو الحب ويتدحرج وسط عراقيل الرفض والصراع فتقع نقطة التحول في علاقتهما حين يتخطى البطل جاك حدوده مع من يعتبرون أنفسهم أسياده ويقتحم عالمهم.


في الفيلم حضور صارخ للصراع الطبقي، وبالفعل ففي الفترة التي غرقت فيها تيتانيك كانت الطبقية لا زالت ترخي بظلالها على مكونات المجتمع البريطاني، وقد صور المخرج الأغنياء على أنهم وقحون وظالمون وقارن بينهم وبين الفقراء حين انتقل بنا من الحفل الممل للأغنياء إلى الحفلة الصاخبة للفقراء في قبو السفينة وجعلنا نتعاطف مع الفقراء لكن المخرج في غرق السفينة جعلهم أولى ضحايا الغرق ليكسب فيلمه نزعة تراجيدية أكثر.

خدعنا مخرج فيلم تيتانيك من خلال جعلنا نتعاطف مع جاك لوحده ونتناسى الغرقى الأخرين الذين بالتأكيد يحمل كل واحد منهم قصة رومنسية أو ملحمية لو ركزت عليها الكاميرا لأنتجت ملحمة أخرى

وقد أمن أريسطو أن التراجيديا المسرحية تعمل على مداواة وتطهير النفس البشرية من النوازع الشريرة المكبوتة عبر إثارة الخوف والشفقة في نفوس المتلقي، وقد حاول مخرج الفيلم شحذ تعاطفنا الكامل مع الفقراء ثم انتقل لمضاعفة أحاسيس التعاطف نحو جاك الذي يجمع بين الفقر والنهاية المأساوية البطولية.. غير أن إذراف الدموع على جاك يعمل على جعلنا نفرغ أحاسيسنا السلبية والتي إن طال كبتها ستنفجر بشكل عنيف حسب فرويد ولذلك كان فرويد يعتمد في نظريات تحليله النفسي على مفهوم التنفيس والتطهير.. لكن لماذا تعاطفنا مع جاك لوحده ولم نتعاطف مع الغرقى الأخرين؟

ضحايا أكثر.. تعاطف أقل:


"موت إنسان واحد هي تراجيديا، أما موت الملايين فهي إحصائية"
- ستالين

خدعنا مخرج فيلم تيتانيك من خلال جعلنا نتعاطف مع جاك لوحده ونتناسى الغرقى الأخرين الذين بالتأكيد يحمل كل واحد منهم  قصة رومنسية أو ملحمية لو ركزت عليها الكاميرا لأنتجت ملحمة أخرى تضاهي ملحمة جاك و روز أو ربما أكثر، فمن الربان والمهندس اللذان يرفضان الفرار ويختاران طواعية الغرق مع سفينتهما ومن الفرقة الموسيقية التي ظلت تعزف طيلة غرف السفينة لتهدئة الركاب يمكن استخراج عدة ملاحم  بطولية شبيهة بقصة غرق جاك، هاته القصص -والتي حسب المؤرخين كانت قصصا حقيقية على عكس قصة روز وجاك-  لم تأخذ الحيز الكافي في حبكة الفيلم وظلت البطولة لصيقة بشخص واحد، وهنا نطرح السؤال حول السبب الذي يجعلنا نتعاطف مع شخص واحد على حساب الالاف؟


علم النفس يجيب على هذا التساؤل حول المؤثرات التي توجه قراراتنا والتي لا تكون صائبة حتى لو بدت كذلك.. جيمس كاميرون قد عرّضنا في فيلمه لانحياز الإدراك الانتقائي الذي يجعلنا نستقبل المعلومات التي نريدها فقط ونتجاهل الأشياء الأخرى المحيطة بنا وبذلك نسمح لتوقعاتنا المسبقة بالتأثير على طريقة إدراكنا لما حولنا.


كما أنه خلال تجربة لعالم النفس بول سلوفيك من جامعة أوريغن يظهر جليا كيف أن تعاطف البشر يقل حين يزداد عدد الأشخاص الذين يحتاجون للمساعدة، إذ أخبر بول سلوفيك المتطوعين عن فتاة صغيرة تعاني من المجاعة ثم قاس مدى استعداد المتطوعين للتبرع لمساعدتها، ثم قدم قصة الفتاة الجائعة نفسها لمتطوعين أخرين مع إخبارهم عن ملايين اخرين ممن يعانون من المجاعة، والمفاجئة كانت بأن الناس الذين عُرضت عليهم الإحصائيات إلى جانب المعلومات عن الفتاة قدموا حوالي نصف المال المقدم من طرف المتطوعين الذين اُخبروا عن الفتاة الصغيرة فقط. وحسب بول سلوفيك فالناس تقلل من أهمية فعل ما يمكنهم فعله لأنهم يشعرون بالسوء إزاء ما لايمكنهم فعله فالأمر يتعلق بحس الفاعلية، إذ أن عقولنا تخلق وهما من عدم الفاعلية وطريقة التفكير هذه تفشل حافز الناس للعطاء والتعاطف.

البطل الساقط في حفرة:

 في مقال على مجلة ساينتيفيك أميريكان العلمية، حول دراسة بريطانية من جامعة كورنيل لأزيد من 6 آلاف سيناريو لاستكشاف نجاح الأفلام في معركة تحقيق الإيرادات، استطاع الباحثون تصنيف الأفلام لستة انواع تمثل مسارات عاطفية تدل على تغيير العواطف التي تمر بها  قصة كل فيلم ، ومن بين هاته الأنواع ظهر أن الأفلام الأكثر تحقيقا للإيرادات هي التي تدور حبكتها حول البطل الساقط في حفرة والتي تمر فيها رحلة البطل بمسار سعيد ثم حزين، وعلى الرغم من أن هذا النوع من الأفلام يحقق ايرادات عالية إلا أن تقييمات imdb المرتبطة بهذا المسار العاطفي تكون سلبية ويرجح الباحثون هذا التناقض بين نجاح أفلام البطل الساقط في حفرة في شباك التذاكر وفشلها في الحصول على إعجاب النقاد إلى كون الجمهور لا يسجل ردود أفعاله في حال عدم استمتاعه بمشاهدة الفيلم فضلا على أن جمهور imdb مختلف عن الذي يسهم بشكل أساسي في إيرادات الفيلم .

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة