بين الحب والانتحار.. لماذا نبحث عن السعادة ما دمنا سنموت؟

25/10/2018

لطالما شكلت حالات الانتحار استهواء للكثيرين وجذبت الكثير من علماء النفس وهيئة الإفتاء في قضايا الضمير والسلوك، وألهمت العديد من الكُتاب والأدباء ورجال الدين. إلا أنهم لا أقول فشلوا في فك شيفرة هذا اللغز، لكنهم قدموا تفسيرات وما يرافقها من تحليلات وبراهين واضحة لأغلب الحالات التي ترتكب عن قصد وبدافع ما، مثلاً بسبب الحاجة المادية أو الغيرة أو المرض.. الخ. هذه الحالات مفهومة وحُدّدت سلفًا من قبل العلماء والفلاسفة، إلا أن هناك حالات انتحار غامضة وليس لها تفسير محدد، نوعية خاصة ينتحرون بدون أية دوافع ودون أي سبب واضح، بل عن طيب خاطر وبكل بساطة، انطلاقاً من إرادتهم الذاتية المجردة.

طبعاً لن آخذ على عاتقي تفسير هذه الحالات، ولن أستطيع ذلك، إلا أنني لدي قناعة خفية مفادها أن الأغلبية ينتحرون بسبب مرض روحي واحد، وهو غياب الفكرة السامية للوجود في الحياة وعدم إيمانهم بخلود أرواحهم. بالرغم من أنهم ليسوا من النوع الرديء أو البهيمي المتحجر، وربما نجد بينهم جامعيين وصلوا إلى مراتب متقدمة وأثرياء ومشاهير.. الخ. وقد نجد بعضهم يصلي أحياناً ويذهب إلى المساجد وإن كان مسيحي يذهب إلى الكنائس والقساوسة. زيادة على أنه يشارك في الأعمال الخيرية، وهذا ما يبعث عن الحيرة، أظن أن هذه الفئة وصلت مرحلة الإدراك الكامل ومعرفة تامة (للهارمونيا الكاملة) المتعلقة بالحياة، وساخطة من خلو الحياة من المضمون، ولا يريدون تقبل المعاناة أو الخضوع إلى أي أحد أو جهة ما، ولن يشاركوا في صنع أي شيء ولا يطمحوا أن يعيشوا سعداء، مادامت النهاية هي الموت والاندثار.

ببساطة العيش يخنقهم، كما لو أن الهواء التي يتنفسوه ليس كافياً، إني على يقين من أن هؤلاء کَانوا يقفون على العتبة التي تسبق الدخول في الإيمان الكامل. أما الشخص العادي الذي لا يبالي ولا يأخذه وعيه إلى التفكير في مسألة خلود روحه، فإنه لا يملك الإيمان. سيقول لي البعض لماذا لا ينتحر هذا الشخص العادي إذا كان لا يملك الإيمان؟ وهذا صحيح نسبياً لكنه لا يكلف نفسه عناء البحث في هذه المسائل فهو يعي - ولو عن غير وعي كامل - أنه ليس بإمكانه إيجاد جواب لبرنامج مخفي مرهق متعلق بالحياة الأخرى بالأبدية. فهذا يفوق تفكيره لذلك تجده لا يحب الخوض في النقاشات اللاهوتية، وبتالي يرضى كل الرضى على الحياة العادية ويتقبلها بدون أي اعتراض ولا يطرح على نفسه أي أسئلة لا جدوى منها. بعكس المنتحر الذي تسيطر عليه الدهشة وكثرة الأسئلة.


إن الانتحار في ظل فقدان القناعة بالخلود يصبح أمر حتمي وحتى ضرورة لكل إنسان يرقى بتطوره قليلاً عن الحيوانات.

سأبسطها لأني أخشى أن تفهموا على غير ما أردت، إن ثمة أشخاص تمر أمامهم جميع ظواهر الحياة ببساطة متناهية، وهي في نظرهم مفهومة تماماً وليس فيها أي شيء يتطلب التفكير فيه، أو حتى يستحق النظر إليه. وبالمقابل ثمة مراقبون آخرون تهمهم هذه الظواهر نفسها، وتشغل بالهم أحياناً (وهي أحيان ليست بالنادرة) إلى حد أنهم لم يجدون في أنفسهم القدرة على إجمالها وتبسيطها، وترتيبها في خط مستقيم على نحو يبعث الطمأنينة في أنفسهم. تجدهم يلجؤون إلى نوع آخر من التبسيط يدفعهم بمنتهى البساطة إلى إطلاق رصاصة في جبينهم لإخماد نشاط دماغهم المعذب والقضاء بذلك على جميع الأسئلة دفعة واحدة.

إن المنتحر سواء بدافع ما أو من دون دافع على العموم وبشكل فطري لا يؤمن بالخلود إطلاقاً، ويزداد قناعته يوماً بعد يوم، إلى أن يصل إلى مرحلة السخافة المطلقة لوجود إنسان على الأرض. بل ويشمئِز من كل ما تحبه الإنسانية إلى درجة الحقد على الإنسانية، وتبقى هذه الفكرة تراودهم وتخنق في نفوسهم كل ما يتعلق بالسعادة وما يصاحبها من زينة الحياة. هؤلاء لا يُهدأ من روعهم حب الطعام والفطائر المحشوة والانحلال الخلقي والمراتب والسلطة وانحناء المرؤوسين أمامهم ووقوف الحراس أمام منزلهم. هو لا يريد كل ذلك، ليس لمجرد رغبته في رفضها وليس تعنتاً، أو انطلاقاً من مبدأ ما، ولكن لأنه ببساطة شديدة لا يريد أن يكون سعيد وهو يعرف أنه سيعود إلى العدم، هذا إحساسه ولا قدرة له على مصارعته.

إن هذا الشعور يُوقظ في نفسه حماس يبلغ من شدته أنه كفيل بجعله يلقي بنفسه من النافذة أو يضع فوهة مسدس في فمه ويطلق النار لا إرادياً دون أن يعرف ماذا يفعل ومن دون إي سبق إسرار. إن الانتحار في ظل فقدان القناعة بالخلود يصبح أمر حتمي وحتى ضرورة لكل إنسان يرقى بتطوره قليلاً عن الحيوانات. للأسف هناك الكثيرين ممن يعيشون على هذا الكنف في ضجر وسأم بسبب فقدانهم للإيمان، وأنا في هذا السياق قد أبدوا للبعض أنني انحرفت عن مسار الموضوع، ولكنني أود أن أشير إلى أن الكثير ممن عجزوا عن الانتحار لسبب ما، يدخل في حياة الانعتاق والتوحد والكره للإنسانية وتأنيب الضمير. ولكن من البديهي أننا لسنا بقادرين البتة على أن نستوفي الظاهرة بكاملها، وأن نبلغ مبتدأها ومنتهاها، فالذي تتاح لنا معرفته هو الضروري فقط، الذي يتراءى في حال جريان ونعرفه حسبما نراه فقط، أما البدايات والنهايات فمازالت بالنسبة للإنسان حتى الآن في حيز التخيل.

ومع هذا فالكثير يؤمنون بشمولية، أن الحب بإمكانه أن يجعل المنتحر يعدل عن قراره وهنا سأسمح لنفسي بذكر مقولة صغيرة أعجبتني لألبير كامو وبشكل عابر ليس إلا، يقول: "عار على البشرية أن ينتحر أحدهم بينما كان بحاجة لعناق" وهذا هو الأساس. هناك أرواح تلوم العالم، ولكن أخضعوا تلك الأرواح بالرحمة وأظهروا لها الحب فتعالج ماضيها لأن فيها الكثير من الدوافع. مثل هذه القلوب تتمدّد وترى أن الله رحيم وأن الكثير من الناس هم طيبون وعادلون. بخلاف ما كانوا يتصوروا، سيتحطم تأنيب الضمير وسينطفأ في نفوسهم غليل الحنق والكره، لذلك قال محمد عليه الصلاة والسلام: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" لاحظ كيف ربط الحب بالإيمان، لا إيمان من دون حب، والحقيقة أن هذه الغاية هي جوهر المقالة، وأنا أعتقد أن من سيقرأها سيتعرّف إلى نفسه بشكل غير مباشر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة