هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




ماذا تحب؟ السؤال الذي كنت أراه غبيا!

9/10/2018

قد يكون إجابة سؤال يتكون من كلمتان صعب وعميق بالقدر الكافي الذي يأخذك إلى عالم لا متناهي من الذكريات، حتى إذا أحسست بالاستقرار حول مدى روعة أو سوء ذكرياتك، يجذبك بقوة، حتى أقوى من جاذبية الأرض إلى المستقبل، لتبدئ تتساءل هل يمكن أن أشعر بالحب مستقبلاً؟ أو هل سيبقي الحب جزء من حياتي مستقبلاً؟ وفي كلا الحالتين سيبقى ذلك السؤال صامد أمام كل المحاولات الجادة للإجابة عنه. أو على الأقل كنت أظن هذا!

 

فيصل ماذا تحب؟ أتذكر ذلك السؤال الغبي جداً، حتى تلك المدرسة التي لم أحبها قط، كانت بمثابة تهديد دائم لي، ولشغفي ومغامراتي وقتها، لعلاقتها القديمة بوالديّ، أو ربما كانوا يختلقون تلك القصة حتى أبقي دائماً مستشعر الخطر، وأن أبقى دائماً طفل هادئ الطباع ملتزم السلوك ولبق الحديث مع الأغراب. حينما سألتني عما أحب، لم تكن تحاول أن تصنع حديثاً ودياً لإعادة بناء الثقة بيننا أو تقوم بدور وظيفتها كمستشارة اجتماعية للطلاب.. "ألا يوجد شيء تحديداً تحبه؟ مثل كرة القدم مثلا؟".

 

حينها قد مرت عدة أشهر على وفاة والدتي، ووالدي الذي تحول إلى إنسان آخر، غير هذا الشخص اللطيف الذي يحضر لنا الحلوى دائماً عند عودته من عمله الذي يستغرق أسابيع بعيداً عنا، أما أخي الأكبر فكان قد انشغل بتدليلي والاهتمام بي كثيراً محاولاً تعويضي عما ظن أنه سبب صمتي الحزين.. نعم أحب كرة القدم! أنا ألعب في فريق المدرسة، ولدينا بطولة قادمة!.. جميل جداً أتمنى أن تهتم بمذاكرتك والرياضة كثيراً وأنا موجودة دائماً إذا أحببت الحديث.

 

حين بدأت حياتي في السقوط لم أحاول قط أن أتشبث بالحياة، ربما تركتها عن عمد.. ويمكنك أن تتوقع صفتي الأهم حينها، بالتأكيد كانت الكسل

أحببت كرة القدم جداً، أحببتها لأنها أعطتني مالم أجده خارجها، ولأول مرة شعرت أني بها محبوب. أتذكر هتاف الزملاء مع كل هدف أحببت ذلك الوقت جداً، أحسست بالقوة حينها على قدر قوه تسديدي على المرمى، فارتبطت حياتي بها فأصبحت كلما سجلت أكثر وجدت حباً أكثر. حتى علاقتي بأبي أصبحت أفضل حينما اكتشف أن ابنه الصغير يمتلك موهبة، لسنوات عدة وجدته كظلي في مشواري الكروي، حتى أني أتذكر أول مره أراه فيها يبالغ في الفرحة كانت أثناء مشاهدة مباراة لنادينا الأهلي، كان يقفز بقوه ممسكاً يدي وينظر لي بعينيه الكبيرتان وفمه مفتوح على اخره ويصدر صوت يأتي من الأعماق.. كانت لحظة سعيدة جداً أظن أنها كانت أخر مرة أرى فيها تلك الفرحة.

 

الحقيقة أني أحببت كرة القدم بالقدر الذي جعلتني فيه محبوب، فالاهتمام هو ما كنت ابحث عنه، لذا كان من الطبيعي أن أنهي تلك المسيرة في الوقت الذي توقفت هي الأخرى عن إعطائي ما أريد.. عادت حياتي مرة أخرى إلى الانهيار، أخي ذهب إلى الجامعة تاركاً فراغ شاسع لم يستطع شيء آخر أن يسده، كرهت كرة القدم لما سببته لي من ألم كبير، علاقتي بأبي كانت في أسوء أوقاتها، لو كنت سألت حينها عما أحب، لقولت بشكل مباشر أحب أن تنتهي حياتي الآن وليس غداً. لم تنتهي حياتي كما تمنيت، لكني حاولت أن أنهيها في كل يوم، توقفت عن فعل كل الأشياء التي أحببتها من قبل، زاد حجمي وقل شغفي، إن كنت قد أحسست بالانكسار من قبل ففي تلك اللحظة شعرت بالهاوية وأنا أسقط فيها.

 

ربما قد تظن أن تلك إحدى القصص المتعلقة بالنجاح والفشل، أو السقوط والنهوض، وتقول لنفسك ليس إلا حديث بلا طائل، لكن قد اريح عقلك مقدماً لأخبرك أنها ليست كذلك. ربما قد تكون مما وصفهم نيتشه بالكسل. لا تأخذ وصفه كإهانة، فرأيه أن الكسل هي الصفة التي تجتمع لدى أغلب البشر، وأظن أني كنت واحد منهم. حين بدأت حياتي في السقوط لم أحاول قط أن أتشبث بالحياة، ربما تركتها عن عمد.. ويمكنك أن تتوقع صفتي الأهم حينها، بالتأكيد كانت الكسل.

 

لكن كان للقدر رأي آخر، قابلت تلك الفتاه الغريبة، غريبة كلياً من أصغر خصالها إلى أكبر ما وصل له عقلها، لم أراها من قبل، لم أسمع صوتها لم أدقق في نظراتها وهي تتحدث، كل ما يشعرك بأن هنالك شيء ما يثير انتباهك، لم يكن موجود، مجرد شخص يتحدث من وراء حجاب، يفصل بيني وبينه الآلاف من الأميال. ظهرت لي في البداية كمراهقة تحاول أن تظهر بشكل عاقل، ربما لرغبة منها في الظهور مختلفة، شيء ما كان يخبرني بأنها قد تكون شخص جيد في الحديث، ربما قد توافقني في بعض الأفكار التي تأتي في رأسي الفارغ.

 

كل الأشخاص الذين عرفتهم كانوا أقوياء، لكنها أقوى شخص عرفته قط، فلا يمكن أن نقارن أشخاص يمتلكون القدرة على تدمير حياتك، بشخص لديه القدرة على إنقاذها، هنا تكمن قوته

مواقع التواصل
 

أحببتها، فأحببت نفسي، فتشبثت في الحياة، وبذلت الجهد حتى أبقى كذلك. شعرت حينها أن سقوطي توقف، ربما أحسست بيد تمسك بي، وتخبرني بأن موعدي لم يحن وقته، وألا يزال هنالك ما ينتظرني، فلأول مرة لم يهم إن كان البقاء للأفضل أم للأسوأ، فقط أدركت أني أريد أن أبقى على قيد الحياة، لأراها.. في كل لحظة أخبرها أني أحبها، أرى نفسي في انعكاس المرآه أقولها لنفسي، كنت أبتسم حينها بخجل شديد، كانت أول مره أدرك أني أحب شيء، شيء حقيقي، كنت أحب نفسي.

 

كنت أتسأل حينها، لم كان الجميع يخبرنا بأن حب النفس شيء سيء، بل هو أسوأ شيء يمكن أن نشعر به؟ أبناء عمومتنا من الحيوانات، ليسوا بعيدين عنا وليسوا قريبين أيضاً عن الحب، بالطبع حب النفس لديهم مرتبط بغريزة البقاء، فالأسد لا يقتل فريسته بسبب تعاظم الأنا لديه، بل لأن الطبيعة الأم تخبره بأن يقتل حتى يبقى على قيد الحياة، لذا فذلك لا يعد حباً. أدركت حينها أن كل محاولاتي للحصول على ذلك الشعور كان لا يختلف عما يقوم به الأسد.

 

كل الأشخاص الذين عرفتهم كانوا أقوياء، أبي، أستاذي، أقاربي، مدربي، كلهم كانوا أقوياء بالنسبة لي، لكنها أقوى شخص عرفته قط، فلا يمكن أن نقارن أشخاص يمتلكون القدرة على تدمير حياتك، بشخص لديه القدرة على إنقاذها، هنا تكمن قوتها. أحببتها أكثر.. في كل مرة أرى فيها حب غير مشروط، بلا أهداف أو مزايا، أحاول أن أثبت أن حبي لها كبر، وكأنه تحول إلى سباق تنافسي حول مدى حب كل منا للآخر، سباقاً من أجل حب كل منا لنفسه أكثر. لذا فإن كان ذلك السؤال لا زال مطروحاً، فسوف أقول أحبها هي!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة