مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
144

الفيمينست.. النسخة السودانية!

29/10/2018

قبل شهرين تقريباً وعلى خلفية برنامج "شباب توك" جاب هاشتاغ "ماذا تريد المرأة السودانية" جاب البلاد طولاً وعرضاً متسائلاً بتهكم وامتعاض شديدين عما الذي تريده الأنثى السودانية بالضبط؟ الشعب بأكمله وقف مشدوهاً حينها وهو يشاهد فتاة حديثة الأسنان وهي تناكف شيخاً وقوراً هو رئيس هيئة علماء السودان، تطالبه بالحرية المطلقة، وتلقي باللائمة على الدين فيما آل إليه حال البلاد والعباد.. هل فعلاً وصلنا إلى هنا؟!

 

هل حقاً بلغنا هذا الدرك الأسود من التنكر لأخلاق السودانيين التي ورثناه جيلاً بعد آخر، هل حقاً بلغ الحال ببعضنا أن ينسلخ من ثقافته الاسلامية ويحمل دينه المسؤولية لقاء فشله الشخصي، هل بلغ بنا العمى أننا لم نعد نفرق بين الدين والحكومة؟! هل هو عمى في الأساس أم تعامي عن رؤية الواقع، الواضح فعلاً لكل من يفكر بموضوعية أن ثمة حملة غير معلنة، وطبخة تجهز على نار هادئة، وتدار بمنهجية.. هدفها النهائي تغيير عقلية الفرد السوداني، وجره بعيداً عن ثقافته المحافظة.

 

لا أحد ينكر أن ثمة مظالم حقيقية تعرضت لها المرأة في فترات مختلفة من تاريخ السودان، لكن محاولة إلصاق هذه الممارسات بالدين تجني واضح وحيلة مفضوحة لن تنطلي على أحد

لا أميل إلى المؤامرات، لكن التفسير الوحيد الذي لدي هو أن ثمة أضواء تسلط عمداً على أشخاص محددين، مواقف بعينها، هدفها إيهام الجميع بأن الشعب قد تغير، وأن البلاد التي طولها مليون كيلو متر مربع تنتهي حدودها في "كافوري" و"العمارات" أكثر أحياء العاصمة برجوازية وبعداً عن واقع السودانيين البسطاء. هذه الحفنة من البرجوازيين الأثرياء بأموالهم الطائلة، وأصواتهم العالية، وظهورهم القوية التي تحميهم، صاروا رواد هذه الحركة المشؤومة، والتي يراد لها أن تجعل منا نسخاً مقلدة، ومسوخاً بشرية منزوعة الهوية. الحكومة – باستغلالها البشع للدين منحتهم بالضبط ما يحتاجون، فألصقوا كل فشل حكومي بالدين، وبدلاً من حث الناس لكره الحكومة والعمل على تغيرها.. الدعوة تحولت لكره الدين والسعي للتحلل منه بلا رجعة.

 

لا أحد ينكر أن ثمة مظالم حقيقية تعرضت لها المرأة في فترات مختلفة من تاريخ السودان، بل ومازالت نساء كثيرات يرزحن تحت وطأة الظلم في بقاع مختلفة من البلاد، لكن محاولة إلصاق هذه الممارسات بالدين تجني واضح وحيلة مفضوحة لن تنطلي على أحد.. هذه الممارسات من يريد القضاء عليها، عليه أن يخرج أولاً من أحياء الخرطوم الظليلة والاستديوهات التليفزيونية المكيفة ويتجه إلى النساء اللواتي يعانين حقاً ويعمل من هناك على نشر الوعي وتبيان المضار من تلك العادات والممارسات إن أراد حقاً الإصلاح. ثم إن الوطن ليس الخرطوم، ليس العاصمة وأحيائها الغنية، الوطن أوسع من ذلك بكثير، وهذه النظرة الضيقة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، وكرسها الإعلام في عقول الناس كانت سبباً أساسياً في التهميش الذي قاد لاحقاً لانفصال ثلث الوطن، وما يزال يهدد بانفصال مساحات أخرى منه.

 

لا أحد يدعو لمصادرة حرية الرأي من هذه الأصوات النشاز، لا أحد يدعو لإغلاق قنوات تلفزيونية بعينها، إنما ما يجب أن يحدث هو انتباه أكثر لهذه الظواهر التي تظهر على السطح تارة وتختفي، انتباه أكثر لهذه القلة النشاز التي تريد أن تصنع لنفسها أغلبية متوهمة. لكن على أي حال هذا هو واقع الحركات النسوية المعاصرة في عالمنا العربي، أصواتها عالية، ألفاظها بذيئة، وأفكارها دائماً في الحضيض. لكن برغم ذلك لا ينبغي أن يكون الرد عليها بذات الطريقة التي تنتهجها، كما ولا ينبغي أن تدفعنا هذه الحركات النسوية لإنكار مظالم حقيقية تتعرض لها المرأة تستوجب منا الاعتراف بها والعمل على معالجتها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة