النور عادل
النور عادل
1.4 k

بعد اختفاء خاشقجي.. هل تبني السعودية قواعد جديدة لدبلوماسيتها؟

10/10/2018

وعن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، وفي رواية: لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة". رواه مسلم. تواترت عبر التاريخ مجموعة من القواعد والأعراف الدولية المتعلقة بالحصانات الدبلوماسية والتي تناولت ونظمت الحصانات التي تمنح للدبلوماسيين وكذلك لمقرات البعثات الدبلوماسية في مختلف الدول حتى جاءت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961م لتقوم بتكريس وتقنين تلك القواعد في اتفاقية لاقت قبولاً من مختلف الدول والتزاماً قانونياً جعلها أحد أهم المواثيق الدولية الواجبة الإتباع والالتزام "جريدة الرياض". للمفارقة نشر هذا المقال المحامي (كاتب فهد الشمري) إبان اقتحام متظاهرين سوريين مقار بعثات أجنبية بدمشق من ضمنها السفارة السعودية. والشيء بالشيء يذكر فهنا حادثة اعتداء على صحفي ومواطن سعودي قبل كل شيء داخل مبنى سفارته، ما يجعلنا نطرح التساؤل، أحلال على بلابله الدوح حرام على الطير من كل جنس؟!


(يعتبر القانون الدبلوماسي أحد مجالات القانون الدولي التي تتحكم في عمل البعثات الدبلوماسية الدائمة والمؤقتة. وأحد المفاهيم الأساسية للقانون الدبلوماسي هو مفهوم الحصانة الدبلوماسية والذي يشتق من حصانة الدولة، والعناصر الرئيسية للقانون الدبلوماسي هي حصانة فريق العمل الدبلوماسي، وحصانة البعثة الدبلوماسية ومقراتها، وأمن المراسلات والحقائب الدبلوماسية. ومن القضايا الشهيرة المتعلقة بانتهاك القوانين الدبلوماسية أزمة رهائن إيران التي حدثت عام 1979، وإطلاق النار على شرطية بريطانية من السفارة الليبية في لندن عام 1984، واكتشاف وزير نيجيري سابق في صندوق شحن دبلوماسي بمطار ستانستيد عام 1984 ويكيبيديا، وفي نفس المصدر نتابع (ويعتبر أيضًا مبدأ مقبولًا بالقانون الدولي العرفي ومعترفًا به بين الدول باعتباره أمرًا عمليًا. وتلتزم الدول غالبًا بالقانون الدولي لأنه يقوم على أساس المعاملة بالمثل. فعلى سبيل المثال، إذا ما قامت دولة بطرد الدبلوماسيين التابعين لدولة محددة، فإن الدولة الأخرى غالبًا ما تقوم بطرد الدبلوماسيين التابعين للدولة الأخرى).


حادثة اختطاف واغتيال –لو صحت الأنباء- الصحفي السعودي البارز (جمال خاشقجي) في مقر قنصلية المملكة العربية السعودية بإسطنبول، تفتح الباب على مصراعيه من جديد حول مدى دقة القانون الدولي والعرف الدبلوماسي وتعارضاته مع السيادة الوطنية للدول، فالقانون الدولي والأعراف الدبلوماسية في الأخير ليست قرآنا منزل وليست بمعزل عن النقد والمراجعة، خاصة في حال تحولت الأعراف وأخلاقيات العمل الدبلوماسي لأدوات بأيدي الدول البوليسية والصبيانية.

المسافة بين التحقق بقيم الليبرالية في السعودية على وجهها الأتم هي مسافة لا نظن أن الأمير الشاب يعيها أو يتحملها. وكيف يتأتى له ذلك وهو لا يتحمل مجرد صحفي أجمع العقلاء على أنه مهذب حتى في معارضته

في العام 2015 أثارت حادثة اعتداء على المواطن السوداني (أسعد بابكر عمر التاي) الرأي العام المحلي، حيث تعرض المذكور للضرب المبرح والتعذيب والألفاظ النابية داخل قنصلية السودان بجدة، وكذلك مؤخرا واقعة اعتداء موظفين من السفارة الفلبينية على مواطن مصري كان لديه معاملة داخل مقر السفارة الفلبينية بالكويت، والأمثلة لا تحصى لو ذهبنا نعد.


فالاعتداء على موظفي البعثات الدبلوماسية والعكس الاعتداء على مواطني الدولة صاحبة السفارة أمرا بات مؤخراً مكرراً بشكل يدعو للتوقف والتأمل والبحث المتجرد عن حدود المعقول والممكن في التعاطي مع السيادة الوطنية للدولة خارج إطارها الجغرافي ومع حق الدول المستضيفة في حماية أمنها من تغول السفارات على قوانينها باسم العرف الدبلوماسي. فهل يعقل مثلا أن تتحول سفارة بلد ما إلى مقر لاختطاف الصحفيين وخنقهم وتقطيعهم ثم تنجو السفارة فقط لمجرد أنها أرض تابعة لسيادة دولة تبعد عنها الاف الأميال؟! هب أن سفارة ما تحولت لمصنع للمخدرات هل يسكت القانون المحلي والدولي على هذا الأمر؟


حادثة اختطاف الصحفي خاشقجي لا يجب أن تمر مرور الكرام، فهذه الحادثة تكتب نصاً جديدا في سفر الدبلوماسية السعودية خاصة بالخارج، عنوانه (من دخل السفارة السعودية فليس آمن). أهم ما يمكن أن تسطره هذه الواقعة من نتائج وملاحق ونقاشات في ملف أخلاقيات الفعل والتنظير الدبلوماسي، وحقوق الدول المستضيفة لسفاراتها، وتبعاتها على مواطني المملكة المساكين أنفسهم وعلى غيرهم من الأجانب.. هو التالي:


أولا: عارضني ما شئت أن تعارض، بالكلمة والبيان والإعلام والتغريد بريئاً كان أم مخاشناً، لكن لا تصدق أنك ستنجو في حال جئت إلى مقر بعثتي الدبلوماسية ولو لطلب إجراء عادي كتوثيق طلاق وإثبات زواج، فواحدة من أخطر مآسي شعب بلاد الحرمين الشقيق، هو أنه شعب تمارس عليه أعلى درجات الوصاية الأبوية، فالملك وولي عهده ولو كان مراهقاً يتدخل حتى في اختيارك لشريكة حياتك وبيده أن يرفض تزويجك ممن اخترت، وليس لك أن تعقب، والا فالويل لك.


ثانيا: بالنسبة للدول المستضيفة للسفارات والبعثات السعودية حول العالم، أن تعلم أنها ومن هذه الحادثة، لو صح اغتيال الأستاذ خاشقجي أنها تتعامل مع بعثات لا خلاق لها ولا مروءة ولا تراعي لا قانون إسلامي يحث على الإيفاء بالعهود وعدم الغدر، ولا ترعى قانون دولي ولا أعراف دبلوماسية في التعامل مع الدول المستضيفة، وعدم الإتيان بأفعال إجرامية داخل حرم مقارها، وهو حرم افتراضي عرفي وضعي بشري وليس قطعي النص والدلالة من السماء. ونفس الذي كانت تنعاه المملكة على إيران من أنها لا تحترم قواعد العمل الدبلوماسي تواقعه الان وبجرأة غير مسبوقة. عليه يترتب على هذا الفعل الإجرامي إحساس بعدم الأمان في حال كنت مواطنا سعودياً ولك حساب على تويتر أو فيسبوك تكتب وتبثه أراءك، أو كنت حتى مواطناً أجنبياً ولك أراءك المستقلة عن نظام الحكم ببلدك، ونذكر في هذا الصدد واقعة اعتقال المعارضين الليبيين (محمود علي رجب) و(محمد حسين الخدراوي). وهذا يؤلف مقولة تصلح لنص سردي تشاؤمي مخيف.


ثالثا: يجب النظر بجدية في مقولات القانون الدولي خاصة في باب وتنظير العمل الدبلوماسي، وأعرافه ونظمه ولوائحه، فاتفاقية فيينا الان تحتضر مع كثرت الخروقات والأسئلة المستحدثة عن مواضيع السيادة الوطنية الممتدة والتابعة للدول، أم السيادة الوطنية للدول المستضيفة؟! أيهما أحق؟ وفي حال الخرق ما هي الإجراءات التي يجب أن تتبع؟ لا نتحدث عن الإجراءات المحفوظة في صدور القانونيين الدوليين والتي بات الإعلام يستهلكها يومياً حتى عفّ عليها الزمن، وبات بإمكان أي متهور مغامر في السياسة أن يفعل ما يحلو له ثم يردد بكل برود وجه (نحن قلقون على مواطننا) أو (نحن وافقنا على السماح لهم بالبحث داخل مقارنا الدبلوماسية)، فهذا كلام بارد ومقولات فطيرة، تجعلنا نفكر بعمق عن مدى خطورة تأخر قواعد الردع القانوني الدولي في حال حدوث الخرق لها، تجعلنا نفكر بجدية عن أيهما أشد حرمة، الإنسان أم المباني والأثاثات والسيادة الاعتبارية للدول؟! هنالك أسئلة كثيرة تتوارد الآن وأنت تفكر أنك ربما قد تختفي في مبنى السفارة السعودية وأنت تذهب لطلب تأشيرة عمرة بكل براءة، وقد نسيت أنك غردت بتويتة تعارض فيها مثلا نظام الكفيل هناك.

إن حدث اختطاف أو اغتيال خاشقجي، فرصة من زاوية أخرى لتعميق النظر والبحث عن خطورة تولية حدثاء الأسنان أمور الحكم والدولة

الجزيرة
 

رابعاً: يترتب على هذا الفعل تشوه ولو جزئي على صورة الدولة التركية القوية الحديثة، فإن لم ترد تركيا وبحزم على هذا التصرف اللاأخلاقي، فنظن أن صورة تركيا نصيرة المضطهدين قد تهتز، وهي دولة مؤسسات تشوبها البيروقراطية العلمانية الرسمية بشكل يبطئ من وتيرة اتخاذ القرار فيها، وعلى الجانب الآخر دولة فرد يتصرف وفقاً لأراء جلاس السمر ومشورة الأمنيين غير المأمونين، فتركيا تخسر نسبياً بحسابات المنطق والربح والخسارة لو اتبعت نهجها المؤسساتي الصارم، بينما تربح ولو جزئياً دولة بلا قائد صاحب بصيرة.


أخيراً: فإن حدث اختطاف أو اغتيال خاشقجي، فرصة من زاوية أخرى لتعميق النظر والبحث عن خطورة تولية حدثاء الأسنان أمور الحكم والدولة، فلو نجح (جاستن ترودو) في كندا ففرق بين أن ينجح بن سلمان في المملكة، خاصة لو أخذنا في الاعتبار أن كندا وتركيا دول لها مؤسساتها الحاكمة الآمرة الناهية حتى على رؤساءها، وبين المملكة التي الكلمة فيها للملك والأمير وانتهى، شتان بين دولة تمارس الديمقراطية قولاً وفعلاً لدرجة أن تقف زعيمة المعارضة في البرلمان الكندي تناظر رئيس الوزراء علناً، وبين دولة تسجن ناشطة صغيرة السن بسبب تغريدة.


إن المسافة بين التحقق بقيم الليبرالية في السعودية على وجهها الأتم هي مسافة لا نظن أن الأمير الشاب يعيها أو يتحملها. وكيف يتأتى له ذلك وهو لا يتحمل مجرد صحفي أجمع العقلاء على أنه مهذب حتى في معارضته، بالطبع لا أقصد الذباب الإلكتروني بكلمة العقلاء. (جمال خاشقجي) طبت حياً وميتاً، عاشت الكلمة.. ماتت الشهامة على عتبات ممر القنصلية بعدكم.

#يتصدر_الآن

جمال خاشقجي: أَمَسُّ ما يحتاجه العالم العربي هو حرية التعبير

كان هناك زمن اعتقد فيه الصحفيون أنّ الإنترنت سيحرر المعلومات من الرقابة والسيطرة المرتبطَين بوسائل الإعلام المطبوعة. لكن الحكومات التي يعتمد بقاؤها الفعليّ على السيطرة على المعلومات أعاقت الإنترنت بشدة.

3.2 k
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة