ما هو السبيل للوصول إلى الصحة والسعادة وطول العمر؟

8/11/2018

في دراسة أُجريت في الولايات المتحدة الأمريكية -لا تزال مستمرة لحدّ اليوم- تم تتبع مجموعة متكونة من 724 رجلا بدءا من مرحلة الشباب حتى الشيخوخة، نصف المجموعة من طلاب جامعة هارفرد المرموقة ومن ذوي الدخل المرتفع، والنصف الآخر من الأحياء الفقيرة في بوسطن وممن عاش في ظروف مادية صعبة، فماذا كانت نتيجة هذه الدراسة؟ وما هو السر وراء العيش بسعادة وصحة جيدة؟ 


لقد عمل فريق الدراسة بكل جهد وتابع حالة هؤلاء الأفراد طيلة 75 سنة ولا يزال 60 من أولئك الرجال على قيد الحياة لحدّ الآن في سن التسعين سنة، وكان الفريق يدوّن كل المعلومات الصحية والاجتماعية والمالية لكامل المجموعة، وكانوا يقابلون أهليهم ويعاينون سجلّاتهم الطبية ويقعدون مع أبنائهم وزوجاتهم للإحاطة بكافة التفاصيل، ومن هؤلاء الرجال الـ 724 أصبح من هم البنّاء والطبيب والمحامي بل والمثير للدهشة أنّ أحدهم أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وهو الرئيس جون كنيدي، ومنهم من ارتقى في المناصب السامية، وآخر أصبح مدمنا للكحوليات، وبعضهم مفلسا يعيش في حالة تشرد.


لقد خلُصت الدراسة الى أنّ نوعية العلاقات الاجتماعية التي ينشئها الفرد هي التي تحدد مقدار سعادته ورضاه عن حياته، كما لتلك العلاقات الأثر البالغ في تحسين الحالة الصحية أو العكس إذا ما كانت علاقته بوالديه أو زوجته وأبناءه متدهورة، وهذه العلاقات الاجتماعية حتى تؤدي دورها الفعّال لا دخل في ذلك في عدد الأصدقاء أو المعارف ولكن في نوعيتها، حيث يجب أن تكون العلاقة خالية بقدر الامكان من المشاكل والقلق والتوتر. وعلى النقيض من ذلك فانّ الوحدة حسب الدراسة قاتلة للنفس والجسم والعقل جميعا، فهي تحطّم الانسان وتدمّر كيانه، فقد تبيّن أنّ الزواج مع بعض المشاكل أفضل من الطلاق، مع أننا قد قلنا سابقا أنّ العلاقات الاجتماعية يجب أن تكون خالية من المشاكل لتلعب الدور المنوط بها في الحفاظ على السعادة واحساسنا بالسعادة إلا أنّ ضعف نوعية تلك العلاقات أفضل بكثير من قطعها تماما.

بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ صلة الرحم وما يرادفها في الدراسة من الصلات الاجتماعية سببٌ في زيادة الرزق، ويدخل في ذلك السعادة والصحة فهما رزق من عند الله عز وجل، وزيادة على ذلك طول العمر

فلا دخل هنا للمال أو السمعة أو المنصب في تحديد مدى سعادة الفرد ورضاه عن حياته، كما أنه لا دخل في ذلك أيضا لوسائل الاتصال الحديثة وغيرها من التكنولوجيا التي تجعل من حياة الانسان أسهل ولكن بالتأكيد ليست أسعد. وفي هذا الصدد يقول روبرت فالدنجر مدير الدراسة وأستاذ الطب النفسي في جامعة هارفارد: "أوضح رسالة نحصل عليها من هذه الدراسة التي امتدت 75 عاماً هي أن العلاقات الجيدة تبقينا أكثر سعادة وصحة"، وأنّ "الحفاظ على علاقات قوية وتعزيزها ساعدا على الحماية من الأمراض العقلية والأمراض المزمنة وانخفاض الذاكرة"، وقال أيضا: "الاعتناء بالجسد مهم، لكن الاعتناء بالعلاقات نوع من الاهتمام بالنفس أيضا".


لقد أصبح من المؤكد والبديهي عند العقلاء من الناس اليوم أنّ بناء صلات اجتماعية ذات نوعية حسنة مع أسرنا وأرحامنا له دور جوهري في حصولنا على السعادة والرضا الذين يصبو اليهما كل انسان، وأنّ أكثر ما يعيق ذلك هي المشاكل وكثرة الاضطراب في العلاقة، وكذا توجيه التركيز وافناء الوقت مع الأجهزة الالكترونية ومواقع التواصل وتضييع حقوق من لهم حقٌ علينا، ولا ننسى هنا أن نذكّر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: "من أحبّ أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه".

 

فها هنا سرّ تلك الدراسة التي استغرقت قرابة القرن من الزمن ماثل أمام أعيننا، لم نبذل جهدا في دراسته والعمل به، وإبراز فوائده من الناحية العملية، ولقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ صلة الرحم وما يرادفها في الدراسة من الصلات الاجتماعية سببٌ في زيادة الرزق، ويدخل في ذلك السعادة والصحة فهما رزق من عند الله عز وجل، وزيادة على ذلك طول العمر، وهو نتيجة طبيعية للسعادة والصحة الجيدة اذا لم تتدخل ظروف خارجة عن العادة، وقدّر الله سبحانه لذلك الإنسان الموت.


وانّي ألفت الانتباه هنا إلى ضرورة تجديد رؤيتنا لأحاديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومحاولة دراستها من نواح سيكولوجية واجتماعية، ولما لا نعطيها بعدا تجريبيا، فأغلب الأحاديث يتم البرهنة على صدقها في مخابر وجامعات الغرب، بينما المسلمون ينتظرون إتمام تلك الدراسات ليقولوا في الأخير هذا عندنا في ديننا وقد سبقناهم إليه بقرون.. هيهات هيهات وشتّان بين الذي يبحث ويجدّ وبين الكسول الذي يعتمد على غيره.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة