إبراهيم أوسي
إبراهيم أوسي
356

صراع "الأنا".. كيف ينشأ المجتمع السليم؟

8/11/2018

إذا كان موت الأفراد مرتبط بتوقف أنظمة جسم الفرد عن القيام بوظائفها نتيجة خلل ما، فكذلك المجتمعات تموت نتيجة عطب ما، تعيقها عن القيام بمهامها كمجتمع سليم وهذا الخلل غالبا ما يصيب شبكة العلاقات التي تربط افراد المجتمع الواحد فتعيقها عن النمو والازدهار بل وفي مرحلة ما قد تقودها إلى الاندثار والموت. والأمم كالأفراد تعيش مخاضا "عسيرا" عند الولادة وتمرض وتنمو وتندثر ومنها من يترك "أثرا" إلى قيام الساعة ومنها من تموت ولا يبقى لها أثر وهذه سنة كونية.


أما "الأنا" فإنها تتضخم وتنكمش لدى أفراد مجتمع ما وفقا للحالة التي يعيشها ذاك المجتمع من نهضة ورقي أو انحطاط وتراجع.. وبالتالي "الأنا" مرتبطة ارتباطا "وثيقا" بمتانة شبكة العلاقات التي تربط افراد المجتمع الواحد وقوة "الأنا" من قوة القيم والمبادئ التي يؤمن بها أفراد المجتمع. وما دامت المجتمعات معرضة للمرض في مرحلة ما من تاريخها فكذلك "الأنا" معرضة للمرض أيضا فالعلاقة طردية بينهما.


فلو أننا قمنا بتقييم لـ "الأنا" لدى المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل لحظة أثارتها الشغب في البرلمان الألماني أثناء كلمة كانت تلقى من قبل أحد النواب وحينما طلب رئيس البرلمان منها مغادرة الصف الأمامي إلى الصف الأخير لم تتردد في قبول الطلب.. فـ "الأنا" الألمانية وما تحملها من قيم ومبادئ الزمتها القبول فـ "الأنا" في هذه الحالة سليمة وسوية وهي تدرك جيدا أن الطلب إنما جاء من الأنا وليس من شخص رئيس البرلمان.. فالعلاقات ما بين افراد المجتمع الألماني الواحد متينة وقائمة على أسس قوية أساسها القيم والمبادئ. وكنت أسأل نفسي ماذا لو حدث هذا الأمر في بلد من بلدان العالم الثالث؟ كيف كان رد الزعيم حينها يا ترى؟ هل "الأنا" العربية أو الكردية أو الإسلامية سوية اليوم في مجتمعاتنا لتقبل هكذا أمر؟

عندما تكون "الأنا" قابلة للإصلاح يصبح الحوار عندها حول كيف يمكننا حل المشاكل العالقة ويصبح العمل الجماعي ممكنا وناجحا وتصبح العلاقات ما بين أبناء المجتمع الواحد أمتن

في بدايات العصر الإسلامي كان المجتمع الإسلامي متماسكا وكانت شبكة العلاقات ما بين أفراد المجتمع الواحد راسخة وقوية وكانت "الأنا" الإسلامية سليمة.. ونستذكر هنا موقف بلال وأبي ذر رضي الله عنهما عندما قال أبا ذر لبلال: يا ابن السوداء حتى أنت تخطئني!.. فقال بلال مدهوشا: والله لأرفعنك لرسول الله. فماذا كان رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمع بالخبر؟ وهو بمثابة القائد العام لمجتمع إسلامي أساسه القرآن الكريم وما يحمله من قيم ومبادئ وقوانين.. قال لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية "! أي يا أبا ذر ما زالت "الأنا" الجاهلية لديك أقوى من "الأنا" الإسلامية.. وهو درس بليغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فالأنا الإسلامية يجب أن تطغى على ما سواها من أهواء وأصنام.. "أنا" أساسه الأخوة في الله "أنا" أساسه "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا".. "أنا" أساسه لا فرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى.


فما كان من سيدنا أبا الذر رضي الله عنه إلا أن قرر أن يرغم أنف "الأنا" الجاهلية في التراب أمام ملأ من المسلمين وأقبل بلال ماشيا.. فطرح أبو ذر رأسه في طريق بلال ووضع خده على التراب.. وقال: والله يا بلال لا أرفع خدي عن التراب حتى تطأه برجلك.. أنت الكريم وأنا المهان. وكذلك عندما أمر أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعزل خالد بن الوليد من قيادة الجيوش الإسلامية الموجهة للشام وتولي أبو عبيدة بن الجراح كيف كان رد خالد بن الوليد يا ترى؟ هل اعترض على ذلك أم أن "الأنا" الإسلامية طغت على ما سواها في نفسه من أهواء وأطماع والتزم بالأمر؟ بالطبع انتصرت "الأنا" الإسلامية في نفسه وعلم أن الأمر قد صدر من "أنا" إسلامية لا من شخص عمر وهواه.


وبالتالي نستطيع القول أنه عندما تكون "الأنا" قابلة للإصلاح يصبح الحوار عندها حول كيف يمكننا حل المشاكل العالقة ويصبح العمل الجماعي ممكنا وناجحا وتصبح العلاقات ما بين أبناء المجتمع الواحد أمتن وعندها فقط يمكن إطلاق مصطلح مجتمع على الجماعة من الأفراد. ولو أننا ألقينا نظرة سريعة على حال مجتمعاتنا اليوم لوجدناها غارقة في قيم ومبادئ مزيفة لا تمثلنا بشيء ولا قيم أجدادنا بشيء وبالتالي يعمد إلى خلق "أنا" مزيفة ضعيفة هزيلة مسيرة لتفتيت ما تبقى من شبكة العلاقات في مجتمعاتنا اكثر فأكثر ولا تقوم لها قائمة من جديد.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة