هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




د. محمد العمر
د. محمد العمر
1.5 k

بعد موقف ترامب من الجريمة.. هل انتهت قضية خاشقجي!

27/11/2018

يبدو فعلا بأن سيد البيت الأبيض قرر في النهاية أن يقفز على كل القيم المزعومة عن حرية الصحافة وحقوق الإنسان ويصطف إلى جانب مصالحه المالية والسياسية المرتبطة بحليفه محمد بن سلمان متجاهلا لكل الأدلة التي نقلها إليه الأتراك والتي أكدتها أجهزة استخباراته. هذا الاصطفاف "الساذج" للرئيس الأمريكي في الجانب الخطأ ليس في الحقيقة كافيا لإنهاء القضية وإن كان سيضاعف الوقت والجهد المطلوبين لبيان الحقيقة الكاملة.

 

في هذا المقال سنتطرق إلى نقطتين رئيسيتين:

- بعد اصطفاف ترامب إلى جانب ولي العهد، هل انتهت القضية؟

- ما هو الموقف التركي؟ ولماذا لا تفصح تركيا رسميا عن أدلتها الدامغة للعالم؟

 

في الحقيقة ولتبسيط الصورة فإن ما جرى حتى الآن هو عقد "محاكمة سياسية" مكتملة الأركان وفقا لما يلي:

- جانب الادعاء يمثله الطرف التركي الذي وقعت الجريمة على أراضيه.

- جانب الدفاع والذي يمثله الجانب السعودي الذي فشل فشلا ذريعا في إصدار أي رواية أو إظهار أي دليل مهما كان تافها لإثبات براءة ولي العهد.

- القاضي وهو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة العالمية الكبرى اليوم وصاحبة التأثير المباشر والقوي على العربية السعودية.

 

هذه المحاكمة السياسية التي سعى إليها الأتراك منذ البداية كانت تمثل أسرع الطرق في تحقيق إدانة الأمير بن سلمان "سياسيا" وبالتالي في إنتاج الأثر السياسي المترتب على هذا الإدانة والمتمثل في عزله من منصبه. أما البقية المتمثلة في المحاكمة القانونية للمتهمين وإصدار الأحكام القضائية بحقهم فيمكن أن تأخذ وقتها بعد ذلك وصولا لتحقيق العدالة الناجزة.

 

من اللافت للانتباه دفاع رئيس الوزراء الإسرائيلي عن استقرار السعودية الحالية في إشارة إلى ضرورة الإبقاء على منظومة الحكم الحالية وخاصة شخص ولي العهد دون تغيير

على الرغم من تقديم الطرف التركي للأدلة التي يملكها والتي اطلعت عليها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وأقرت في خلاصتها بأن محمد بن سلمان متورط شخصيا، إلا أن سيد البيت الأبيض اختار الوقوف في الجانب الخطأ لسببين رئيسيين:

 

* الحفاظ على الصفقات الاقتصادية والعسكرية التي تم توقيعها مع العربية السعودية والمقدرة بمئات المليارات من الدولارات. ومن الملاحظ هنا بأن الحفاظ على هذه المصالح والصفقات تم ربطه أساسا وبشكل مثير للريبة بشخص ولي العهد السعودي على الرغم من مثل هذه الصفقات تعتبر اتفاقيات موقعة بين الدولتين. استنادا لذلك وتبعا للمنطق السليم في العلاقات الدولية فإن العربية السعودية لا تملك خيار التراجع عن هذه الصفقات بسهولة حتى ولو تغير الملك نفسه، فما بالك بولي العهد. إن مثل هذا الربط بين شخص الأمير وبين هذه الأموال يعطي قوة للرأي القائل بأن هذه الصفقات ما هي إلا غطاء لرشى سياسية غايتها النهائية إيصال محمد بن سلمان إلى العرش السعودي، لذلك فهي مرتبطة بتحقيق هذا الهدف وجودا وعدما.

 

* من الواضح بأن ولي العهد السعودي هو شخصية يمكن الاعتماد عليها بقوة في تمرير ما يسمى بصفقة القرن في المنطقة. لذلك كان من اللافت للانتباه دفاع رئيس الوزراء الإسرائيلي عن استقرار السعودية الحالية في إشارة إلى ضرورة الإبقاء على منظومة الحكم الحالية وخاصة شخص ولي العهد دون تغيير. كما كان من اللافت أيضا استقبال ولي العهد لشخصيات كبيرة من رموز المسيحيين الإنجيليين الذين يدعم بعضهم تل أبيب ومخططاتها في المنطقة بوضوح.

 

ونظرا لامتلاك هؤلاء لقوى ضغط كبيرة على دوائر صنع القرار الأمريكي وخاصة على دونالد ترامب شخصيا، فإننا نعتقد بأن وقوفهم وراء الأمير كان من أقوى العوامل التي دفعت دونالد ترامب إلى إلقاء كل الأدلة والتقارير الاستخباراتية جانبا وتجنب إدانة بن سلمان. وجهة النظر هذه أثبتها دونالد ترامب مؤخرا بعبارة ستدخل التاريخ عندما أكد تمسكه بالعلاقات مع السعودية لأنه "لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة".. والغريب في الموضوع.. أو لنقل المذهل في الموضوع أن السلطات السعودية لم تعلق على هذا التصريح بتاتا وكأنه لا يهمها.. تخيل!

 

هل سيغلق موقف ترامب القضية؟

على الرغم من اتخاذ دونالد ترامب لهذا الموقف غير الموفق فإن القضية ما زالت بعيدة عن الإغلاق على الحالة الراهنة. فالنخبة السياسية في الولايات المتحدة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي ليست راضية عن موقف الرئيس، مما سيعطي دفعا لمناكفات سياسية داخلية ستبقي القضية مفتوحة في المدى المنظور على الأقل. أضف إلى ذلك ما كنا قد أشرنا إليه في مقال سابق من أن إغلاق القضية ونجاة محمد بن سلمان من تبعاتها له طريق واحد مضمون فقط وهو إقناع الأتراك بالتخلي عنها أو كسر إرادتهم الساعية لإظهار الحقيقة، وهذا مستبعد حتى الآن أيضا بدليل تصريحات المسؤولين الأتراك الرافضة لموقف ترامب.  

 

عديدة هي المحاولات الناعمة التي تمت لإقناع أنقرة بالتخلي عن هذه القضية كالإغراء بصفقات اقتصادية ودعم الليرة التركية ورفع الحصار عن قطر. أضف إلى ذلك تلويح الأمريكان برفع اليد عن المعارض التركي فتح الله غولن المطلوب الأول للحكومة التركية في محاولة ربما لإغراء الأتراك بالتخلي عن القضية، إلا أن استجابة الأتراك لهذه الضغوط الناعمة ليست مجدية على ما يبدو حتى الأن.  فهل تلجأ واشنطن أو السعودية لسيناريوهات أكثر خشونة للضغط كإثارة القلاقل داخل تركيا أو على حدودها الجنوبية أو تجديد حملة التلاعب باقتصادها؟  قد يكون هذا خيارا مطروحا على الطاولة وقد بدأنا نرى بعض مفاعيله عمليا.

 

السؤال الذي يبقى هنا مطروحا: إذا كانت تركيا تملك فعلا الأدلة القاطعة ولا تريد إغلاق القضية، فلماذا لا تكشف أدلتها الدامغة أمام العالم؟

إن تقديم أدلة الجريمة رسميا لا يمكن أن يتم إلا في حال انعقاد محكمة مختصة تطلب هذه الأدلة، وهو ما لم يتوفر حتى الآن. أما تقديم الأدلة للرأي العام فهذا ليس من الحكمة في شيء. وكما قلنا أعلاه فإن تقديم الأتراك لبعض الأدلة الدامغة للدول المعنية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية كان محاولة منهم لاتباع أسرع الطرق وأيسرها لإنتاج الأثر السياسي المطلوب والمتمثل في عزل الأمير بن سلمان.. وبعدها ستأخذ العدالة مجراها الطبيعي والذي سيستغرق بالتأكيد وقتا ليس قليلا. إلا أن موقف الرئيس الأمريكي وضع العصا في عجلة هذه المحاولة دون أن يعني ذلك إغلاق القضية. فالأتراك الذين يملكون الأدلة الثمينة باتوا مرغمين على اتباع الطريق الأطول لإنجاز العدالة وهو الطريق القانوني التقليدي، مع وجود احتمالية لعودة المسار السياسي للواجهة نتيجة للضغوط الممارسة حاليا على ترامب والتي قد تجبره في لحظة ما على تغيير موقفه. وبالعودة للجانب القانوني، لا بد من التمييز بين سيناريوهين:

 

تدويل القضية هو السيناريو الأفضل لتركيا لأن الإدانة في مثل هذه الحالة ستكون نتائجها أقوى بكثير من الإدانة الصادرة عن المحاكم الوطنية التركية خاصة فيما يتعلق بحركة الأشخاص المدانين الذي سيكونون دوما مهددين بالاعتقال

الجزيرة
 

1- رفع القضية أمام المحاكم التركية باعتبارها مختصة بالنظر فيها لوقوع الجريمة على الأراضي التركية:

هذا الخيار لا يبدو بأنه الأفضل لأن الأحكام التركية الصادرة في هذه الحالة ستبقى حبرا على ورق. فالسعودية رفضت وسترفض تسليم المتهمين. كما أن إصدار إشعار بالقبض على محمد بن سلمان عن طريق الشرطة الدولية "الإنتربول" بالاعتماد على أحكام المحاكم الوطنية التركية لن يكون ذو فعالية كبيرة لأسباب سياسية ودبلوماسية معلومة، خاصة فيما لو اعتلى الأمير العرش بعد والده الملك سلمان.

 

هذا السيناريو ليس جيدا على الإطلاق لأنه سيحول القضية إلى قضية ثنائية بين تركيا والسعودية في الوقت الذي سيسمح لباقي الدول بالوقوف جانبا بحجة أن المحاكم التركية تنظر في الموضوع. أضف إلى ذلك بأن صدور حكم بإدانة بن سلمان من محكمة تركية بينما هو لا يزال قابعا على رأس السلطة سيفتح أبوابا لن تغلق من التوتر والعداء بين البلدين، وهذا ليس في صالحهما كليهما.

 

2- فتح تحقيق دولي في القضية أمام المحاكم الدولية المختصة:

هذا السيناريو يبدو بأنه الأفضل لتركيا لأن الإدانة في مثل هذه الحالة ستكون نتائجها أقوى بكثير من الإدانة الصادرة عن المحاكم الوطنية التركية خاصة فيما يتعلق بحركة الأشخاص المدانين الذي سيكونون دوما مهددين بالاعتقال إضافة إلى إمكانية فرض عقوبات ذات طابع دولي في حال عدم الامتثال لتسليم المتهمين. هذا السيناريو، الذي يتميز بالبطء بالتأكيد، سيخرج القضية من كونها ثنائية بين السعودية وتركيا لتصبح قضية دولية، إلا أنه سيؤدي بالمقابل إلى رفع يد تركيا عنها وسيستغرق وقتا طويلا.

 

أخيرا، وتعليقا على بعض الأخبار المتداولة عن تحرك داخل العائلة المالكة للإطاحة ببن سلمان، لا نعتقد أن هذا السيناريو ممكن إلا بضوء أخضر أمريكي. أضف إلى ذلك بأن جولة بن سلمان الخارجية لم تكن لتحصل لولا اطمئنانه للوضع داخليا. هذا السيناريو ليس مرجحا برأينا في الوقت الراهن على الأقل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة