مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
130

وجهك ليس أنت.. عنصرية تجري بدمائنا!

5/11/2018

لا يروق لنا في العادة مناقشة هكذا مواضيع في العلن بصدق وصراحة، نميل في العادة لانتهاج أساليب ترقيعية تراوق الواقع ولا تواجهه، ندفن رؤوسنا في الرمال ونسدد أذاننا ونرغم ألسنتنا على ترديد أسطوانة المثالية.. لكن بعيداً هذه المرة عن المثاليات التي يتشدق بها العالم وبعيداً عن كل النفاق الذي نمارسه فيما بيننا وعلى الملأ.. وبعيداً كذلك عن "جمال الروح" الذي نتحدث عنه ولا نؤمن به.. سأتحدث عن الجمال، إنما لا رغبة لي في الحديث عن الجمال بصفته التجريدية، لأن ذلك سيقودنا في النهاية للغرق في دوامة فلسفية لا نهائية، إنما الجمال الذي أعنيه هو الذي تتفق عليه وتؤمن به الأغلبية سراً وتنكره علناً.

 

الجمال الشكلي والمظهري وفق المحددات الثقافية السائدة في كل مجتمع والتي صارت شبه موحدة بفعل ثورة الاتصالات وثقافة العولمة. "القبيح" وفق معايير العالم هو إنسان ناقص، من الدرجة الثانية، لا يستحق التعاطف ولا الاحترام.. بل لا يستحق حتى أن يعامل كبشر له ما له وعليه ما عليه. لا ينجو من هذا الإرهاب أحد حتى الأطفال: جثث أطفال الأفارقة السود التي نبذها المتوسط على شواطئه لن تتطوع ولا صحيفة واحدة أو قناة تليفزيونية لنشرها.. فعيون هؤلاء الاطفال ليست خضراء وشعرهم ليس أشقراً وملامحهم في المجمل لن تثير شفقة أحد.

 

الفتاة صاحبة البشرة السوداء أو الملامح "القبيحة" -وفق معايير مجتمعها- لن تتزوج، نعم أيها السادة لن تتزوج، ستظل محشورة في زاويا واقعها البائس، تتعرض للسخرية بين حين وآخر، تفشل في الحصول حتى على وظيفة تقيها شر الفقر والفاقة.. لأنها ببساطة "قبيحة" وفق معايير مجتمعها المريض.. فإما أن تصبر على هذا التنكيل وتحتسب وإما أن تنفق مالها وحياءها على مستحضرات التجميل وعيادات الجراحين لتصبح "جميلة" وفق معايير العالم. حتى أن الدراسات أثبتت أن الأساتذة يمنحون الاطفال "الوسيمين" درجات أعلى ظناً منهم أنهم أذكي من نظرائهم من غير الوسيمين.

 

ثم إن وجهك ليس أنت.. مهما اجتهدت الدعاية العالمية وشركات التجميل في محاولة إقناعك بالعكس.. إلا أنك شيء آخر يتجاوز هذه الملامح.. شيء يسمو على تفاصيل الجسد الفانية

"القبيحون " -في نظر المجتمع- يعانون حقاً في هذا العالم، يعيشون على أطرافه منبوذين، يعاملون بدونية، يهمس المجتمع في آذانهم منذ الصغر بأنهم ليسوا بشراً أسوياء، وإنما مجرد "كومبارسات" في هذا العالم، أصحاب أدوار ثانوية، هوامش لا متون، مهما اجتهدوا، ومهما استحقوا إلا أنهم لن ينالوا أبداً.. لأن السباق قد خسروه أصلاً منذ البداية بمجرد حصولهم على هذه الملامح التي لا تروق لمجتمعهم. يتعرضون للسخرية ويعاملون دائماً وكأنهم هم من إختاروا ملامحهم الخارجية.. ينظر لهم كمجرمين مفترضين.. فوحدهم هم الذين تفتش أمتعتهم في المطارات مرتين، هم وحدهم الذين يخضعون للمعاينة في كل حاجز أمني، مدانون هم حتى تثبت براءتهم...! في المقابل "الجميلون" -وفق معايير المجتمع- في هذا العالم يعيشون بترف، ورفاهية غير مستحقة، الأطفال الوسيمون يحصلون على الدرجات الأعلى، الفتيات الجميلات يتزوجن باكراً، ويحصلن على الوظائف المرموقة دون جهد يذكر.

 

من المخزي حقاً أن تكون نظرتنا للناس وأفكارنا عنهم مبنية على شكلهم الخارجي، "الجمال جمال الروح".. هذه ليست عبارة إنشائية بلا معنى، بل هي حقيقة ستصدمك حقاً إذا تجاهلتها، فجميعنا تحت هذه الطبقة الرقيقة من الجلد متشابهون، بلا ألوان، وبلا ملامح.. الذي يميز البشر حقاً هي أفكارهم وأرواحهم، وكما أن الجمال هو جمال الروح فإن القبح الحقيقي هو قبح الأرواح.. لذا فكل من يركز على شكله ومظهره على حساب جوهره.. فهو بالضرورة يحاول التعويض عن نقص ما في داخله، عن نقص في روحه وعقله.

 

ثم إن وجهك ليس أنت.. مهما اجتهدت الدعاية العالمية وشركات التجميل في محاولة إقناعك بالعكس.. إلا أنك شيء آخر يتجاوز هذه الملامح.. شيء يسمو على تفاصيل الجسد الفانية.. تأمل معي عزيزي القارئ كلمات ميلان كونديرا. وحاول أنت تتخيل أنك: "عشت في عالم ليس فيه مرايا. كنت ستحلم بوجهك، ستتخيله كنوع من الانعكاس الخارجي لما هو داخلك.. بعد ذلك افترض أنهم وضعوا أمامك مرآة، وأنت في الأربعين من عمرك... تخيل خوفك وجزعك... كنت سترى وجهاً غريباً تماماً إلا أنك كنت ستفهم حينها بصورة جلية ما ترفض الإقرار به: "وجهك ليس أنت".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة