عبء الرجل الأبيض وعقدة العربي الأسمر!

28/10/2018

يبدو أن عبء الرجل الأبيض تعدّى مفهومه السياسي العنصري على اتساعه وتجاوز تأثيره القديم وما نتج عنه من حروب واستبداد مردها تميُّز وترفع العنصر الآري عن غيره من الأجناس البشرية منذ القرن التاسع عشر، وكأنه بفعل الزمن وسع نطاقه بحيث أصبح أيدولوجيا اجتماعية ضيقة الأفق عند البعض كرغبة لممارسة سطوة التحكم بالآخر، وكأننا خلقنا نحمل انتماءاً ذاتياً لما يشبهنا حد التوأمة ونرفض الاختلاف لوناً أو شكلاً أو فكراً.

  

رغبتنا الفطرية بالانتماء إلى مجموعة ليست حديثة، منذ آلاف السنين راحت الجماعات الإنسانية تتجاذب وتتعارف وتلتقي بما يشترك بينها وبذلك نشأت القبائل، حينها كانت تشترك الجماعات باللغة والمعرفة والمهنة وبالطبائع والأصول، وبالشكل واللون وحتى بالأحلام والهموم والحروب والأساطير والخرافات، ولا شك نتيجة لذلك خلقت الأعراف التي ما زال بعضها مترسباً في داخلنا ويأبى الاندثار. وعلى الرغم من سلامة الفطرة الإنسانية التي قادتنا إلى التجمع والالتقاء ظهرت الأنساب والأصول وما لحقها من التفاخر بما تشترك به الجماعة الواحدة ويميزها عن الجماعة الأخرى.

 

ما يشبههنا اليوم مختلف عما كان يشبهنا بالماضي وبمعنى أدق ما يجمعنا اليوم هو الذي اختلف، فلم تعد اللغة أو الدين أو الجغرافيا تجمعنا بل لم نعد ندرك ما يجمعنا أو يفرقنا على وجه التحديد

فكان العربي قديماً يؤمن إيماناً مطلقاً بأنه الأفضل وأن من يخالفه بعروبته أدنى منه أصلاً ومعرفة ولا يمكن أن يجاريه مكانة إلا عربي مثله، بينما اجتمع الأوروبيون على لغتهم اللاتينية ولونهم الأبيض الذي ارتقوا به على سائر البشر كما كان اعتقادهم وكأنهم نوع خاص من البشر لهم فكر أفضل وأحقية بالوجود، فصارت رسالة الرجل الأبيض أو عبء الرجل الأبيض حالة عنصرية بذاتها نمت جغرافياً وزمانياً بحيث أصبحت مبرراً استعمارياً كون الدول التي تنتمي لرسالة الرجل الأبيض -كما لو كانت رسالة من الإله- لها الأفضلية ولا تبلغ الدول الأخرى مبلغها من القدرة والمعرفة والدراية وانتهى  بنا الأمر تابعين لاستعمارهم على أشكاله المختلفة حتى أحدثها الذي يأخذ شكلاً اقتصادياً ومعرفياً مدمراً لماضينا وهادماً لحضارتنا.

 

اليوم يعيش العربي في سديم فكري وتوجهي متناقض لا ثوابت له، لا يعلم إن كان يتبع نفسه أو غيره، ولا يدرك إلى أي حدود تسيِّره سطوة الاحتلال العقائدي واللغوي والاجتماعي فقد احتل الغرب داخلنا وتملّكه بدعوى خفية وصامتة بالارتقاء والسمو، ولم نعد نتفاخر بشيء نملكه بل بأشياء نتبعها وننساق خلفها كما لو أننا نعبر نفقاً معتم آخره بريق مبهم لكنه مثير.

  

ما يشبههنا اليوم مختلف عما كان يشبهنا بالماضي وبمعنى أدق ما يجمعنا اليوم هو الذي اختلف، فلم تعد اللغة أو الدين أو الجغرافيا تجمعنا بل لم نعد ندرك ما يجمعنا أو يفرقنا على وجه التحديد، لأن ثقافتنا أصبحت محصلة لعدة ثقافات وفقدت أصالتها، جزء كبير منا ينتمي للغرب لغة وعلماً وثقافة انتماءاً أعمى، وجزء آخر وهو الأخطر رافض للحداثة والغرب كالنقيض حد التطرف، قلة فقط تحاول أن تُبْقي على موروثها وأن تنهل من خيرات الغرب العلمية لخلق حالة متوازنة من إنسان بملامح عربية ولسان عربي وفكر يجمع الغرب والشرق بعقلانية وانفتاح ذكي.

 

نحن أمة تخلت عن نفسها في المقام الأول، مساحة التقائنا وتقاربنا أصبحت ضيقة جداً، الحرب غدت علمية والثورة تكنولوجية وآثارها مادية ونفسية، الغرب ما زال بثورته العلمية يدَّعي التفوق على باقي الشعوب، هم يؤمنون بأنفسهم ونحن نؤمن بهم ونثق بتفوقهم، رغم آلاف المبدعين العرب الذي يعود تفوقهم لقدراتهم بالدرجة الأولى وللتفوق الذاتي والفردي للإنسان، خساراتنا المرهقة محت ثقتنا بعروبتنا بماضينا وحاضرنا، وأما من يعترف بأصالة عروبته فهو كالقابض على جمر ماضيه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة