اليمن.. حين تصبح النهاية متأخرة!

7/11/2018

أيمكن أن ينسى ١،٨ مليون طفل في اليمن معاناتهم اليومية من سوء التغذية الحاد، وأن أكثر من 14 مليون يمني على شفا المجاعة خلال الفترة المقبلة، أينسى أي منهم أن أرواحهم تقدم هباء لسياسة لا شأن لهم كمدنيين بها، بينما ينام الحكام والأحزاب المتحاربة في دفء ملايينهم وفي حرارة صفقاتهم؟ أيعيش الشعب اليمني حرب اليمن أم حرب دول أخرى اختارت اليمن أفقر دول العالم العربي لتكون مسرح حربها.

 

أم جرى العرف السياسي بأن يُستبْعد الشعب من فرق اللاعبين، فعلى حد قول مايلز كوبلاند في كتابه لعبة الأمم "لا يمكنك أن تربح المباراة دون أن تكون لاعباً ضمن الفريق"، لذلك ومنذ زمن بعيد لازمني يقين بأن ليس منا أي لاعب ولا حتى في الصفوف الاحتياطية، فجميعنا لا نتعدى كوننا تلك الكرة، يهاجمون بنا، يدافعون بنا، يسجلون بنا أهدافاً، ندخل مرمى ونخرج من آخر، نتأرجح بين أقدام المحترفين.

 

سبأ تلك الحضارة القديمة حكمتها امرأة في القرن العاشر قبل الميلاد، بينما ما زالت تقوم المظاهرات النسائية اليوم للمطالبة بحقوق المرأة بالعمل والمساواة بالأجور والحقوق، وعن أرض سبأ ذكر القرآن الكريم (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)، وكانت مأرب عاصمة مملكة سبأ تُمسك بزمام طريق التِّجارة الدولية الذي يصلُ بين أفريقيا وبلاد الشام وفارس.

 

حاضرنا القبيح مجهول الهوية، البعض لا يعلم أن اليمن لخيراته وطبيعته كان يلقب باليمن السعيد، لا يذكرون سد مأرب، معجزة السبئيين الزراعية، ملوك التجارة وسلاطين اللغة

تلك هي أرض اليمن التي كانت ملكتها بلقيس تخاف عليها أكثر من خوفها على عرشها الثمين، فحين وصلتها رسالة سليمان الآمرة لها ولشعبها خافت على شعبها، على تقدمه وثرائه، وقالت “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة”، وآثرت الصلح والمهادنة وهي المعروفة بحكمتها رغم أن مجلس شورتها أشار عليها بالحرب رداً على رسالة سليمان الأولى، وحين شعرت بدنو الحرب، رحلت إليه لتجد عرشها قد سبقها كما يُروى، عرشها المصنوع من الذهب وهو من أكثر عجائب مملكتها، "وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ"، تلك هي اليمن التي تصنف اليوم بأنها أفقر دول شبه الجزيرة العربية هي ذاتها أرضاً وتراباً، استحالت إلى رقعة خاوية الوفاض إلا من شعب لا حيلة أو قوة له.  حتى إنهاء الحرب لم يعد يكفي لتشفى ذاكرة أطفالها، ذلك ما يحدث حين تصبح النهاية متأخرة، ففي اليمن نهاية الحرب لا تكفي للحياة أو النسيان.

 

اليمن أصبحت نجمة دهشتنا الأولى بعد أن كانت نجمة تاريخنا، لأننا في فضاء الشرق، تاريخنا مهمل، تعايَشنا مع فكرة نظرية المؤامرة التي تفسر كل ظاهرة وحدث، مجهول أو معلوم، فمنذ الأزل خلقنا ثمناً لتحالف حواء مع الشيطان وتآمرها ضد آدم وأوامر الله ورضينا بأسطورة الشيطان وعواقبها وطناً لأعذارنا؟ لا مفر لنا من السقوط كيفما وجهنا أعذارنا.. سياط الموت على أجسادنا، وسياط الإهانة في قلوبنا، حرب تنهشنا في كل مكان.. ولم يبق لنا من الدين إلا اسمه.

 

حاضرنا القبيح مجهول الهوية، البعض لا يعلم أن اليمن لخيراته وطبيعته كان يلقب باليمن السعيد، لا يذكرون سد مأرب، معجزة السبئيين الزراعية، ملوك التجارة وسلاطين اللغة.. وبلقيس أسطورة اليمن الجميلة، وامتحان سليمان العسير. أعيدوا لنا اليمن سعيداً كما كان.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة