هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




خديجة القدومي
خديجة القدومي
486

"ماذا سيقول عنا الناس؟".. الوجه الشرير لآبائنا!

6/12/2018

عليك الزواج بقريبنا الممتلئ جيبه، ابن حمولتنا، لن نرضى بحفلة زفاف أقل من حفلة بنت خالتك، علقي شهادتك في المطبخ لن ينفعك إلا رجل مقتدر، غير مسموح التأخر عن البيت، لن تخرجي هكذا، بدلي ملابسك، وممنوع السفر خارج البلد لوحدك، اجعلي من نفسك نسخة طبق الأصل عن بنت الجيران التي لها فم يأكل ولا يحكي، تحوم البيت على مدار الساعة، تجالس الجارات صباحا مع أمها، لا عرس إلا ولها فيه رقصة، بكامل زينتها -بكل تجويفها-.

لا تركضي لا تضحكي ولا تأكلي في الشارع، أما أنت فتافه وبلا هدف، أصدقاؤك مثيرون للشبهة! بماذا ستنفعك الحرفة، هذا زمن الشهادات! كان عليك الاجتهاد أكثر لتحصل على مقعد في الجامعة كابن عمك، قصة شعرك مضحكة وبنطالك مقزز، وضعيف الشخصية لا تجيد الدفاع عن نفسك، ولا التحدث أمام الناس، كل هذه الجمل وأكثر، تلحقها جملة الآباء الشهيرة "ماذا سيقول عنا الناس؟".


مع كل جيل يولد، تولد أيدولوجية جديدة، تولد أشياء أخرى كنمط معيشته، تفكيره، لبسه، أكله، قصة شعره، أسماؤه ومسمياته، صوت غنائي، مشاهيره -حتى ولو ساد الحمقى- وينشأ معه أيضا صراع مع الأجيال السابقة العنيدة المكابرة، وبؤرة الصدام الآباء والأمهات المؤصلين، من يرون -ونرى- أنهم النسخة الأصيلة أمام هذا الجيل المسخ، فلا تكاد تخلو جلساتهم العاجية من استذكار لفخامة ماضيهم وتكرار لجملة "والله لم نكن هكذا"!

لكل جيل وظيفة هُيئ لها، ومن مهماته أن يورث تجاربه لمن بعده، لا فرضها عليه، لطالما حرمنا من خوض تجربة، وتعطلت فكرة، وصفدت العقول المستنيرة، ما منع النور عنها إلا تحجر العقل القديم

ومن هنا يبدأ تلاطم الشعور: أنت تحبهم وتراهم محقين حقا في كل ما قالوا وفعلوا، خبراتهم قديسية بامتياز، قسوة الظروف التي جعلت منهم حكمة تمشي على الأرض، لكنهم يصبغونك ويلقمونك كل ما أكل عليه دهرك وشرب، متجاوزين زمنهم، معتدين على زمنك، غير معترفين بشرعية ميلاد حقبتك، ضاربين بكل ما تفعله عرض الحائط، فكل ما تفعله لن يساوي دراسة الجِد على ضوء الشمعة وقطعه الوادي يلحقه قطيع كلاب مسعورة ليصل مدرسته، وحنكة الأب وذكاءه وجلده وتعبه ليجعل منك إنسانا بطول وعرض.

كلما جاء جيل نعترف سرا وعلانية بعظمة الجيل السابق: كان جيلهم أكثر خُلقا، أدبا، تواصلا، حميمية، الحياة صافية، ونقاؤها في بساطتها، هادئة تخلو من كل سموم الانحراف المقنع بالتمدن والتحضر والتقدم، الذي لم يوصلنا إلا لآخر الدور حتى خرجنا منه، شجرة العائلة بأوج تماسكها، الأسر الممتدة رواسخ للمجتمع، ووصلات تآزره وتلاحمه، المجتمع الذي يخلو من كل تفاهات وسقاطات ومهزلات تلوثت بها أجيالنا، لم تسرطنه التكنولوجيا الضوضائية، التي نهبت الوقت والمنطق والعطف وتفقد الجار وتمييز من جد حتى يجد.


لكن، ليس لجيل أن يعيش زمنه مرتين، زمن الحريات ومنابر التواصل الإلكتروني تُسمع خطبها لكل لون وجنس ولغة ودين في العالم، ليزر للعلاج، ذهب أسود غير ملامح العالم، تغير مناخي مدمر، وزيارات للمريخ، عوالم افتراضية، برمجة جديدة للعقل والمادة، أزياء تضيء في الظلمة، لا ألغاز برمودية، فلكل حدث تفسيره، تضخم متسارع للعلم، ولا تتوقف الاختراعات، حلول عديدة لكل مشكلة، لغات العالم تترجم بكبسة زر، زواج علني ومشروع للأجناس المتطابقة في بعض البلاد!

قراءة لما توسوس به الصدور، وأجهزة لكشف الكذب، رموز مقدسة على مدار قرون سقطت، وعلت أخرى، تعرف كل ما يحدث في العالم أثناء قيادة السيارة، ولغة سعينا المال، لا يمكنك إيقاف هذا، ومن غير الممكن اعتزاله كليا، أنت رهين زمنك، ومن غير العقلاني تراجعك الآن، مسؤول لتصحح ما تراه خطأ، وآثم لو لم تفعل، أما ما ليس عدلا، هو أن يعيش غيرنا دورنا المطلوب منا، ويملي علينا ما علينا، حتى لو كان أكثر خبرة، سوف يجعل من اختلافنا تخلفا، فالتجربة أساس الخبرة، نالوا حكمتهم بتجاربهم، وهذا ما علينا تعلمه منهم.

الاختلاف متواجد في الجيل الواحد، فكيف به بين جيلين وأكثر، وخلافتنا على الأرض أساسها التغيير، ولو خشينا التغيير خوفا من ما يقوله الغير فلن تعمر ولن تدور

مواقع التواصل
 

لكل جيل وظيفة هُيئ لها، ومن مهماته أن يورث تجاربه لمن بعده، لا فرضها عليه، لطالما حرمنا من خوض تجربة، وتعطلت فكرة، وصفدت العقول المستنيرة، ما منع النور عنها إلا تحجر العقل القديم، والخوف من المجتمع، أو العادات والتقاليد، وما هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم فسمموا بها حياتنا، كم بدونا عكس ما نخفي، لأن ما نخفيه لا يرضي الناس، وكم كتمنا كلمة حق خوفا من عدم تقبلها، تتشوه دواخلنا حتى نبدو كما لا نشبه، نتصرف كما يجب لا كما نحب، كل مفروض عيب رفضه، وكل ممنوع مشين مساسه، وفي حقيقة الأمر أنت لا تعلم ما سبب فرض هذا ومنع ذاك، وكثرة انتقادك وقاحة! حرياتنا مقيدة بسلاسل يقبض عليها ألسنة الناس الذين يعيشون في عقول الآباء، ننفصم كليا، بين ما نحلم أن نكونه وبين ما تلبّسنا به، نتناقض، ثنائية القطب تجلدنا، نُسجن في زاوية مثالية واحدة لإرضاء الناس، ولن ترضى، فكل يرى من زاويته بعينه ومستواه.


وهكذا يستمر الآباء بنحت الأبناء حتى توأد روح الإبداع، وتطمس البصمة الخاصة، بتهمة الخوف من الانحلال والضياع، وبدلا من حسن استماع الأب لابنه، فيكون أذنه التي تصغي لما يواجهه من زمنه، وخلق ساحة آمنة لنقاش فيه برّ للكبير ورحمة للصغير، تقلب الموازين، ويُطغى عليها، فيصير على الابن أن يسمع وينفذ، وإلا فالعقاب أو النبذ أو تنغيص العيش مصيره المحتوم، فتستسلم العقول الجديدة لعادات القديمة وتتقزم، ويصير الطير نعجة طبق الأصل من القطيع، ينحني بين الرؤوس المفرغة، فلا جو مريح، ولا بيئة مناسبة للتطور المنشود.


إن الاختلاف متواجد في الجيل الواحد، فكيف به بين جيلين وأكثر، وخلافتنا على الأرض أساسها التغيير، ولو خشينا التغيير خوفا من ما يقوله الغير فلن تعمر ولن تدور، وإن أسمى الشعوب تلك التي تناغمت أصالتها العريقة الحكيمة فيها مع تمدنها وتطورها، فعاش كل جيل مرحلته، وخاض تجربته، ولم يجتر نفسه، وخير من صحح المسار هو من تعلم من أخطاءه لا من أخطاء غيره، فعمر وأثمر، وعلينا أن نؤمن أنه ما بين نفخ في الروح ونفخ في الصور، تعاقب وتبديل وتجديد، جيل من بعد جيل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة