لماذا يخلِقُ الله البشر لو كان سيتوفاهم وهم أطفال؟!

8/11/2018

تقول الروائية الرائعة إليف شافاق في اقتباس شهير لها: "إن الأسئلة أفظع من الإجابات، فبعض الأسئلة تُنجب مئات الإجابات الناسفة"، وهذا السؤال من ذلك النوع، وهو مخيف حد أننا نخشى أن نطرحه على أنفسنا، فمثلُ هذه الأسئلة الوجدانية ذات النكهة الفلسفية لسنا قادرين على استيعاب جنونها أو مقاومة شراسة إجاباتها، لذلك فنحن غالبًا لا نُفكر في استحضارها، فهي من النصوص المحرمة على كائنات صدأت أدمغتها، أو أننا لم نعد نُجيد استخدامها، لكن ماذا لو طرحت علينا الظروف مثل تلك الأسئلة المفخخة، كيف سنجيب؟ وماذا سنقول؟

في الخامس والعشرين من الشهر العاشر لهذه السنة أو كما أسموه: الخميس الأسود، اقتحمت عاصفة مطرية الأراضي الأردنيّة بشكل شرس لم تعتد عليه المملكة، وقد تزامن هذا الاجتياح المطري مع رحلة مدرسية إلى البحر الميت، أخفض بقعة في العالم، وقد قرر أفراد الرحلة من أطفال دون سن الرابعة عشر برفقة معلماتهم خوض مغامرة، هي مغامرة الموت، وذلك بالسير في منطقة خطرة صَعُبَ على قوات الجيش نفسهم السير فيها، وهي منطقة زرقاء ماعين، وأسفرت تلك المغامرة عن غرقى ومفقودين وجرحى، فغرقت المملكة في حزن وحداد على من مات من أطفال، فكان موتهم بهذه الشاكلة الفظيعة سببًا في حزن آخر، بالإضافة لسؤال خَشِيَ الكثيرون طرحه، ألا وهو: لماذا توفاهم الله بهذه الطريقة الفظيعة وهم لا يزالوا أطفال؟

لم يخشَ الأردنيون وحدهم الإجابة عن السؤال، فقد خشيت البشرية عبر تاريخها الطويل طرح مثل هذه الأسئلة التي تشكل ترجمات وصور مختلفة لسؤال واحد، وهو سؤال الموت، وكمحاولة للإجابة بحثوا عن طرق للتخلص من المسبب لهذه الأسئلة، وهو الموت نفسه، فالقدماء من البشر بحثوا عن الخلود في محاولتهم صنع إكسير الحياة، كما هم البعض من العلماء المعاصرين الذين رأوا في الموت مرض فحاولوا علاجه بهندساتهم الجينية والحيوية أو حتى بفكرة التجميد ثم الإنعاش والبعث مرة أخرى، وعلى رأسهم عالم الفلك الشهير ستيفن هوكينغ.

كونه مُدبر الأقدار والأمور فهو يعلم ما لا نعلمه، وإن الأم لو رأت لابنها خيرٌ وصلاح في أمر ما لأنفذته، فكيف لو كان الله وهو أرحم بنا من أمهاتنا؟

وأما البعض الآخر، فقد رأى أن الموت قدر، وأمر إلهي لا يجب أن نبحث فيه، وهم أتباع الديانات السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية، ولكن نظرة الفريق الثالث من البشر كانت مختلفة، فقد رأوا أن الموت دافع البشرية نحو الإنجاز، فلو لو يكن هنالك موت، فلن يكون هنالك شيء، وكما يقول هوراس مان: "من المُخجل أن تموت دون أن تحقق شيء" فالبعض بحثَ عن علاج للموت، لقد بحثوا عن الخلود، وآخرون رأوا أنهم سيموتون، فحاولوا أن يخلدوا أنفسهم بتخليد أمور منسوبة لهم، كاكتشافات علمية أو إنتاجات فكرية وفنية وأدبية مختَلفةٌ ألوانها تَسر المتأملين فيها، فمثل هكذا أمور مثلَّت صور خالدة لكائنات ستفنى وتموت يومًا ما، وكما يقول درويش في جداريته: "سأصير فكرة"، فالأفكار صور خالدة لكائنات فانية، والطريف أن البعض رأى في أبنائه شكل من أشكال الخلود المؤقت، فأنجب من الأبناء قدر ما شاء الله له أن يُنجب، كما هي حالنا في الوطن العربي.


ويمكننا تفسير التقدم الحضاري الكبير للحضارة الإسلامية، وإنجابها لعدد من العلماء الذين غيروا مجرى التاريخ، بأن أولئك العلماء أمثال ابن سينا وابن رشد، قد أدركوا عبر تعاليم دينهم حتميّة الموت، وديمومة الأفكار، ورأوا أنهم خُلقوا خلافة لله في أرضه بأفكارهم، فتراهم قد أبحروا في العلوم المختلفة كالحساب والفلك والفلسفة والأدب، وأبدعوا فيها، وجاهدوا وصارعوا الموت، لأجل عمارة الأرض، وتحقيق معنى الخلافة التي دعاهم الله لتأديتها.


ويُخبرنا الفيلم الشهير (THE FAULT IN OUR STARS) وهو مأخوذ عن رواية تحمل العنوان نفسه، عن هيزل لاس لانكاستر، فتاة في السابعة عشر من العمر مصابة بالسرطان، وترى أن حياتها لا قيمة لها، فهي ستموت عما قريب، لكنها تقع في حب شاب، وهو لاعب كرة سلة سابق، وسرعان ما تتسارع أحداث الفيلم ليتبين للمشاهد أن الشاب مصاب بسرطان لكنه منتشر لديه أكثر مما لدى الفتاة، فتشعر هيزل أن حياتها مهما كانت قصيرة فهي أطول من حياة حبيبها، فالموت نسبي، فلو اطلعنا على مصائب غيرنا لهانت علينا مصيبتنا، وكما تقول إحدى شخصيات الفيلم: "بعض الأبديات وبكل بساطة أكبر من غيرها"، ويُخبرنا الفلم أيضًا عن فكرة تخليد نفسك بإنتاجات تُنسب لك، فقد حاول الشاب مصارعة الموت على عكس حبيبته، فقد شكَلَ الموت أدرينالين روحي، ودافعًا للبحث عن الخلود بالإنجازات التي يود تحقيقها، لقد حاول أن يُضيف للبشرية شيء ما، وذلك بأن يكون فكرة، والآن لنحاول أن نُجيب عن السؤال السابق: لماذا خلق الله الأشخاص لو كان سيتوفاهم وهم لا يزالوا أطفال؟

لهذا السؤال إجابتان، وهذا من عجزنا عن الإجابة عنه، لا دليل على قدرتنا على ذلك، فأما الجواب الأول، أو التفسير الأول، لا خلاف في الأمر، فهو يقول أن البشر بوصفهم كائنات قاصرة عن إدراك الحقائق الكلية للأشياء مقارنة بخالقهم، وبوصف الله لنفسه أنه جميل يُحب الجمال، ولا يخلق إلا ما هو جميل، فإن لموت هؤلاء مغزى وفائدة وخير لنا ولهم ولأهليهم، فمهما رأينا في موت هؤلاء من شر وخير فرؤيته –سبحانه وتعالى- واسعة وشاملة لا نُقصان فيها، بالإضافة إلى أن كونه مُدبر الأقدار والأمور فهو يعلم ما لا نعلمه، وإن الأم لو رأت لابنها خيرٌ وصلاح في أمر ما لأنفذته، فكيف لو كان الله وهو أرحم بنا من أمهاتنا؟

 

وأما ما رأوه من عذاب الغرق، قبل أن يتوافهم الله، فهو نسبي لما سيروه من نعيم الآخرة، بوصفهم أطفال لا حساب لهم، وحالهم كحال المريض الذي يتألم وينفُر حينَ يُعالج من داء معين، فعلى سبيل المثال، إن المريض يصبر على ألم اقتلاع ضرسه رغبةً في متعة الشفاء، وكذلك هو الأمر في هذه الواقعة، فالحياة بكل بساطة داء والموت هو الدواء، هذا إن تألموا، فقد يكون الله يَسَر الموت عليهم فهو المُيسر الرحيم. وأما التفسير الآخر، فهو أن موت هؤلاء كان رسالة سماوية من الله يعظنا بهم ويقول: أن الموت قريب أقرب مما تتصورون، ولا فرق في عقائده بين كبير أو صغير، ففي سياسة الموت جميع الناس سواسية لا فرق بينهم، فماذا تنتظرون؟ فلتفعلوا ما شئتم فعله، قبل أن تُسلب أرواحكم وترحل للسماء، فأنتم ميتون لكن أعمالكم حية لا تموت.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة