المسيد قبل المدرسة.. طفولة عشتها كما ينبغي

27/10/2018

أتذكر أنني هربت من المدرسة في العام الذي كنتُ ولجتها مستمعاً، أي قبل السن القانوني للدراسة كان يجبُ علينا أن نحضر الدروس مستمعين فقط. أتذكر أنني أطلقت ساقاي للريح عندما كان الأستاذ يكتبُ في السبورة بعد أن ضرب تلميذاً في القسم التحضري. كنت خائفاً ومفزوعاً من الأستاذ صاحب الجثة الممتلئة والعضلات القوية وبنية لا يؤثر فيها الطول الفارع. كانَ ضخماً بالنسبة لي أنا، الطفل الصغير.

وكنت حينها أعرف الكتابة والقراءة من خلال المسجد أو المسيد. كان فقيه المسجد حريصاً على أن أكتب لوحي وأخط فيه السورة التي سأحفظها. أتذكر أنني كنتُ أعود للمنزل ولا أستطيع الشكوى من الفقيه الذي يبرحني ضرباً. فقد كان ذقني دائماً الزرقة من قبضة الفقيه علي كلما تلعثم لساني وأنا أستعرض ما حفظت من الذكر الحكيم. ثم انتهيتُ في التحضيري حافظاً لستة عشرة حزباً من القرآن الكريم. ولم أبلغ السادسة ابتدائي حتى كدت أنتهي من الأحزاب الستين.

لم يكن عندنا روض في الدوار ولم يكن لدينا سوى مسجد وفقيه يعلمنا القران والكتابة والحساب وعلوم أخرى أكبر من عمرنا. أتذكر أنني كنت مجبراً على حفظ ابن عشير والناظم والبردة والهمزية.. وحمارة الحساب. كنت حينها أصغر من أن يكون لدي الحق في ولوج المدرسة رفقة زملائي. أتذكر أنني كنتُ أعيشُ الطفولة بمعناها الحق وبكل أشكالها وألوانها وقد عشتها كما ينبغي. وأن عنقي وذقني كان دائماً أزرق اللون لأن الفقيه كان يضع ظفر أصبعه والقلم تحت ذقني ويضغطه عندما كنت أعرض ما حفظت بين يديه. كان رجلاً صالحاً عارفاً وحريصاً على أن نتعلم. فصارت تلك الزرقة محط سخرية الزملاء، غير ألا أحد لم يسلم من عصى تذوقنا حلاوة مرارتها وألمها بصبر وجلد. كان آباؤنا لا يتعاطفون مع قصصنا التي نبالغ في سردها عن ضرب الفقيه المبرح لنا، وشكاوانا الجسيمة من اضطهاد رجل الدين الأكثر تقديراً في القرية.

لم يكن لدينا وقتٌ للفراغ، فقد كنا نأتي للمسيد صباحاً باكراً قبل بزوغ الشمس، ثم نحفظ القرآن حتى السابعة صباحاً. نتناول إفطارنا بسرعة كي نذهب للمدرسة..

أتذكر أن المعلم ضربي في القسم التحضيري لأن آية في سورة القدر كان فيها خطأ وصححتها له، كان الخطأ مطبعياً لا يتوافق مع حفظي للسورة ببراءة الطفل وانفعاله الغريزي دمت بتعديل صغير على السورة. تدخلت فصححتها ثم انهال على بالضرب.. قبل أن يرجع عن قراره ويعتذر مانحاً إياي قطعة بسكويت وكأس شاي. فقد كنت قد حفظت عن ظهر قلب سورة القدر، فلما جاء العام الأول من التعليم الابتدائي كان علينا أن نحفظها مرة أخرى في الكتاب المدرسي. كانت تخوي كلمة لم يستسغها عقلي حين قرأتها؛ تتنزّل؛ فكنت فتدخلت ببراءة وجعلتها تنزّل عبر حذف حرف تاء. كان ذلك تصرفاً يستوجب عقاباً شديداً تلقيت خلاله ضربات من كابل كهربائي لفه الأستاذ ليكون سلاحاً تعذيب وعقاب كلما سنحت له الفرصة لذلك ووجدها مواتية.

أتذكر أن مفتشاً جاء إلى مدرستنا وكانت الأستاذة غائبة، فقام المفتش وأجرى لنا حصة في اللغة العربية، ثم في نهاية الحصة قدّم لي جائزة عبارة عن قصة جميلة على ورق مقوى تحت عنوان السلحفاة تحمل بيتها. ما تزال معي هذه القصة حتى اليوم وهي قصة مصورة على ورق مقوى، كانت محط اهتمام الزملاء ومدعاة فخر وتبجح بالنسبة لي. إذ كنتُ متفوقاً خلال القصة رغم خوفنا الشديد من السيد المفتش الذي كانت الأستاذة تخيفنا به. الإثنين القادم سيأتي المفتش، ستكون حصة طويلة تبدو فيها المعلمة مرتبكة وهي تعمل تحت ضغط مراقبة الرجل العابس صاحب النظرات الحادة. كان رجلاً كبيراً في السن، أشد ما يكون المرء حزماً وجداً ومخيف يطل علينا كالشرطي المحقق.

لم يكن لدينا وقتٌ للفراغ، فقد كنا نأتي للمسيد صباحاً باكراً قبل بزوغ الشمس، ثم نحفظ القرآن حتى السابعة صباحاً. نتناول إفطارنا بسرعة كي نذهب للمدرسة، وعندما لا تكون ثمة دروس، نضطر للعودة للمسجد حتى العاشرة صباحاً. نقضي ما بين العاشرة وموعد الغداء وقتاً في اللعب، نلعب في كل موسم لعبة محددة، للشتاء لعبه وللصيف لعبه. ثم نعود لصلاة الظهر ونبقى حتى العصر في المسجد. ثم يكون لنا وقت للمرح واللعب حتى المغرب.

بعده مباشرة نساهم في قراءة الحزب، وهي عادة مغربية أصيلة، نجلس رفقة الكبار وطلبة العلم في قراءة جماعية لحزب من القرآن الكريم، ننتهي منه ونعود لمنزلنا. عادة نكون مرهقين لننام قبل العِشاء دون عَشاء. لم يكن لدينا وقتٌ لنضيعه أو لنمضيه في السهر، إلا إذا كانت ثمة شيء ما يدعو للسهر كالعرس أو حفلاً دينياً نطلق عليه السّلكة. وعكس ذلك لا شيء ألذ من الوصول للبيت والغوص في نوم لم أتلذذ بمثله نوماً في حياتي بعده. أما الآن فقد صار النوم أرقاً والهدوء الذي كنت أنعم به ينغصه على كثرة السؤال، والهَم يقض مضجعي.

كان للعب دورٌ أساسي في تكوين شخصياتنا كأطفال، فلقد كانَ بإمكاننا قضاء كل الوقت الفارغ في اللهو والجري وأنشطة أخرى تجبرنا على أن نستعل الوسائل المتاحة لتغطية النقص في وسائل الترفيه التي لم تتوفر لنا.

رويترز


أين راحت تلك الطمأنينة والسلام ؟ أُغلق المسيد بعد أن غادر الفقيه وكنا مجبرين على الانتقال للدراسة في الإعدادية. تغير كل شيء بالتدريج، وحل محل المسيد روضٌ للأطفال. انتهى كل ما كان يربط جيلنا بهذا الجيل، وتقدم الأطفال علينا بسنوات ضوئية، فلقد كنا لا نعرف بشيء اسمه هاتف وأفضلنا كانت لديه لعبة سوبر ماريو أو بريك أوت على بلايستايشن واحد، تُحمل في اليد وتعمل بالبطارية. وعندما تفرغ البطارية كنا نضغطها أو نعضها كي تعمل لثواني إضافية. ولم يكن في قريتنا كهرباء ولا ماء موصول بالمنازل، كنا حينها نمضي معظم الوقت في الأزقة تحت لحاف الظلام، نلعب لعبة الاختباء أو الغميضة ونحكي لبعضنا نكتاً نتبادل فيها الأدوار.

وأما من لم يستطع أن يقاوم فقد كان بعضنا يغوص في نوم عميق فوق كومة رمل أو عند حائط يتسنده. كان للعب دورٌ أساسي في تكوين شخصياتنا كأطفال، فلقد كانَ بإمكاننا قضاء كل الوقت الفارغ في اللهو والجري وأنشطة أخرى تجبرنا على أن نستعل الوسائل المتاحة لتغطية النقص في وسائل الترفيه التي لم تتوفر لنا. كأن نقد خيطاً وفتيلاً نتخيله سيارةً ويجر بها بعضنا بعضاً، أو علب سردين نجعل لها إطارات من غلاقة قنينة ما فنجعل منها شاحنة، أو عجلةً قديمة لسيارة ندحرجها. كان كل ذلك ممتعاً ومساهماً في أن نعتمد على أنفسنا في أن نكون أطفالاً.

ولما بلغنا من الكبر حدّ تحمل المسؤولية، تغير كلّ شيء وأصبح الوضع غير قابل ليضمن لنا متعة الحياة، فقد صرنا نكتشف أشياء لم نكن نلقي لها بالاً. غير أن الطفل الذي كناه ونحن صغار ما يزال يحنّ إلى طعم الحياة في القرية بعيداً عن إسمنت المدينة. لكن يبقى السؤال الذي يشغلني دائماً كلما مررت بفتية يلهون خلف شاشة تلفاز مجهز بألعاب ذكية، أو خلف جهاز متطور يجرد الألعاب من حسها الممتع باعتباره فضاءً افتراضياً يقدم متعة غير ملموسة.

وكلما مررت بأطفال حرمتهم التكنولوجيا من عيش حياة طفل كما ينبغي، تدفع في الأحاسيس فيضاً من الأسئلة، فتجتمع كلّها في علامة استفهام تحمل مشاعر الحسرة والأسى. فتتجلى متشكلة في عبارة واحدة، مفادها كيف تغير واقع الأطفال بين جيلنا نحن أبناء الأمس وجيل اليوم الأكثر ذكاءً أو على الأقل الأكثر استعمالا لحياة ذكية؟ وخلف أجهزة التكنولوجية الذكية يكمن الجواب، أو لنقل يتخفى السؤال دون جواب.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة