أميمة
أميمة
820

لا يعذر أحد بجهله للقانون

13/2/2018
لم يثر انتباهي في المجال القانوني شيء بقدر ما أثارته هاته العبارة "لا يعذر أحد بجهله للقانون"، كثيرا ما تلتها ألسن الأساتذة في الحرم الجامعي، وكثيرا ما وجدتها بين أسطر كتابات الفقهاء القانونيين، فهي قاعدة مسلمة في هذا المجال، ترد عليها استثناءات قليلة جدا، على اعتبار أن القانون يتميز بالعمومية والتجريد (إلى جانب خصائص أخرى)، بمعنى أن أحكامه تسري على الكافة دون تمييز، بغض النظر عن جنسية المخاطب أو سنه... بل حتى هاته الحالات تتم مراعاة أوضاعهم الخاصة فقط، وأحيانا يمكن أن يحكم عليهم بالتعويض إذا قاموا بأعمال غير مشروعة.

كما لا يجوز الاحتجاج بجهل القانون إذا كان الشخص خارج الوطن أثناء صدوره، أو أنه كان مريضا حينها أو أنه أمي لا يستطيع القراءة. بالإضافة لكون هذه القاعدة من حيث نطاق تطبيقها على الأشخاص لا تسري على المواطنين فحسب بل حتى الأجانب، فبمجرد صدور القانون ونشره بالجريدة الرسمية يصبح ملزما للجميع. فالنشر إذن؛ هو ذلك الإجراء الذي من خلاله يتعرف المرء على نص التشريع، وبذلك يكون النص القانوني بعد مروره بكل من عمليتي الإصدار والنشر قد استوفى كامل الشروط اللازمة لنفاذه، فيصير من المستحيل بعد هذا وذاك الاعتذار بجهله.

من هنا يمكننا أن نستجلي الأهمية البالغة التي تحملها المعرفة القانونية، فالقانون وحدة لا يمكن تجزئتها عن المجتمع، حتى لو حاولت الهروب من تعقيداته، ستجد نفسك مصطدما به، فهو يحكم حياتك منذ ولادتك، إلى حين مماتك.. وبالرغم من صعوبة الإلمام بجميع النصوص القانونية إلا أنه من الضروري إدراك بعضها.

من واجب الإعلام كوسيلة لتعبئة الرأي العام بالمعلومات والأخبار أن يحاول قدر الإمكان نشر وعي قانوني بين المواطنين حتى يستطيعوا إدراك ما لهم وما عليهم
لا أزال أذكر إحدى المقالات التي قرأتها في جريدة الصباح المغربية، والتي تحكي عن بدوية في الستين من عمرها، حين سألها ممثل النيابة العامة عما نسب إليها من نصب وخيانة الأمانة فكانت إجابتها: "لا يعذر أحد بجهله للقانون.. كثيرا ما يتم الاستشهاد بها في قضايا معينة، إذ يتطلب أن يكون الشخص على إلمام ولو بسيط بأبجديات القانون، حتى لا يرتكب جرائم أو مخالفات أو أن يضيع حقه بسبب ذلك الجهل"، عندما سألها ممثل الحق العام عن علاقة ذلك بالموضوع، أجابته أن الفصل الأول من القانون الجنائي المغربي ينص ألا يعذر أحد بجهله للقانون، وهي قاعدة لا يجوز مخالفتها، مشيرة إلى أن الشكاية لا تستند إلى دليل مادي في اتهامها بالنصب والخيانة. استغرب القاضيان، بدوية يبدو من خلال لكنتها أنها لم تلج المؤسسة التعليمية من قبل، لكن كيف اكتسبت هاته المعرفة القانونية! وعندما سألها عن سندها القانوني أجابته وكأنها خبيرة في هذا المجال.. هنا ازداد فضول القاضي مما جعله يسألها هل استشارت في الواقعة محام من قبل، فأجابت بالنفي، مشيرة أن الأبجديات القانونية التي تعرفها ورثتها عن أبيها الذي كان يلقنها لها كي لا يضيع حقها بين الناس.

لكن هل الجريدة الرسمية وسيلة كافية لعلم المواطن بالنص القانوني؟
لا جدال في أساس هذه القاعدة، فهي ترمي إلى تحقيق العدل لا محال والحرص على المساواة، وتحقيق العدل العام والصالح العام بما يؤكد سيادة النظام والقانون في المجتمع، وإلا سوف تعم الفوضى ويجعلها الجميع حجة للتملص من العقاب. لكن ما يثير نوعا من اللامنطق هو الوسيلة التي يتم الاستعانة بها و"الاكتفاء" بها لإخبار الناس، دون نسيان النص المعقد الذي يأتي فيه النص القانوني والذي لا يمكن استيعابه إلا من خبير في المجال، والتوقع من مواطن بسيط إدراكه وفهمه.. هذا الأمر يدفعنا للتساؤل عن الوسائل التي يمكن الاعتماد عليها كحل مثالي لنشر الوعي القانوني والثقافة القانونية بين الأفراد.

هنا يبرز دور الإعلام، فمن واجبه كوسيلة لتعبئة الرأي العام بالمعلومات والأخبار أن لا يغفل هذا المجال، ويحاول قدر الإمكان نشر وعي قانوني بين المواطنين حتى يستطيعوا إدراك ما لهم وما عليهم، وذلك عبر برامج تحسيسية تبين أهمية هذا المجال بطريقة يمكن استيعابها من جميع فئات المجتمع، تعتمد على البساطة والوضوح، مع تجنب الكلمات القانونية الصعبة. كما يمكن للنشرات الإخبارية التي تبثها الإذاعات الوطنية والتي تعرض بصفة يومية، وتلاقي اهتماما كبيرا من المواطن أن تحرص على عرض كل ما يطال القانون من مستجدات..

"درست القانون لأعرف كيف تغزل الخيوط التي منها تحاك أكفان الحق والعدل"
 (ميخائيل نعيمة) 
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة