جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
245

الرواية العربية بين التجريب والتجريم

6/10/2018

في أواخر الثمانينات أطلّ الناقد الكبير لويس عوض على إحدى القنوات التلفزيونية واجم الوجه وهو يقول: أنقذوا ما تبقّى من شرف النقد العربي، أنقذوا ما تبقّى من شرف النقد العربي.. من هذا المنطلق وفي معرض حديثنا عن مفهوم النقد نذكر ذلك النقاش الحادّ والذي جمع بين زكي نجيب محمود ومحمد مندور، حول مسألة ماهية النّقد، وقد خلص الرجلان إلى نتيجة مفادها أنّ في النقد طبيعتين مفترضتين، الأولى ترافع لصالح البنية الفنيّة، والثانية تفسّر النقد كواجهة للعلم الأدبي. ومن هذا الرحم الأدبي ولد التجريب كلعبة نقدية محفوفة بالمخاطر، بين من يرى في التجريب ثورة نقدية بنّاءة ومن يرى فيها استسهال لضوابط الكتابة تحت شعار المتردية والنطيحة وما أكل السبع. وفي هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على حقيقة التجريب في الرواية العربية بين ما هو منشود وما هو موجود.

 

كشيء من الايتيقيا التاريخية، ظهر مصطلح التجريب في المشهد الأدبي لأوّل مرّة مع ما يعرف بالرّواية التجريبية التي أسّس لها الروائي الفرنسي إيميل زولا، ولقد كان هاجسه الأساسي آنذاك يتبلور حول تأسيس المنهج التّجريبي، حيث يقول زولا في هذا الإطار: تطوّر الطبيعة يفرض على كل تمظهرات الذكاء الإنساني أن تسير على هدى هذه العلوم. إذن يمكننا الجزم هنا بكون التجريب في الرواية العربية يعتمد على ما يعرف بالرّواية الجديدة، التي استحوذت على تلك الوظيفة الجوهرية للرواية بما هي التمثيل والتأويل بلغة الخيال وبما هي مختبر السرد، وليس من المنطق العقلي هنا أن ننسى كون الرواية الجديدة لم تكن نتيجة لرغبة أدبية في الإبداع، فهي قد تولّدت دون الحاجة إلى رؤى فلسفية فرضت ما جاء بجديدها، ولقد أنتجت مثلا، ما يعرف بالكتابات البيضاء وما حقّقته من تغييرات جوهرية بالنسبة للنثر الحديث مثلا، لكن مع الإشارة إلى اعتبار الرواية الجديدة ضرب من ضروب التجلي الأسلوبي في السرد من الأقصوصة إلى الرواية.

 

فلقد ظل أفق التجريب أساسيا في تطور الرواية العربية سواء على مستوى الشكل أو طرق السرد أو اللغة أو بنية المكان والزمان أو زاويا الرؤية وتقنيات معالجتها، وقد شكل التجريب عنصرا جوهريا في تجارب كبار الروائيين عربيا عالميا، وما ازدهار وتعددية المشهد الروائي الآن إلا دليلا على حيوية أفق التجريب بين أيدي المهرة خاصة من الروائيين، وقد شهدت قضية التجريب نقاشات كثيرة في ملتقى القاهرة الدولي الخامس للإبداع الروائي الذي عقد أخيرا بالقاهرة، حيث امتدت من الجلسات إلى الموائد المستديرة إلى الشهادات، الأمر الذي كشف عن حيوية الرؤى والأفكار سواء على المستوى النقدي المتابع أو مستوى المبدعين، وفي هذا التحقيق نتابع جانبا مهما من آراء النقاد والمبدعين في هذه القضية النقدية الشائكة.

 

التجريب بين المنشود والموجود ظلّ حبيس ارتهان الكتّاب للمدارس النقدية الغربية وخاصّة مدرسة فرنكفورت النقدية، فكان تحديد مفهوم التجريب من حيث الدلالات المفهومية والمعاني الاصطلاحية أمر أساسي لا محيد عنه

يقول الناقد إبراهيم فتحي: يجعل التجريب الرواية أكثر مرونة وحرية وقدرة على التطور وعلى نقد نفسها، كما يجدد لغتها ويدخل عليها تعدد الأصوات والانفتاح الدلالي والاحتكاك الحي بواقع متغير وبحاضر مفتوح النهاية، إن التجريب المستمر جعل الشكل الأدبي الروائي متطوراً قادرا على الاستجابة لتطورات الحاضر وتفتحه، فهي النوع الوحيد المولود من هذا العالم الجديد المتطور ويمتلك تماثلاً معه. فهي تقع في نطاق الاتصال المباشر بالحاضر المتطور غير المكتمل الذي يواصل إعادة التفكير والتقييم دون حسم نهائي، حاضر يستطيع الناس رؤيته ولمسه وتصوره باعتباره على نحو متجدد عالم الممارسة والملامسة.

 

لكن على الرغم ممّا جلبه التجريب للرواية العربية من تحديث وأناقة تبقى الرواية في عالمنا العربي عاجزة عن طرق أبواب العالمية، فقد عرفت الكرونولوجيا الأدبية شطحات عدّة في تعريف التجريب والموقف منه وأعيد النظر في شكله الفني وأدواته. فالمنطق العلمي للتجريب لا يلبسه جانبا وعيا متفقا مع العالم بل هو مغترب عنه، وعي له زمانه الخاص المنفصل عن تيار الزمان الموضوعي التاريخي، ولكننا نلاحظ أن التجريب من خلال الرواية العربية ينصهر في السرد من خلال الراوي الذي يقدم كل شيء من الخارج، لتزاوج التقنيتان معا في وحدة فلسفية وأدبية متّزنة. إلاّ أنّ التجريب قد يتخلّى عن كتابة روايات تكون بمثابة نبوءة سياسية ما لم تكن متخيلة أو خاضعة لتحليل سوسيولوجي، فذلك يمكن أداؤه على نحو أفضل في مقال أو بحث أو دراسة.

 

فما يحاول التجريب الروائي تقديمه هو ما الذي يمكن أن تكتشفه الرواية وحدها وتعرضه بطريقتها النوعية عن حاضر اليوم وعن الفرد ووجوده الداخلي، وتتحدد الرواية التجريبية بعالمها النسبي الملتبس البعيد تماما عن حقيقة يقينية واحدة. كما تتصف بالتساؤل والتشكك فيما تقدمه أجهزة الإعلام الرائجة أو بالتساؤل والتشكك عموما. لذلك قد تبدأ مسارات التجريب الممكنة التي تتقاطع مع تاريخ الرواية الفعلي بمسار المفارقة والسخرية والتهكم الذي يتقاطع مع الإيهام بالحقيقة والتصوير الواقعي بنظامه الزمني المتسلسل، ويمضي التجريب في مسار إدماج الحلم أو الكابوس والخيال بالواقع ومسار تسليط الضوء الفكري على ما في الحياة الإنسانية من مجاهل دون أن يكون ذلك بحثًا فلسفيا.

 

فالتجريب بين المنشود والموجود ظلّ حبيس ارتهان الكتّاب للمدارس النقدية الغربية وخاصّة مدرسة فرنكفورت النقدية، فكان تحديد مفهوم التجريب من حيث الدلالات المفهومية والمعاني الاصطلاحية أمر أساسي لا محيد عنه، لكثرة تداوله وشيوعه بين الباحثين المختصين، وغير المختصين إضافة إلى ما يتضمنه هذا المفهوم من تنويع في الأساليب الفنية والأدوات الإجرائية من جهة، وما يحمله من نضج فكري وبعد إيديولوجي من جهة أخرى.

 

في الختام نذكر قولة مشهودة للكاتب الروسي ميخائيل باختين حيث يقول: جوهر كل جنس أدبي لا يتحقّق ولا يتجلى بعمق إلا في تنوّع متغيّراته التي يبدعها الجنس، موضوع الاشتغال، في أثناء تطوّره التّاريخي، وكلما توصّل الكتاب إلى هذا التنوّع يكون عمله أكثر غنى وأكثر توغلا إلى لغة الجنس، لأن لغة الجنس محدّدة وتاريخية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة