وجدان عصام أحمد
وجدان عصام أحمد
1.1 k

عندما أصبحت المدرسة سجناً قفزت من السور

9/11/2018

جلسات الأسرة المسائية غالبا مايكون لديها طابعها الخاص، حيث نجلس سويا أنا وإخوتي ووالداي ثم يبدأ أحد بفتح موضوع عن شئ ما حدث معه خلال اليوم عادة ما تكون أشياء عادية من تلك التي تحدث في يوم كل منا وأحيانا تأخذ طابع المواضيع التي تؤدي إلى النقاش والمشاركة الجماعية، ومنها نقاشات تقال دون أن يكون المغذى منها قول رأيك المهم هو سماعك للنتيجة النهائية – قرارات حاسمة غير قابلة للجدال – لم أكن من المهتمين كثيرًا بهذه النقاشات العائلية التي تدور حيث تصبح شبه روتينية وأحيانا لا تؤدي إلى شئ، ولكن وبشكل ما تجد أن هذه النقاشات تدور أحيانا حول أمور مهمة ثم يبدأ النقاش واختلاف الآراء ثم لا بد أن يكون الرأي الصائب في الأخير لوالدي، بغض النظر عن مدى صحة نظرك للأشياء أو حتى سلامة رأيك من عدمها.

 

قالت أختي: "فتاة من الصف الأول قفزت اليوم من سور المدرسة"، بطبيعة الحال استهجن والدايّ الأمر ثم وصفا الفتاة بقلت التهذيب، ثم بادرتُ لمَ يقال أنها قليلة التهذيب أسألها أحد قبل أن يطلق عليها أحكامه الخاصة لما قفزت من السور، من يعلم لما قفزت ربما كرهت المدرسة أسألها أحدهم لما كرهت المدرسة؟ ربما لم يجلس معها أحد أبويها ليخبرانها عن الصواب والخطأ، ربما لم تجد في معلماتها ذلك الصدر الحنون الذي يحتويها، فقط تم التعليق على الفعل قبل التفكر لما قد يفعل إنسان ما شئ مثل هذا، مجرد التركيذ على شخص الفتاة ولومها على أنها مذنبة لن يحل المشكلة، وكما قفزت هي اليوم ستفعل أخرى غدا.

 

كنت أدرس بنفس المدرسة منذ أربع سنين وعندما تخبرني أختي عن القوانين الموضوعه اليوم وكم الأشياء التي تمنع وأبسطها أنك لا تستطيع أن تأتي إلى المدرسة بلون الحقيبة التي تحب فقط أسود وبني، أهم في سجن أم مدرسة - تعلق أمي لأنهن أصبحن قليلات التهذيب لذا وضعت لهن كل هذه الفوانين -، عندما لا ينتظم طابور الصباح لأن المعلمة التي ترهبهم وتلقي بالذعر في قلوبهم ليشكلوا طابوراً منتظما غائبة، عندما يكون أسلوب المعلم أصبح بالياً ودوره أشبه ببائع في محل عندما يصبح التعليم أشبه ما يكون بسلعة تُباع وتشترى، لما لا تقفز من السور.

 

في عصر النقاش يصبح الضرب جريمة ورفع الصوت صراخ بلا فائدة، جيل يحتاج للإحتواء ولتفهم متطلباته التي قد تبدوا غريبة على من سبقهم

في أول يوم لأختي في المدرسة الثانوية ذهبت معها إلى المدرسة وأُخِذتُ بشئ من الحنين لأرى أساتذتي القدامى، ذهلت عندما رأيت أن اسطاف الأساتذة كلة قد تغير إلا من معلمتين كانتا لا تزالان بالمدرسة، أحسست بشئ من الضيق عندها جلستُ مع معلمتي القديمة حكت لي عن أنّ البنات الجُدد ليسوا مثلنا فهن أقل رزانةً وقليلات التركيذ وعللت هذا بأن التكنولوجيا هي السبب وأنها تٌلهيهن عن دُروسهن، أحسست أنني جئت من عصرٍ قديم حيث زمنٍ ولى، كنت قد زرت الصفوف التي درست فيها من الأول إلى الثالث وأنا برفقة أُختي أُشير لها إلى مكان مقعدي في كل صف، إنقضى اليوم وحمل بعضاً من الذكريات، تلك الذكريات التي يبدو أنّ الحاضر يمحوها برفق.

 

في مرةٍ سابقة ذكرت أختي المعلم الذي جلس في بداية الحصة يسأل طالباتة ماذا تناولتم الأمس على الغداء معللاً بأنه جائع، فغرت فمي عندها من الدهشة وشيء من الإستنكار والأسى أنا أتذكر أساتذتي الفضلاء وأسأل ماذا حل بالمدرسةِ حقا بل السؤال الأدهي أما زالت مدرسة؟، تذكرت شكل أول حصةٍ كانت في المدرسة على مدار الثلاث سنوات وسألت أختي بفضول هل أخبروكم بكيفية الغسل في أول حصة في المدرسة؟، هل أعادوا عليكم كيفية الوضوء والصلاة الصحيحة؟ هل حدثوكم عن القيم والأخلاق وأنكُنّ الآن في المرحلة الثانوية وهذا يعني أنّكُن في طريقكن لتصبحن فتيات ناضجات وأنّ عليكن إلتزامات تخص هذا السن؟ كانت الإجابة بالنفي وكان بإمكاني أن أرى كل شئ بوضوح بعدها. عندها لا يمكنني أن ألوم من تقفز من السور ولا تلك التي تتحدث بصوت عالٍ في الشارع... إلخ، على ماذا ألوم ومن ألوم، ءألومهن على أن الكلام الذي في الكتب لا يدرس بالشكل الصحيح، أو أنهن يقضين معظم وقتهن في المدرسة التي يفترض بأن تكون للتربية والتعليم ولكنها ليست كذلك.

 

ربما لو كنت في مكانها لقفزت من السور أيضا، هاربةً من هذا السجن الذي أُطر إلى أن أجلس فيه من السابعة صباحا إلى الثانية ظهرا، أليس من حقي أن أهرب أن أنجو بنفسي من هذا الجو المسموم، لما دائما نعلق بإصبع الإتهام على الطرف الأضعف في القضية الذي نعلم أنه لن يرد مدافعاً عن نفسه، ألم نسأل نفسنا عن سبب نفور الطلاب من التعليم، من المدارس، لما يمكنك أن تجد الطلاب في الشوارع بالزي المدرسي في الوقت الذي يجب فية أن يكونوا في مدارسهم، إنهم يهربون من السجن ومن ألوان العقاب والقهر التي ترفع باسم التعليم، ما حاجتي لتعليم مع القهر ما نوع المقابل الذي ترجوه عندما ترفع شعار من علمك حرفاً صرت له عبدا وأنت تعلمهم أن المعبود واحد لما تجعل معه شريك في ذات الوقت.

  

بدل أن تعلقوا المشنقة للجيل الجديد افهموا أن متطلباته لم تعد تشبة متطلبات الجيل القديم وقد قيل "ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم"، فجيل السايبر قد يتذمر على عصر الطباشير. في عصر النقاش يصبح الضرب جريمة ورفع الصوت صراخ بلا فائدة، جيل يحتاج للإحتواء ولتفهم متطلباته التي قد تبدوا غريبة على من سبقهم، الأساس القديم أصبح هشاً مع مرور الزمن وقابل للكسر، القيم القديمة لدى المدرسين جيدة ولكنها لم تعد تطبق في زمن ينجح من يحضر الحصص الإضافية، وبعض الأساليب القديمة في التربية والتعليم تحتاج إلى إعادة صياغة إلى إنعاش، وكما قال الدكتور ماجد عرسان الكيلاني نحن بحاجة إلى فلسفة تربية جديدة فلسفة إسلامية فحتى المدارس التي تتبنى فلسفة التربية الغربية تجد بها من الخلل ما تجد حيث يحدث اضطراب الفكر مع العمل، فليس من المنطق أن تريد ميتة الصحابة وأنت تعيش حياة الغرب.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة