لمياء جدلاوي
لمياء جدلاوي
522

مهن للرجال.. لكن بسواعد نسائية!

5/11/2018

في ورشة صغيرة ملئت جدرانها بالسواد وقطع من الغيار والحديد بعثرت هنا وهناك تعمل إيمان الذيب فتاة ثلاثينية تقطن في محافظة قفصة جنوب تونس وتحديدا في مدينة أم العرائس المنجمية . فتاة الميكانيك كما يحلو للبعض بمناداتها تتذكر جيدا دخولها إلى هذا المجال الذي لطالما اعتبر حكرا على الرجال. "كنت أرافق والدي يوميا إلى الورشة أراقبه وأتعلم منه أسرار العمل ومن ثم أحاول تطبيق ما تعلمته بكل دقة". فتاة أبيها المدللة فقدت سندها الوحيد باكرا بعد أن قضى عليه المرض وجدت نفسها لوجها لوجه مع الفقر والجوع تلك البيضاء صحابة العيون الخضراء كانت ولا تزال العائل الوحيد للعائلة وتلك الورشة الصغيرة المصدر الوحيد للرزق.


"أنا أكبر إخوتي لذلك حملت على عاتقي مسؤولية الاعتناء بالعائلة وتوفير قوتنا اليومي وها أنا اليوم أسير على خطى والدي" تقول إيمان بعد أن فضحتها تعابير وجهها الحزينة وبابتسامة صفراء مرفقة بالدموع "موت أبي كسر ظهري" ومن ثم تتماسك نفسها لتواصل الحديث عن أسباب اختيارها لهذه المهنة بالذات لتؤكد بأن فشلها في تحقيق مستوى دراسي جيد كان أيضا من بين أهم الأسباب إضافة إلى أنها تعلقت بهذه المهنة مشيرة إلى لافتة وضعت أعلى الورشة كتب فيها العروسي وهو اسم والدها.


لم تكن محدثتنا بمنأى عن أحاديث الناس ونظرة استنكار من هذا وذاك خاصة بأن كل روادها ذكور لكنها لا زالت صامدة وتقاوم. "لم أندم على اختياري هذه المهنة فعندما أرى معاناة فتيات قضين سنوات طويلة في الدراسة ولم يحالفهن الحظ في إيجاد وظيفة ينتابني شعور بالرضا". هكذا تحدثت إيمان عن نفسها بعد أن مسحت العرق المنصب على جبينها ورائحة الزيوت التي تستعمل للدراجات تفوح منها.


بلغ معدل البطالة في تونس خلال الربع الثاني من السنة الحالية 15.4 في المائة، وهو ما يعني أن عدد العاطلين عن العمل يزيد عن 634 ألف وتستحوذ محافظة قفصة بنصيب مرتفع ومهول قدر بحوالي 27.3 بالمائة بحسب إحصائيات نشرها المعهد الوطني للإحصاء بتونس. وتوزعت نسبة العاطلين عن العمل حسب الجنس إلى 12 فاصل 5 في صف الذكور مقابل 22 فاصل 7 للإناث.

الظروف الاجتماعية الصعبة التي تعيشها تونس منذ سنوات طويلة كالفقر وغلاء المعيشة حتمت على المرأة الخروج إلى العمل واللجوء إلى مهن لطالما كانت حكرا على الرجال

"فتاة المكانيك" ليست الوحيدة التي اختارت مهنة صعبة وشاقة فعلى بعد بعض الكيلومترات وفي نفس المحافظة تجد حنان الميساوي 37 سنة تستقبلك بابتسامة دافئة اختارت فن الجبس مهنة لها. لم تظفر حنان بالحصول على شهادة جامعية فتكوينها الدراسي بسيط وهي عصامية التكوين وقد لجأت إلى هذه المهنة بعد أن أغلقت كل الأبواب أمامها وفشلت في إيجاد عمل خاص بالنساء.


"أحب كثيرا هذه المهنة وسعيدة بكوني الأولى وربما أيضا الوحيدة التي تتقن هذه المهنة في تونس وأنا أعمل منذ سنوات وقد اكتسبت ثقة زبائني". في البداية قضت حنان 7 سنوات كاملة تشتغل كعاملة لدى قريبها وهو صحاب ورشة كبيرة لصنع الجبس لتقرر بعد ذلك فتح ورشة صغيرة لها. رغم حبها لهذا العمل إلا انه لا يخلو من عدة صعوبات فهو عمل يتطلب ساعات عمل كثيرة وجهد كبير كما تقول محدثتنا أما عن نظرة المجتمع لها فتقول الكل يصاب بالدهشة في البداية عندما يرى امرأة تعمل في مهنة رجالية لكنني وجدت الكثير من الناس تدعمني وتشجعني.


طموح حنان يتجاوز سقف ورشتها الصغيرة فهي تطمح إلى أن يكون لها مشروع كبير وهو حلم يراود منذ صغر "فتاة الميكانيك" إيمان أيضا لكن ما تجنيه الفتاتين ربما لا يكفي لتلبية متطلبات الحياة اليومية البسيطة على حد تعبيرهما. قليلا ما يجد أصحاب المهن الحرة والمشاريع الصغرى الدعم المادي من الدولة ولذلك يعبر الشباب عن استيائهم من البطالة من جهة وغياب التمويل من جهة أخرى.


رائدة هو برنامج أطلقته وزارة المرأة التونسية مؤخرا من أجل التقليص من نسب البطالة خاصة لدى حاملي الشهادات العليا ويستهدف الراغبات في بعث مشاريع صغرى ومتوسطة حرصا على الرفع من تشغيلية النساء وتعزيز مساهمتهن في الدورة الاقتصادية. المهن التي لطالما كانت حكرا على الرجل دون سواه أصبحت اليوم أيضا ملاذا للمرأة التونسية المتعلمة وخريجة الجامعات خاصة أمام الارتفاع المتواصل لنسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا التي بلغت 38 فاصل 7 بالنسبة للإناث سنة 2018.

منى أصيلة محافظة قفصة التي تخرجت من المعهد العالي للفنون والحرف بمحافظة نابل ولم تجد مكانا لها في الوظيفة العمومية بعد 7 سنوات من البطالة و المحاولات المتكررة للمشاركة في جل المناظرات لكن دون جدوى فلم تظفر حتى بالحصول على وظيفة في القطاع الخاص. فما كان لها إلا الاحتماء بورشة أبيها واخذ المشعل عن أمها التي تولت العمل بعد وفاة الأب وشرعت منى بالعمل فيها فالأم أنهكاها المرض وسنين العمل الطويلة فهي تعيل أبنائها بمفردها منذ سنة 1997.


"يسرني كثيرا أن أسير على خطى والدي الذي كان رساما وخطاطا مشهورا في المدينة بأكملها حتى انن دراستي الجامعية اخترتها لشدة تعلقي بمهنته". هي ورشة ضيقة في إحدى شوارع السوق الأسبوعي لمحافظة قفصة تقدم خدمات لأصحاب السيارات بصناعة اللوحات المنجمية للسيارات . تحدثنا منى عن ذكرياتها مع أبيها فتقول" لطالما مكثت بجانب والدي أراقبه وأتعلم منه أسرار مهنته وكثيرا ما كان يكلفني بمهام رغم بساطتها كانت تغمرني السعادة حينها أسعى جاهدة لإتقانها حتى يكلفني بالمزيد". أضافت منى الكثير من الآلات للورشة وقامت بتطوير نوعية الخدمات بعد أن تحصلت على قرض من مؤسسة تمويل قروض صغرى غير حكومية تقوم برامجها على التنمية الحضرية المندمجة لفائدة المرأة.


تمتلك اليوم منى بفضل موقع الورشة الذي يعرف حركية كبيرة ونشاط مستمر طيلة اليوم عددا مهما من الزبائن ولا تلقى منهم سوى الاحترام والتقدير على حد قولها. لا تخلو مهنتها من الصعوبات التي تتعرض لها بصفة مستمرة وهي صعوبة التعامل مع بعض الزبائن الذين يرفضون التعامل مع امرأة لذلك تستعين أحيانا بأخيها الصغير "ذلك لا ينقص من عزيمتي أبدا فما زلت مستمرة وانوي تطوير الخدمة أكثر فأكثر حتى أكسب المزيد من الزبائن وتختم حديثها معنا بقولها ورثت عن أبي ذهبا وليس فقط صنعة".

نظرة المجتمع للمرأة العاملة في المهن الرجالية اليوم أصبح مقبولا اجتماعيا في حالات عديدة وخصوصا بالأوساط الحضرية حيث تشتد الأعباء الاقتصادية وحيث تتقاسم المرأة المسؤولية مع الرجل

دويتشه فيلله
 

الظروف الاجتماعية الصعبة التي تعيشها تونس منذ سنوات طويلة كالفقر وغلاء المعيشة حتمت على المرأة الخروج إلى العمل واللجوء إلى مهن لطالما كانت حكرا على الرجال دون سواهم خاصة عندما تكون السند الوحيد للعائلة إلا أن ذلك يجعلها عرضة لعدة صعوبات. المختصون في علم الاجتماع بتونس يرون ان ارتفاع نسبة النساء العاملات بمهن رجالية والمعيلات لأسرهن هو دليل على معطى ذي طبيعة سوسيولوجية مرتبط بتطور الأوضاع الاقتصادية التي تنحوا باستمرار نحو الهشاشة وكذلك بتوزيع الأدوار الاجتماعية بين الرجل والمرأة وتغير الصورة النمطية للمرأة التي تربط وجودها بالوظيفة المنزلية والإنجابية أو ببعض المهن التي يعتبرها المجتمع التونسي مهن نسوية كمهن التدريس والتمريض والإدارة والخياطة.

 

فالدور الذي يقوم به أي من الجنسين هو نتاج سلوك مكتسب مرتبط بتصورنا للمهن التي يقوم بها كل من الذكر والأنثى. ولا شك أن تحديد هذا الدور يتأثر بالبيئة الاجتماعية والثقافية والجغرافية والاقتصادية والسياسية. كما يعتبرون أن السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية جعلت المرأة التونسية تقتحم كل مجالات العمل ابتداء من المناصب السياسية الفعالة في المجتمع وصولا إلى المهن البسيطة، وذلك للبحث عن لقمة العيش، كما أنها استطاعت الخوض في أعمال كانت مقتصرة على الرجال فقط، وقد تثبت أنها على مقدرة لمنافسة قرينها الرجل خصوصا مع تزايد الحاجة المادية والوضع الاجتماعي الذي يدفعها لمزاولة أي مهنة تجدها أمامها دون اعتراض رغم الصعوبات وتدني الأجر.


نظرة المجتمع للمرأة العاملة في المهن الرجالية اليوم أصبح مقبولا اجتماعيا في حالات عديدة وخصوصا بالأوساط الحضرية حيث تشتد الأعباء الاقتصادية وحيث تتقاسم المرأة مسؤولية الأسرة المادية أو تعيل أسرتها بشكل كامل في حالة بطالة أو وفاة أو مرض الزوج. مثقلة بالهموم مكبلة بالعادات والتقاليد ونظرة المجتمع تواصل المرأة العاملة في مهن رجالية بامتياز الكفاح وسط اتهامات من هذا وذاك لا بل ويطلقون عليها أصابع الاتهام بأنها سبب انتشار البطالة في صفوف الرجال فهي التي تتحمل السب والشتم والمضايقات وترضى باجر اقل من الرجل وساعات عمل أطول من الرجل ولازالت مع هذا كله صامدة وقوية فمتى نرفع أيدينا عن المرأة في عالمنا العربي؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة