رمضان أحمد بريمة
رمضان أحمد بريمة
275

استقالة زوما وتنصيب رامافوسا.. دروس وعبر من جنوب إفريقيا

17/2/2018
بعد شد وجذب، اختار الرئيس جاكوب زوما (75 سنة) أخيرا الاستقالة بدل الإقالة، ليحل محله بالتصويت في البرلمان رجل الأعمال المعروف سيريل رامافوسا رئيسا لجمهورية جنوب إفريقيا. ما بين استقالة زوما وتنصيب رامافوسا دروس وعبر في المؤسسية والعمل السياسي الرشيد، ما انفكت جنوب إفريقيا تقدمها للعالم منذ هبوطها الآمن بنظام الفصل العنصري في نهاية الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، على يد الرجل الأسطورة نيلسون مانديلا. وعلى الرغم من الغبار الكثيف المثار حول الرئيس زوما الذي أفقد الحزب حوالي ٢٠% من قاعدته الشعبية وفق آخر انتخابات نيابية، يبدو أن مستوى النضج الذي أديرت به أزمة زوما قبيل استقالته كفيلة باستعادة الحزب لمكانته الرائدة في الانتخابات البرلمانية في ٢٠١٩.
 

واجه زوما عواصف أخلاقية عاتية عام 2005 قبل تسلمه الحكم؛ عندما اتُهم بجريمة اغتصاب ابنة أحد رفقاء النضال، وبالرغم من أنه نجا من تهمة الاغتصاب بإثباته أن الممارسة كانت توافقية، إلا أن البعد الأخلاقي لممارسة الجنس مع ابنة رفيق الدرب المتوفى ظلت تطارده طوال فترة حكمه. لم تخلُ سنوات حكم زوما من تهم الفساد واستغلال السلطة وما تبع ذلك من جرجرة في المحاكم، وقد نجا من أكثر من محاولة لسحب الثقة منه في البرلمان، وقد أدين مستشاره المالي شبير شيخ بالفساد، وكانت أشهر قضية فساد شغلت الرأي العام هي التحسينات الأمنية التي أجريت على مسكنه في قريته "انكادلا" بمبلغ مليوني دولار تقريبا، ولكن فشل القضاء في إدانته.

 

هناك بعض المحللين الذين يرون أن الدعاية السالبة ضد الرئيس زوما مردها إلى توجهه الاشتراكي في بيئة إعلامية تهيمن عليها الرأسمالية المتوحشة

والقضية الأكثر استحواذا على الإعلام هي علاقته المشبوهة بعائلة قوبتا الهندية المشهورة، والتي تتولى العديد من المشاريع في جنوب إفريقيا، من بينها خدمات استخراج التأشيرات بالإنابة عن وزارة الداخلية، مع أن القضاء لم يستطع إدانته. ولكن يبدو أن هذه المرة كانت ستنكسر الجرة بعد أن أجمعت الأحزاب السياسية بموافقة كاملة من الحزب الحاكم على سحب الثقة من زوما في البرلمان، غير أنه باغتهم جميعا وقدم استقالته في ليلة ١٥ فبراير ٢٠١٨.

 

لقد برهن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي على مستوى من النضج عبر السنوات الماضية، إذ صبر على زوما ومشاكله الكثيرة، وأبدى تماسكا منقطع النظير حتى انتخاب سيريل رامافوسا رئيسا في ديسمبر ٢٠١٧، بعد أن اطمأن الحزب على أن خليفة زوما شخصية مقبولة لدى غالبية الشعب بمختلف خلفياته العرقية، ورأى ضرورة التخلص من زوما قبل إكمال دورته الرئاسية الثانية التي ستنتهي في ٢٠١٩، ذلك لأن زوما أصبح عبئا ثقيلا على الحزب. وعلى الرغم من أنه لم يحدث أن أدين بصورة مباشرة في أي من الجرائم المتهم فيها، إلا أن الزخم الإعلامي حوله ألقى بظلاله على سمعة البلد اقتصاديا، وعلى سمعة الحزب شعبيا؛ اقتصاديا تباطأ النمو الاقتصادي إلى 1.5%، وارتفعت البطالة إلى 28% بدلا من 23% في السنة التي تولى فيها الحكم في 2009، وشعبيا خسر الحزب 20% من دوائره لصالح المعارضة. 

 

هناك بعض المحللين الذين يرون أن الدعاية السالبة ضد الرئيس زوما مردها إلى توجهه الاشتراكي في بيئة إعلامية تهيمن عليها الرأسمالية المتوحشة. وربما كان ذلك سببا في عدم تأثر الجماهير بالدعاية الإعلامية، لأن القواعد الشعبية في جنوب إفريقيا تؤمن بقياداتها، وهي التي تدفع بهم إلى المواقع القيادية، إذ خبرتهم أيام محنة الفصل العنصري، عندما كان نظام الفصل العنصري (الأبرتايد) يمتلك زمام الإعلام، فتعودت القواعد الشعبية للحزب أن تكون لها مصادرها الخاصة. لذلك فشل الإعلام الرأسمالي في أن يحول دون مجيء زوما إلى السلطة على الرغم من الحملة الشرسة التي تعرض لها قبيل تسلمه الحكم من الرئيس السابق تابو مبيكي، الذي أجبر بنفس الطريقة على التخلي عن السلطة قبل إكمال دورته الرئاسية.

 

 جاكوب زوما يعلن استقالته (رويترز)

 

تجلت مؤسسية الحزب في الطريقة التي أدار بها الأزمة، حيث كان زوما يرى أن يسلم الحكم للرئيس الجديد بعد شهر يونيو القادم لتحقيق هدفين اثنين، داخليا وخارجيا؛ داخليا: لطمأنة جماهير الحزب بأن الحكم انتقل بسلاسة، بحيث يظهر الرئيس المنتهية ولايته والرئيس الجديد في مناسبات عامة مع بعضهما البعض. وخارجيا: يقوم زوما بتقديم الرئيس الجديد لمجموعة البريكس (التي تضم أيضا روسيا والصين والهند والبرازيل)، وكذلك لمجموعة السادك (المنظومة الاقتصادية لدول الجنوب الإفريقي)، وذلك لطمأنة الشركاء أن الأمور في البلاد بخير. غير أن قيادة الحزب رأت أن وجود زوما في السلطة لمدة ستة أشهر أخرى على ضوء الأزمات التي يثيرها، لا سيما بعد انتخاب البديل الأنسب، لم يعد مبررا. لذلك طلبت منه إما الاستقالة بإرادته أو الإقالة في البرلمان بسحب الثقة.

 
وعلى الرغم من المرارة التي يشعر بها الرئيس زوما، وقوله بأن حزبه خانه، فإنه أكد على أنه قرر الاستقال حفاظا على وحدة الحزب، قائلا "لا أريد أن يقول الناس انقسم الحزب بسبب زوما"، مؤكدا ولاءه للحزب وأنه فرد من أفراده.

  
لقد التزم حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم طوال الأزمة بموقف أخلاقي رفيع، ولم يذكر زوما بسوء، وقد حاول الإعلام استفزاز الناطقين الرسميين باسم الحزب، فكان إصرارهم على أن زوما تم استدعاؤه من الحزب وليس لأنه ارتكب جريمة. مسألة تشويه سمعة الأفراد كنتيجة لاختلافات سياسية أو نتيجة لأخطاء سياسية ارتكبوها ليست واردة في سياسة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، لأن القاعدة التي أرساها الزعيم الراحل نلسون مانديلا هي أن لا تكره الشخص لشخصه، وإنما تكره أفعاله السيئة، وبمجرد أن يتخلى عن أفعاله السيئة زالت الكراهية. لذلك عندما تخلى البيض عن أفعالهم العنصرية لم يعد هناك مصوغ لكراهيتهم.

  

رئيس جنوب أفريقيا الجديد "سيريل رامافوسا" (رويترز)

 

جنوب إفريقيا تحت قيادة الرئيس الجديد سيريل رامافوسا مقبلة على مرحلة جديدة ملؤها التفاؤل، أشبه بمرحلة ما بعد انهيار نظام الفصل العنصري. لقد شهدت العملة المحلية (راند) قفزة نوعية بمجرد انتخاب الرجل رئيسا لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، مما يشير إلى رضى الدوائر المالية عنه.

 
كان رامافوسا (66 سنة) المفاوض الرئيسي عن الحزب في المفاوضات التي جرت في بداية التسعينيات بين نظام الفصل العنصري بقيادة فريدريك دكليرك، وبين حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بقيادة مانديلا، وأفضت إلى إنهاء نظام الفصل العنصري، وتكوين حكومة انتقالية برئاسة مانديلا وديكليرك نائبا.

 

رامافوسا هو الرئيس المستقبلي الذي اختاره مانديلا بنفسه، وطلب منه وقتها أن يتفرغ للمال والأعمال، وأصبح من كبار رجالات الأعمال في البلاد. فهو إذن يجمع بين المتناقضات التي تجعل منه رئيس المرحلة: كونه مقبولا لدى رجال الأعمال بحكم أنه رجل أعمال، وبالتالي مقبول دوليا، وكونه مقبولا لدى القواعد الشعبية بحكم أنه كان في قيادة الاتحادات العمالية بجانب دوره المحوري في إنهاء نظام الفصل العنصري عبر التفاوض. هذا فضلا عن أنه مقبول لدى المعارضة بكل أطيافها باعتبار أنه رجل الحلول الوسطية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة