هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




عبدالحميد عثماني
عبدالحميد عثماني
1.5 k

ابن سلمان.. هكذا يسير بسرعة نحو الهاوية

9/10/2018

لعلّ قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي والتفاصيل الغامضة التي تلف المشهد تعد أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام العربي بل والدولي حتى. لكن سياق الجريمة ومكانها مع الأخذ بعين الاعتبار مكانة الضحية السياسية يدفعنا للبحث في عقلية المدبّر وحجم الدور الذي لعبه الدعم الدولي الفعلي للسلطة التي تمارس في أحسن الأحوال "مراهقات سياسية"، بصرف النظر عن تصريحات حقوق الإنسان والتي لا تعدو كونها للتصدير الإعلامي.


إن المتتبع للتطورات المتسارعة -في المملكة- الهادفة إلى تثبيت حكم ابن سلمان لا تخطئ عينُه التسرع في اتخاذ القرارات والنرجسية في بناء المواقف والاعتماد في كثير منها على مبدأ رد الفعل بالإضافة إلى الاستعانة بما يسمى بالذباب الالكتروني من أجل اصطناع رأي عام وهمي يهدف إلى كم الأفواه وتخدير الضمائر، فكانت النتيجة قرارات كيدية لا تمت لعقلية الدول بأي صلة.


والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى، فبدءاً من حصار قطر والتخبط الإعلامي في التعامل معها مروراً بالأزمة مع كندا ومعالجتها بما يشبه زئير الفئران وصولاً إلى قضية طرح أرامكو وما رافقها من فشل إداري وسوء تخطيط اقتصادي وانتهاء بالتحالف الفاشل مع ترامب وما رافقه من إهانات وانتكاسات، لكن الهزال الذي تعانيه الإدارة الحالية للمملكة ليس إلا نتاج سنوات طويلة من سياسات متعاقبة لحكام دأبوا على التضحية بالمبادئ لأجل كرسي ورثوه عن جدهم وصي بريطانيا -ومن بعدها أمريكا- على جزيرة العرب.

بسرد سريع لأفعال ابن سلمان منذ توليه السلطة يستطيع القارئ أن يدرك مدى انعدام خبرته العملية وضعف بصيرته السياسية وتصحر مخزونه الفكري بما يتعلق بأحداث التاريخ والسنن الكونية

ومَثَلُ آل سعود في أفعالهم كمثل الثور الأبيض الذي خان ملّته وأهله وفضّل البحث عن الأمان عند عدوه لا لشيء إلا لحرصه على حياة -أي حياة- ولو بائسة، إلا أنّ آل سعود قد تمادوا في الخنوع لدرجة أنهم لم يكتفوا بالخيانة المجردة بل شاركوا في كثير من الأحيان بالغدر والإجرام، وما دعم انقلاب السيسي في مصر بالرز الخليجي عنا ببعيد.


لكن ابن سلمان تجاوز مرحلة التبعية السياسية خارجياً والمداراة الشكلية داخلياً -المعمول بها في المملكة منذ تأسيسها- إلى مرحلة اصطناع فرعون جديد وما يرافقها من تنازلات حتمية مذلة لصالح حكومات أجنبية اعتاد حكامنا على تقديمها كدليل على الطاعة والولاء وكثمن لشرعية وهمية يفرضها ما يسمى بالمجتمع الدولي على شعوب المنطقة قهراً وجوراً، ولو أن هؤلاء الحكام قدموا مثل هذه التنازلات أو بعضاً منها لشعوبهم لأبقتهم الشعوب على كراسيهم رغبةً لا رهبة، ولكنها سنة الله في المتجبّرين أنه يأخذ على أبصارهم وبصائرهم فيسيرون إلى هلاكهم -بأقدامهم وأفعالهم- من حيث يظنون أنه طريق الخلود.


وبسرد سريع لأفعال ابن سلمان منذ توليه السلطة يستطيع القارئ أن يدرك مدى انعدام خبرته العملية وضعف بصيرته السياسية وتصحر مخزونه الفكري بما يتعلق بأحداث التاريخ والسنن الكونية، حيث بدأ مسيرته القمعية بزجّ العلماء والمصلحين في السجون وأتبعها بسياسات تغريب المجتمع من تشجيع الانسلاخ الفكري واستيراد نماذج مجتمعية مشوهة لم تستثنِ متردية ولا نطيحة، ثم توج أفعاله بدفع المليارات لترامب في مشهد أقل ما يوصف أنه مذل، ولا يكذب القائل أن ابن سلمان قد أعاد لخزانة أسياده في يوم واحد ما يعادل كل ما دفعه حكام النصارى من جزية عبر التاريخ.

 

ويظن بعض المطبلون السذج -وأسيادهم- أن هكذا أفعال تَقيْ صاحبها سوء المنقلب إذا ما استفاق الشعب من سباته وقرر استعادة بعض حقوقه، إلا أنهم يغفلون عن حقيقة أن من سبقه من الطغاة في بلاد الثورات قد ساروا على نفس النهج فلم ينفعهم، ولعلها الغفلة التي تعمي قلوب المتجبرين فتسلك بهم -وبخطى ثابتة- مسلك من هلك ممن سبق، ليذوقوا بعضاً من هوان الدنيا وليمرغوا أنوفهم في دركات العبودية وليهلك من هلك عن بينة.

الموقف التركي المتردد نوعاً ما في كشف الحقائق بقضية اختفاء خاشقجي ربما يعود لرغبة في الوصول لصفقة تحفظ للجانبين ماء الوجه، أو حتى خوفاً من تبعات اقتصادية في مجال السياحة والاستثمار العقاري

الجزيرة
 

فالصحفي جمال كان يوماً ما من أهل البلاط وخاصة الملك ثم انتقل إلى صفوف الحياد ولا نقول المعارضة، فجمال لم يكن يوماً نداً للمنظومة الحاكمة ولم يسعَ لتشكيل جبهة مناوئة ولا حتى إسقاط العائلة الحاكمة وإنما كان جلُّ مبتغاه أن يُمَكّن الشعبُ من ثرواته أو جزء منها مع محاربة الفساد، إلا أن سياسة تكميم الأفواه التي قوبل بها وطريقة إسكات قلمه تعد ذروة السنام في مسلسل الإجرام على صعيد العلاقات الدولية، لكنها مجرد حلقة البداية في متتالية هندسية تنتهي على الصعيد الداخلي غالباً بحراك أوسع وقمع أشد وصولاً لمرحلة الانتفاضات وربما الحرب الأهلية. لكن أهم ما تمخضت عنه هذه الجريمة هو كشفها للوجه القبيح الذي لطالما حاولت المنظومة الحاكمة إخفاءه، تارة بالتستر خلف دعاوى خدمة الحرمين الشريفين وتارة أخرى عن طريق شركات التسويق الإعلامي وما يرافقها من ذباب الكتروني وفتاوى طاعة ولي الأمر. وربما من الأنفع اقتصادياً والأولى منطقياً التوقف عن توظيف شركات التسويق الإعلامي هذه ودفع الأموال الطائلة لها في سبيل تحسين صورتها خارجياً إذا كانت الحكومة ستستمر باجتهاد في تشويه تلك الصورة.


أما الموقف التركي المتردد نوعاً ما في كشف الحقائق فربما يعود لرغبة في الوصول لصفقة تحفظ للجانبين ماء الوجه، أو حتى خوفاً من تبعات اقتصادية في مجال السياحة والاستثمار العقاري لاسيما مع الوضع الصعب للاقتصاد التركي بعد العقوبات الأمريكية. فالأزمة "الصامتة" بين السعودية وتركيا يمكن تشبيهها بصبي أراد أن يغيظ غريمه فسرق جملاً من وسط مزرعته، ولم يكن ربما الجمل بحد ذاته مقصوداً فهناك ما هو أغلى ثمناً وأخف حملاً، لكن المقصود حجم الجمل وكيف استطاع بمهارته سرقته دون أن يشعر غريمه، استشاظ الغريم غضباً فقد أهانه الصبي فأعلن فتح التحقيقات لمعرفة هل تمت سرقته من الباب أم من الشباك، وهل أخرجه حياً أم مذبوحاً، وهل حمله وحده أم ساعده آخرون، وهل وهل.. وفي الأثناء تبدأ المفاوضات، هل تعيد الجمل أم أسرق منك جملاً مكانه أم تعوضني ثمناً أغلى من الجمل، ويتدخل الوسطاء وتتعدد المقترحات والجمل المسكين آخر من يفكر فيه الطرفان!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة