نحتاج إلى دقيقتي كراهية!

21/10/2018

في رواية 1984 للكاتب البريطاني جورج أورويل كان أبطال الرواية يجتمعون لممارسة طقوس ما يسمى بـ "دقيقتي كراهية”. فحين كانت تظهر على شاشة الرصد صورة (غولدشتاين) وهو الخائن الذي تمرد على الحزب ويعمل بأمر أسياده الأجانب ويقدمون له التمويل اللازم لتمرده، كانت تبدأ ممارسة "دقيقتي الكراهية"، وتحديداً حين يبدأ بإلقاء خطابه ضد مبادئ الحزب الحاكم، تتعالى الأصوات بالصراخ، ويتدفق سيل من الشتائم ودعوات الغضب، وكالعدوى تنتقل هذه الحالة إلى كل من كان  يحضر إجتماع الكراهية ذاك، فلا يقاوم من يرى ذلك المشهد، ولا بد أن يكون جزءاً منه، دون إرادة، كنشوة الانتقام والنصر يمارس الكراهية بالعدوى وبثورة شحنتها الأجواء من حوله، ولم يكن يسمعهم الخائن غولدشتاين بالتأكيد، ولكنهم رغم ذلك كانوا يمارسون حرية التعبير عن كراهيتهم لخائن الوطن.

 

جدتي كانت تمارس "دقيقتي الكراهية " أيضاً ببساطتها وفطرتها دون أن تقتدي بما جاء في رواية أورويل الشهيرة، بل أكثر من دقيقتين، فأثناء الانتفاضة الثانية مع كل نشرة أخبار، كلما ظهر (شارون) على الشاشة، كانت تبدأ بالشتائم والدعوات، وكلما طالت نشرة الأخبار، وكلما زادت مشاهد الدمار، كانت جدتي تقترب أكثر من الشاشة ويرتفع صوتها، وتقترب أكثر كلما ظهرت صورة (شارون) ليكون خطابها موجهاً له بالتحديد، هل كانت تعتقد حقاً أنه يسمعها أو أن حكومته ستسقط بسبب دعواتها؟ جميعنا كنا نجتمع أمام الشاشة لمعرفة ما هو جديد الانتفاضة، كم شهيد، كم جريح، كم أسير، ورغم قلقنا ودهشتنا، لم نكن نسمع سوى صوت جدتي ومدافع شتائمها ضد شارون، وكانت تنتقل لنا العدوى أيضا إنما بصمت، فمن يرى ما يحدث عبر الشاشة ويسمع جدتي لا يملك إلا أن يفعل مثلها أو يصمت.

 

أنملك الحق بأن يكون لنا لقاء يومي مع البوح، فنحن نحتاج إلى دقائق نمارس فيها كراهيتنا، في زمن أصبحت الكراهية فيه خطاباً موجهاً قد ينتهي بالموت

يردد علماء ومحبو اكتشاف النفس البشرية أن المشاعر والأفكار سلبية كانت أم إيجابية لا تختفي؛ بل هي وزن ثقيل على كاهل عواطفنا، وعلينا أن نحمي أنفسنا منها، ونقيها من عوارض أزمات نفسية، حتى وإن كتبناها على ورقة وأهديناها للريح. يبدو أن البوح والتصدي للكتمان وصفة طبية يلجأون اليها كمحاولة لإزاحة تراكمات الكتمان الثقيلة الجاثمة على صدورنا لتصبح الحياة أخف ثقلاً. بعضنا يتجنب ذلك الانفتاح الشفوي الذي قد لا يعرف حدوداً إذا انجرف وراء حاجتنا للكلام فيصمت. والبعض يفرغ حمولة صدره ليفرغ مكاناً لعطايا الحياة وثقل مفاجآتها. والبعض يهاب المصارحة ومواجهة الآخر خوفاً من ردة فعل الآخر فهو أيضا لديه ما يقوله. يبدو أن الكلام محكياً أو مكتوباً، فكراً جاداً أو مجرد فكر عابر أصبح هماً يضاف إلى هموماً.

 

نحتاج لدقائق نعبر فيها عن أنفسنا، لن نعقد هدنة مع الصمت، ونتحرّر. فليس هناك أخطر وأقسى من مرض الصمت.. أنملك الحق بأن يكون لنا لقاء يومي مع البوح، فنحن نحتاج إلى دقائق نمارس فيها كراهيتنا، في زمن أصبحت الكراهية فيه خطاباً موجهاً قد ينتهي بالموت. نحتاج إلى دقائق كراهية كل يوم، مصارحة نطوي بعدها الصفحة وندعو الذاكرة لأن تتخلى عنها، ونحتاج دقائق حب تقال بتلقائية وابتسامة عاشق، ودقائق عتب، ودقائق للدموع، وللفرح، نحتاج أن تعبر الكلمات عبر ألسنتا محملة بما تخمّر في جوفنا، نحتاج لأن نمارس قدرتنا على نقل الأفكار عبر كلمات مسموعة ومقروءة ومرسومة، أخطيرة هي الكلمات إلى هذه الدرجة.

 

مجرد دقائق وكلمات قليلة، كافية لتحدث فرقاً كبيراً في نفوسنا، لِمَ لا، أليست الطبيعة تعبر عن ذاتها، مطر السماء واكتمال القمر وغضب الشمس، أليست الطبيعة حب وكراهية؟ ونحن أبناء هذه الطبيعة أولى بشعاب مشاعرها. وإذا لم نستطع ولن نستطع، فقد صدق مارك توين حين قال: " لقد منّ الله علينا بثلاث: حرية التعبير وحرية التفكير والمقدرة على عدم تطبيق أي منهما”!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة