هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




نعم.. للوظيفة جانب مشرق!

6/11/2018

يربيك والداك وتصقلك الكتب وتأخذ بعضَ التجارب من مقاعد المدرسة والجامعة ثم تخرج بعد ذلك لتواجه الواقع، ولعل أفضل نموذج مصغر له هو تلك الوظيفة التي تشغل ثلث يومك وتجعلك تَحْتَّكُ بمختلف شرائح المجتمع، وتبدأ باكتشاف الحقيقة المرة، فالدنيا أيها الطيب ليست سهلة ومعادلاتها ليست دائما عادلة.. أنصحك يا عزيزي أن تتوقف بين الفينة والأخرى وتخرج من الإطار الأسود للواقع التي تبدو عليه وظيفتك وتنظر لجانبها المشرق، توقف وأنظر لأجمل ما تراه في زملائك ضع ورقة وقلما واكتب أسماءهم وأجمل ما يمكنك تعلمه منهم سواء كان انطلاقا من سلوك دائم أو موقف عابر.

 

ستندهش أنهم يحملون كثيرا من الخصال الطيبة التي لا تلقي لها بالا، هذا مما علمتني إياه أمي -حفظها الله وأطال عمرها- عندما قالت لي: عليك أن تتعلمي من معاملة كل الناس، فقلدي أفعال الطيبين ونافسيهم فيها، واجتنبي ما أبغضته من قبيح الفعال، نظرت إلى زملائي في تخصصي وغيره وبعد تأمل ميزاتهم أيقنت أن كثيرا من الأفعال التي أراها مثالية يمكن تحقيقها وأن هناك بعض التفاصيل تصنع الفرق الكبير!


علموني أن عملي أكبر من أن تحصره الأسوار:

نعم هذا ما تعلمته من صديقتي التي جاءت تطلب مني استشارة لمريضها الذي التقته في أحد الاسواق ولاحظت أنه يحمل ورما في وجهه وبِحكم تخصصها علمت أنها إن تركت الرجل وشأنه فسيستفحل الورم وسيفقد الرجل صورته بعد سنوات لا محالة، أتتني وهي تلتقط أنفاسها بعد أن أمضت يومها بين مصالح الجراحة والتخدير حتى تستأصل الورم ولا تفقد المريض، أخبرتني أنها هاتفته حتى تجبره على العلاج ولا تتركه لقمة للتسويف، وقفت إجلالا لصديقتي وأجبت طلبها دون تفكير فكيف لي أن أرد شخصا بهذه العظمة، قد يبدو فعلها عاديا يسيرا لكن لا يستطيعه إلا القليل، لقد علمتني صديقتي أن عَلَيَّ أن أحمل معرفتي وواجبي أينما ذهبت، دَرْسُ صديقتي لا يزال صعبا فكم مرة وَهنت وضعفت وقلت أنا خارج الاسوار!

علموني أن عملي أوسع من أن تحتويه الساعات:
لو لم أكن أشغل منصب الرئاسة، فالعمل بيتنا جميعا، نعم فبعض من الحَمِيَّة محمود، ألا تقبل بنصف الإتقان فهو لا يتجزأ، أن تحمل هم نجاح العمل كما لو كان مشروعك الخاص

زميلي الذي أكن له كل التقدير والاحترام، كلما هاتفوه خارج أوقات عمله يأتي مسرعا يقدم يد المساعدة ويكتب الله على يديه إنقاذ حياة كثير من المرضى دون أي مقابل ولا تعويض، تعلمت منه أن عملي أعظم من ان تحجر عليه الساعات وأنه ممتد ما دامت قادرة على العطاء.


علموني أن أعتبر نفسي مسؤولة عن نجاح العمل كيفما كان منصبي:

نعم ولو لم أكن أشغل منصب الرئاسة، فالعمل بيتنا جميعا، نعم فبعض من الحَمِيَّة محمود، ألا تقبل بنصف الإتقان فهو لا يتجزأ، أن تحمل هم نجاح العمل كما لو كان مشروعك الخاص، أن ترى سمعته كما ترى سمعتك، فلا تقبل إهانة زميلك ولا الانتقاص من مردود مؤسستك، أن تدافع -دون تعصب طبعا- عن مهنتك كما تدافع عن بيتك فهي بيتك الثاني شئت أو أبيت وبيدك ان تجعله وطنا كما بيدك ان تجعله غربة فلا تسئ الاختيار!

علموني أن وازع الواجب وحده لا يكفي لتقديم الأفضل بل لا بد من وازع أعظم "إنه الإنسانية":

القوانين التي تضبط العمل هي صمام الأمان الذي يضمن له الاستمرار، لكنها كأي نتاج بشري تبقى غير كاملة مليئة بالثغرات بل ربما وقفت حاجزا بين ما يتحتم فعله وما يسمح لك بفعله، هنا تتدخل الفطرة الإنسانية فيهمس القلب للعقل ويغريه بالمغامرة فنراوغ القوانين الباردة ونتجاوز بعض القواعد ونغض الطرف عن بعض الخروقات، لأن هناك ما هو أهم من العمل والمادة: هناك الانسان الذي يدور في فلكه كل من العمل والمادة.. لابد من كثير من الأحاسيس لتقدم الأفضل.


علموني كيف يرسمون صورة جميلة عن بلدانهم بتصرفات صادقة:

أحد زملائي كان يتصرف تصرفا غريبا جميلا، تصرفا بسيطا لافتا للانتباه والاستحسان، فهو عندما يراك قادما في الممر يتوقف ويبتسم ويقول صباح الخير يا فلان كيف حالك؟ كان تصرفه يخجل كثيرا منا، فحتى عندما تنسى التحية وتدخل على زملائك تسألهم في أمور العمل ينتظر انتهاءك من كلامك ليقول لك: صباح الخير يا فلان كيف حالك؟ لتستعيد نفسك حينها وتدرك أنك تجاوزت أدبا من آدب المعاملة، تكرار هذا الفعل وعفويته دون تكلف جعلنا نحترم منشأ هذا الزميل ونحترمه، نعم يا عزيزي بعض التفاصيل على صغرها تصنيع فروقا عظيمة.

تعلمت من وظيفتي حقيقة أن الكلام أسهل من الفعل، أن حفظ الأفكار العظيمة والمبادئ عن ظهر قلب غير كاف، لابد من رياضة يومية للنفس لابد من كثير من الكبوات والصفعات لتعرف الواقع

مواقع التواصل
 
علموني أن أجمل ما تجود به علمك وخبرتك:

كم مرة أجللت تصرف زميلي الطيبين، فعندما تسألهما المساعدة، يأجلان ما كانا عازمين على فعله ويتوقفان بصبر وأناة دون تأفف ليشاركوك علمهم وخبرتهم دون التحقير من شأنك أو الشماتة بجهلك، فمن السهل أن تظهر للجاهل جهله وتشعره بعجزه، لكن العظمة الحقيقة والنُّبْل الحقيقي أن تمسك يده بعطف وتسدد رميه برفق وتقوم أخطاءه دون أن تمس كرامته أو تجرح مشاعره، إنها الرحمة بالخلق والاعتراف بفضل الخالق –سبحانه- فكما قال الأولون زكاة العلم تعليمه، وكلما زاد عطاؤك وبَذْلُكَ للعلم تأكد أن الله أكرم وأجود سيزيدك من فضله فهو يحب المحسنين.

علموني أن لا قيمة للعمل عندما يخلع ثياب الأخلاق:

الأخلاق كلمة يحبها الجميع، يتغنى بها الجميع لكن الذي يعريها هو ذاك الاحتكاك اليومي يظهر صدقها وثباتها، فتعدل ولو كان الثمن أن يعارضك الجميع، أن تلين وإن علمت أن في ذلك أذيتك، أن تصدق ولو رأيت في ذلك مأساتك، أن تتواضع رغم شدة الأضواء وتعرف حقيقة نفسك وقدرها فلا تتعالى أو تتكبر وتعلم أنه مهما عظم علمك فهناك من هو أعلم منك.


تعلمت من وظيفتي حقيقة أن الكلام أسهل من الفعل، أن حفظ الأفكار العظيمة والمبادئ عن ظهر قلب غير كاف، لا بد من رياضة يومية للنفس لا بد من كثير من الكبوات والصفعات لتعرف الواقع وتعرف نفسك ومكامن ضعفها أو قوتها، تعلمت أن معادننا تفقد شيئا من لمعانها ونعومتها بسبب الاحتكاك لكن أخطر ما اكتشفته أن هذا الاحتكاك يظهر معدنك الحقيقي فالرعب الحقيقي ان تكتشف أن الذهب الذي تراه في المرآة لم يكن يغطي إلا النحاس فاصقل نفسك كلما استطعت إلى ذلك سبيلا.

وقبل أن أودعك عزيزي قارئ هذه السطور، لا تنس طلبي في أول المقال أن تمسك الورقة وتكتب أجمل ما في زملائك من خصال، وسأتجاوز قواعد القناعة وأطمع في كرمك وأزيد في مسألتي، سأطلب منك إخبارهم بما وجدته فيهم من ميزات وتثني عليها بصدق، فالكلمة الطيبة صدقة ولعلها تجلو كثيرا من الضغينة وتمد جسورا للود بينك وبين زملائك، جرب فكم خلقا طيبا طمسه الإهمال والجحود يحتاج سقيا كلمة طيبة ليزهر من جديد.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة