عبيدة عامر
عبيدة عامر
316

التسوية الكبرى.. كيف تعيد روسيا تشكيل الصراع السوري بالكامل؟

20/2/2018

«أنا واثق أن قرارنا كان صائبا. لولا تدخلنا لكانت دمشق ستسقط خلال أسبوعين أو ثلاث بيد "الإرهابيين"».
(وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ١٧ يناير (كانون الثاني) ٢٠١٧)

 

بعد أربعة أعوام ونصف بالتمام على اندلاع الصراع السوري، بدا وكأن كل شيء يجب أن يمر من قاعدة "حميميم" العسكرية الروسية: المقاتلات الروسية التي غيرت كفة الحرب، الباصات الخضراء التي تحمل الصحفيين، حاملات الطائرات الروسية والسفن الحربية ذات الرؤوس النووية، بعض الشخصيات التي تصفها روسيا بالمعارضة، وجهاء بعض المدن والبلدات والقرى، بل وحتى رئيس النظام السوري نفسه بشار الأسد (الذي سافر منها بطائرة إليوشين روسية للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين)، والذي يبدو قصره الجمهوري، المطل على دمشق، مجرد منصة إعلامية للقاء الصحفيين الأجانب.

 

داخل "حميميم" نفسها، والممتدة على مساحة تقارب الثلاثة آلاف متر مربع، والتي أسستها روسيا منتصف عام ٢٠١٥ جنوب مدينة اللاذقية على الساحل السوري، ستجد أكثر من خمسين مقاتلة روسية حديثة من طراز ميغ وسيخوي، ومروحيات روسية مقاتلة وطائرات بدون طيار، وعددا من الفرقاطات المقاتلة وحاملات الطائرات ومنصات إطلاق الصواريخ، بعضها مؤهل لحمل رؤوس نووية، ويعيش بها بحماية روسية كاملة أكثر من ٤٠٠٠ جندي مشاة روسي، يقضون أوقاتا جميلة في المطاعم والنوادي، مستمتعين بالمغنيات والفرق المسرحية والثقافية، والتكريمات شبه اليومية التي تريدك دعاية "روسيا اليوم" -الأشبه بدعاية الحرب الباردة- أن تعتقد أنها كل شيء هناك. ولكن بالطبع، ليس الأمر كما يبدو عليه.

 

على إثر "١٩١٦٠ مهمة قتالية، و٧١ ألف غارة جوية" حتى مطلع يناير ٢٠١٧، تبدو خيارات المعارضة السورية قاتمة وشبه معدومة، بعد أن خسرت معقلها المدني الأكبر في حلب نهاية عام ٢٠١٦

قرب "حميميم" في مدينة اللاذقية، أصبح الوجود الروسي أمرا طبيعيا، وأصبحت الكلمات اليومية الروسية منتشرة كانتشار الفودكا الروسية، والتي استبدلها أصحاب محلات الخمور بالعرق (فخر الصناعة السورية)، مثلما اختفت صور الرئيس الأسد مع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، لتحل مكانها صوره مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الشهير لدى الأوساط المؤيدة بـ"أبو علي بوتين"، والذي يبدو أنه حول الهدف التكتيكي لحملته العسكرية في سوريا من: "تثبيت النظام السوري، وتهيئة الظروف لتسوية سياسية"، بحسب ما أعلن بعد عشرة أيام من بدء الحملة في ٣٠ سبتمبر (أيلول) ٢٠١٥، إلى هدف استراتيجي دفعه لتوقيع اتفاقية لمدة ٤٩ عاما قابلة للتمديد ٢٥ عاما أخرى، ببقاء قاعدة "حميميم" العسكرية، والقاعدة البحرية الروسية القديمة في طرطوس، آخر منافذ روسيا للشرق الأوسط، والتي تأسست كتدشين لعلاقات قديمة وإستراتيجية مستمرة بين روسيا وسوريا عام ١٩٧١، ودفعت روسيا للتدخل بكل ما تملكه لتثبيت حليفها الأخير في الشرق الأوسط.

 

بخليط من الدوافع الشخصية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاستعادة روسيا كقوة عظمى في العالم، ورغبة جيوسياسية بملء الفراغ الأمريكي في الشرق الأوسط، وخوف من الثورات الملونة (التي يراها الروس توغلا للوجود الأمريكي في المنطقة) والفوضى التي تعقب تغيير الأنظمة، خصوصا بعد الربيع العربي؛ عادت روسيا إلى الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات، عبر سوريا، التي تشهد صراعا محليا وإقليميا ودوليا معقدا. والأهم، أنها عادت لتبقى، وسط حلفائها وأعدائها الكثر على السواء. ولتتمكن من ذلك، لم ترض روسيا أن تدخل كحجر شطرنج آخر على رقعة الصراع السوري المزدحمة بكل أنواع الحجارة، مثلما فعلت إيران على سبيل على المثال، بل قلبتها تماما، ثم بدأت تعيد ترتيبها بمثلث من التسويات: العسكرية، السياسية، الاجتماعية، والمتوزعة على الأطراف جميعا: نظاما ومليشيات، ومعارضة وفصائل، ومجتمعات محلية. فكيف كان ذلك؟

 

"الحرب الهجينة".. أو التسوية العسكرية

قبل أربعة شهور تقريبا من التدخل الروسي عام ٢٠١٥، بدا أن المعركة تسير بطريقها نحو الحسم، رغم الدعم الإيراني بالرجال والعتاد والمال، وتدخل حزب الله العلني منذ عام ٢٠١٣؛ فالمعارضة تتوسع شمالا (بسيطرتها على إدلب وبدء معركة الساحل ووصولها للبحر للمرة الأولى)، وجنوبا (بسيطرتها على معبر نصيب مع الأردن، آخر المعابر التي كانت تحت سيطرة النظام)، ناهيك عن توسع تنظيم الدولة والأكراد شمال شرق البلاد، مما دفع الأسد للاعتراف بشكل علني وفي خطاب مباشر مطلع يوليو (تموز) بـ"النقص في القدرة البشرية".

  

 

اليوم، وبعد عامين ونصف فقط على الحملة العسكرية التي قالت روسيا إنها موجهة ضد تنظيم الدولة (أقل من تعرضوا لغارات روسيا خلال هذه الحملة)، تبدو الخريطة مختلفة بالكلية، فعلى إثر "١٩١٦٠ مهمة قتالية، و٧١ ألف غارة جوية" حتى مطلع يناير (كانون الثاني) ٢٠١٧، بحسب تصريحات القائد الأعلى للقوات المسلحة الروسية فاليري جراسيموف، تبدو خيارات المعارضة قاتمة وشبه معدومة، بعد أن خسرت معقلها المدني الأكبر في حلب نهاية عام ٢٠١٦، وخسرت ثقلا عسكريا ورمزيا كبيرا بفقدانها داريا أكبر مدن الغوطة الغربية، وفقدت مواقع كبيرة ومهمة في الساحل، وتركز ثقلها في إدلب، ومناطق درع الفرات (التي تدخلت بها روسيا بشكل غير مباشر لتحمي حليفها النظام)، والجبهة الجنوبية. لم تنجح روسيا إذا بإنقاذ النظام وحسب، بل استطاعت كذلك أن تتجه نحو إنهاء الصراع عسكريا.

 

فبعد سلسلة من الإصلاحات العسكرية التي بدأتها روسيا عام ٢٠٠٨، بعد فشلها الذريع في جورجيا، تضمنت إعادة تنظيم هيكلية الجيش وتسلسله القيادي، وتقليص حجمه، وإنشاء قوة رشيقة وعصرية وكفؤة بحلول عام ٢٠٢٠، ثم البدء بأكبر إعادة عملية بناء لجيشها منذ الانهيار السوفياتي، مع زيادات سنوية كبيرة في الإنفاق الدفاعي الذي من المقرر أن يستمر حتى عام ٢٠٢٠، بدت القوات العسكرية الروسية قادرة على المواجهة والنهوض من جديد، مترافقة مع انسحاب أمريكي بطيء من الشرق الأوسط، قررت به روسيا أن تعود شيئا فشيئا إلى المنطقة، بسيناريو شبيه بالسيناريو الذي اعتمدته روسيا للسيطرة على شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤، عبر سلسلة من الخطوات الاستباقية الغامضة والمكتسية بتصريحات قيادية غير واضحة الأهداف، مقرونة ببناء تدريجي للقوات، ومستفيدة من الغطاء الذي تؤمنه لها النشاطات والمنشآت الروسية الموجودة سابقا في سوريا، حيث كان الأسطول الروسي البحري مكتملا في طرطوس منذ ٢٠١٣.

 

لحظة التدخل العسكري الذي اقترحه صيف عام ٢٠١٥ كل من كبير موظفي الكريملن حينها سيرغي إيفانوف، ووزير الدفاع سيرغي شويغو، وأمين مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، وبحثّ من قاسم سليماني قائد فيلق القدس المسؤول عن العمليات الإيرانية في سوريا، الذي كان في زيارة لموسكو في الفترة نفسها؛ استهدفت أولى الغارات التي انطلقت من قاعدة "حميميم" مواقع للفصائل المعارضة في ريف حمص الشمالي وحماة واللاذقية، الخالية تماما من مواقع تنظيم الدولة، رغم تأكيد روسي متكرر على أن الحملة موجهة ضد إرهابيي تنظيم الدولة وجبهة النصرة، في ملمح بارز على هذه الحملة يعتمد على اختلاف التصريحات عن الوقائع، حتى بعد إعلان الانسحاب في مارس (آذار) ٢٠١٦، والذي رافقته زيادة في القوات الروسية في حميميم.

 

بالتداخل مع القصف، عملت روسيا على شق صف المعارضة العسكرية مرارا، حيث كشف بعض قادة الفصائل المدعومة أمريكيا عن سعي روسي حثيث لشراء ولاء هذه الفصائل

أما على الأرض، فتعتمد موسكو بالدرجة الأولى على سياسة "الاكتفاء المنطقي" reasonable sufficency، التي تستخدم أقل قدر ممكن من القدرات البشرية والعسكرية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وباستخدام العقيدة الروسية العسكرية الجديدة المسماة "حرب الجيل الجديد"، والشهيرة باسم: "الحرب الهجينة"، والقائمة على "الإكراه العابر للمجالات"، حيث تدخل الحرب التقليدية بالحرب النووية بحرب المعلومات عسكريا، متقاطعة مع عمل دبلوماسي وسياسي حثيث، وضغط مدني كثيف، تحقق من خلاله روسيا أهدافها السياسية والعسكرية على السواء.

 

وهذا ما حصل بالفعل، فبالاقتصار قدر المستطاع على الغارات الجوية، لتقليل الخسائر البشرية على الأرض من القوات الخاصة وجنود المشاة؛ لم تكن الغارات الجوية الروسية غارات عسكرية موجهة ضد خصم عسكري في معركة عسكرية، بل كانت خسائرها الأكبر هم المدنيون الذين قتلت منهم روسيا منذ تدخلها وحتى الآن أكثر من ٤١٠٠، واستهدفت أكثر من ٥٥٦ مركزا مدنيا حيويا منذ بدء الحملة حتى الآن، بينها ما يقارب الـ١٠٠ مركز طبي ومشفى، وباستخدام كل الأسلحة القانونية وغير القانونية (من الكلور والأسلحة الحارقة كقنابل النابالم والفوسفور والقنابل العنقودية)، في سياسة عقاب جماعي للمجتمعات الحاضنة للثورة، والتي دفعتها في النهاية إلى الإجلاء أكثر من مرة، كان أبرزها: حلب وداريا، اللتان صمدتا أكثر من أربعة أعوام من قصف النظام.

 

وبالتداخل مع هذا القصف، عملت روسيا على شق صف المعارضة العسكرية مرارا، حيث كشف بعض قادة الفصائل المدعومة أمريكيا عن سعي روسي حثيث لشراء ولاء هذه الفصائل، عدا عن الخطاب المعلوماتي الذي تشق به روسيا صف الفصائل المسلحة التي تقاتل بجانب جبهة فتح الشام، إذ تهددها دائما بالاستهداف ما لم تتخل عن هذا الدعم، وهو ما دفع الجبهة باتجاه مغاير لتشكيل وتوسيع "هيئة تحرير الشام"، التي استدخلت بشكل واضح عددا من الفصائل الإسلامية والمقاتلة الأخرى، بما يعقد المشهد العسكري للفصائل المسلحة، بعكس السياسة الأمريكية، مثلا، والتي أصبحت ترتكز على استهداف قادة الجبهة والمطلوبين لديها، بالطائرات بدون طيار.

 

عملت روسيا على اكتساب ود بعض المليشيات وتحويلها من وكيلة لإيران إلى أداة بيدها، أبرزها: "لواء القدس"، الذي تم تكريم قائد عملياته الذي قتل مؤخرا محمد رافع، الشهير بـ"العراب"

مواقع التواصل
 

ولا يقتصر هذا "التهجين" على الفصائل المسلحة، حيث عملت روسيا على إعادة تشكيل المشهد العسكري من جانب النظام ومليشياته كذلك، حيث ترتكز السياسة العسكرية الروسية تجاه النظام على الجيش النظامي، بعد أن أدى التدخل الإيراني إلى سحبها باتجاه المليشيات المحلية والأجنبية، حيث تنظر له كعنصر أساسي لاكتساب الشرعية السياسية والعمل العسكري، مما دفعها لتشكيل "الفيلق الخامس"، المعتمد بشكل رئيس على السوريين، عبر الضخ الإعلامي في أوساط المؤيديين النظام للانضمام إليه، وتقديم التسهيلات والامتيازات المالية للمنضمين، والمرتبط بدرجة أخرى مع العنصر الاجتماعي للاستراتيجية الروسية، المعتمدة على "المصالحات" و"تسوية الأوضاع"، مما قد يطرح إمكانية الصدام بين روسيا وإيران، لاختلاف الأدوات والمصالح والاستراتيجيات.

 

ومن جانب آخر، عملت روسيا على اكتساب ود بعض المليشيات التي أسستها إيران، ومليشيات الدفاع الوطني، وتحويلها من وكيلة لإيران إلى أداة بيدها، عبر تقديم الدعم العسكري والمادي الذي تحتاجه، ومنحها قيمة رمزية كبيرة عبر تكريمها في قاعدة "حميميم"، أبرزها: "لواء القدس"، الذي تم تكريم قائد عملياته الذي قتل مؤخرا محمد رافع، الشهير بـ"العراب".

 

"المصالحات المحلية".. أو التسوية الاجتماعية

لا يقتصر قلب الطاولة الروسي على الساحة العسكرية وحسب، إذ دخلت روسيا على الخط الاجتماعي، وأصبح دورها، بالتوازي مع الدور العسكري وكتابع له، ومن "حميميم"، يصل إلى "تنسيق المصالحة"، بحسب المركز الروسي الواقع في القاعدة العسكرية كذلك.

 

والمصالحة، بمعناها الروسي السوري العام (المختلف عن المعنى اللغوي كما هي العادة)، تأتي عادة بعد أن تكون إحدى المناطق قد استنزفت عسكريا واجتماعيا، وقرر أهلها بشكل محلي، بعيدا عن استراتيجية شاملة على طول البلاد وعرضها، إيجاد نهاية للحرب والموت اليوميين، بعد اتباع سياسة الأرض المحروقة والحصار الخانق، مترافقة مع انعدام للأفق وتراجع للتقدمات العسكرية للمعارضة بعد تراجع دعم الحلفاء، ويتم بموجبها استعادة النظام لسيطرته ونفوذه داخل هذه القرية أو البلدة أو المدينة، مقابل "تسوية أوضاع" سكانها بشكل فردي، وتعهدات بالسماح للنازحين بالعودة لمنازلهم، بعد مفاوضات تتم بين ممثلين، مدنيين أو عسكريين، للمجتمع المحلي والروس في الغالب، ومن ورائهم "وزارة المصالحة والسلم الاجتماعي" التابعة للنظام السوري.

 

الجانب الآخر والمؤثر الذي استطاعت به روسيا خلق نفوذ جديد عسكري اجتماعي لها، هو دخولها على خط الأكراد، ودعمها لما يسمى بـ"قوات سوريا الديمقراطية"

الجزيرة
 

وبحسب ادعاءات "المركز الروسي لتنسيق المصالحة"، فقد وقع ممثلون عن ٨٤٢ مجتمعا محليا اتفاقات لـ"المصالحة"، بأشكالها المختلفة، المتفاوتة ما بين تسليم المنطقة لسيطرة النظام مقابل تسوية الأوضاع بشكل فردي والسماح لمن يرغب من المدنيين بالخروج، وهو ما جرى في عدة مناطق مثل التل وخان الشيح وحي الوعر الحمصي، أو وقف إطلاق النار وتجميد الجبهة دون دخول النظام إلى المنطقة، مثل برزة وحلفايا، أو عمليات التهجير والإخلاء التي تنتهي بخروج المدنيين بالكامل من مناطقهم بـ"الباصات الخضراء" (التي أصبحت العلامة المميزة للمصالحة)، مثل داريا وحلب والزبداني.

 

وعادة، وفي معظم حالات "المصالحة"، تم أخذ غالب من قاموا بـ"تسوية أوضاعهم" إلى "الفيلق الخامس"، والزج بهم في جبهات النظام، كما تم منع المدنيين من العودة إلى منازلهم في العديد من الحالات، في امتداد للاستراتيجية الروسية المتقاطعة، التي تسعى في النهاية إلى تحقيق "اللامركزية" في البلاد.

 

الجانب الآخر والمؤثر الذي استطاعت به روسيا خلق نفوذ جديد عسكري اجتماعي لها به، هو دخولها على خط الأكراد، ودعمها لما يسمى بـ"قوات سوريا الديمقراطية"، المكونة بالغالب من الأكراد، وبعض القوات العشائرية العربية، والمدعومة أمريكيا والموجهة بشكل رئيس لاستعادة السيطرة على مناطق تنظيم الدولة، حيث استطاعت روسيا منافسة الولايات المتحدة في منبج، عبر تأسيس حزام لها في جنوب المدينة، لمنع قوات "درع الفرات" من التوغل والاستمرار في مناطق سيطرة الفصائل الكردية أو تنظيم الدولة، كما بدأت بتأسيس قواعد عسكرية لها، لحمايتهم وتأمين نفوذها داخل مجتمعاتهم، في عدة مناطق كردية، كان آخرها جيب عفرين، شمال غرب البلاد.

 

من جنيف إلى إستانة.. أو التسوية السياسية

"روسيا تحولت من طرف مباشر في القتال إلى طرف حيادي وضامن للعملية السياسية"

(محمد علوش، كبير المفاوضين في المعارضة السورية)

 

بعد هزيمة المعارضة في حلب، وتحقيق "التسويتين" العسكرية والاجتماعية هناك؛ دخلت سوريا عام ٢٠١٧ في هدنة لوقف إطلاق النار، بعد اتفاق روسي تركي على ذلك، وقررت أن تنطلق منها للدخول في مسار جديد للعملية السياسية، من العاصمة الكازخية أستانة، برعاية تركية وإيرانية، يقطع مع العملية السابقة التي بدأت في جنيف عام ٢٠١٢، والتي تقضي بتنحي الأسد ونظامه وتشكيل حكومة انتقالية مدعومة بقرارات مجلس الأمن، الذي فشل في اتخاذ قرارات أكثر حسما وحزما تجاه سوريا، خصوصا بعد الهجمات الكيماوية عام ٢٠١٣، بسبب الفيتو الروسي، الذي تكرر ست مرات على طول الصراع، وكان أكبر معرقل لأي قرار دولي يفرض عقوبات كبيرة أو يسعى للتدخل في سوريا لإنهاء الصراع.

  

من خلال أستانة، تسعى موسكو إلى احتكار مسار المفاوضات حول سوريا، والتي لعبت الولايات المتحدة سابقا دورا كبيرا فيها، مسار تراجع بسبب الانتقال الفوضوي للسلطة بعد وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض

رويترز

 

ولا يعكس الانتقال من عاصمة القرار الغربي إلى أحد عواصم وكلاء روسيا مجرد نقلة رمزية وحسب، بل يحمل في طياته تمثيلا رمزيا لصاحب القرار الفعلي حول سوريا، ومحاولة لسحب البساط السياسي من الغرب، الذي لم يعد يعنيه مستقبل الأسد في سوريا، ما دامت طائرات التحالف الدولي تقصف مواقع تنظيم الدولة، والطائرات بدون طيار تستهدف الشخصيات الواقعة على قائمة الاستهداف، كما أنه -ولعل هذا هو الأهم- استطاع سحب أنقرة (أحد أكبر داعمي المعارضة المسلحة) باتجاه موسكو كذلك.

 

لم تكن تفاصيل الاجتماع في أستانة واضحة، وكان المعلن أنها اجتماع لتثبيت وقف إطلاق النار، لكن التفاصيل، وشيطان التفاصيل، كانا يعكسان أكثر من ذلك، إذ سعت روسيا من خلال أستانة إلى إعادة ثلاثة تشكيلات جديدة للعملية السياسية: البيئة، والمعارضة، والأهداف.

 

فمن خلال أستانة، تسعى موسكو إلى احتكار مسار المفاوضات حول سوريا، والتي لعبت الولايات المتحدة سابقا دورا كبيرا فيها، مسار تراجع بسبب الانتقال الفوضوي للسلطة بعد وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للبيت الأبيض، حيث يود بوتين، بحسب الباحث جوزيف باحوط، أن يتولى زمام قيادة سيارة المفاوضات في المحادثات المقبلة، واضعا تركيا وإيران في المقاعد الخلفية، بينما قد تكون الولايات المتحدة في صندوق السيارة.

 

أما عن المعارضة، فتلعب روسيا على جانبين اثنين: تفتيت الأجسام الرئيسة الممثلة للمعارضة باستخدام "حرب المعلومات" ذاتها، وفتح المجال للفصائل للمشاركة، مما خلق انقساما وتشرذما في الصف، ما بين مؤيد لعملية أستانة ورافض لها، وأدى في النهاية إلى "تمايز" عسكري (رافقه تمايز سياسي) على الأرض، انتهى بتشكيل "هيئة تحرير الشام"، بالإضافة إلى خلق المزيد من المنصات المعارضة الأقرب إلى مشروع روسيا وأفكارها وتوجهاتها، أبرزها منصة القاهرة، ومنصة "حميميم نفسها"، مما قد يمكنها في النهاية من اختيار المفاوضين لتحقيق أهدافها.

  

 

بعد تهيئة البيئة والمعارضين، تسعى موسكو إلى تجاوز أهداف جنيف، التي تقضي بالحفاظ على سوريا مركزية وموحدة والبدء بعملية انتقالية لإيجاد بديل للأسد، ووضع أهدافها السياسية الخاصة، والقائمة على "مكافحة الإرهاب" و"تحقيق الأمن"، عبر توطيد مناطق النفوذ والدويلات القائمة، سواء في مناطق سيطرة النظام، أو غالب مناطق سيطرة المعارضة، أو الفصائل الكردية، من خلال عقد مصالحات واتفاقات هدنة على المستوى المحلي، كخطوة ضمن الخطة الأكبر التي تسعى لتطبيق اللامركزية في البلاد، بشكل دائم قد يبقي الأسد، ولو في مناطق "سوريا المفيدة" فقط، بالإضافة ربما للدعوة لانتخابات برلمانية شبيهة بالحالة اللبنانية، تشارك بها الأطراف المتنازعة جميعا، وتشكيل مجلس عسكري من جنرالات للنظام وثوار سابقين، وحكومة "وحدة وطنية" تنفيذية لا تمس جوهر النظام، وتشرف على خطة إعادة الإعمار.

 

تبدو الاستراتيجية الروسية واضحة في كل المجالات (السياسية والعسكرية والاجتماعية) إذا: تفتيت ثم استقطاب وتودد ثم إعادة تشكيل للبيئة الناظمة، مما يطرح تساؤلات حول إمكانية وقدرة موسكو على إدارة كل هذه النقائض في وقت واحد، فمثلا؛ بتوددها من الأكراد عسكريا واجتماعيا تعادي تركيا حليفتها السياسية، كما أنها إن أرادت إعادة تشكيل الجيش النظامي ستعادي إيران، التي تختلف "سوريتها المفيدة" عن "سوريا روسيا المفيدة"، في وقت تعاني به من نزيف اقتصادي يمثل العصب المادي لكل عملياتها العسكرية وأحلامها التوسعية في الشرق الأوسط، وبدأت تشهد به نزيفا بشريا على أرض تكرهها، وفي مجتمعات تنتظر الفرص لتقتل من جنرالاتها ما استطاعت، بعد أن دمرت بنيتها التحتية لتعيد إعمارها، وفككتها لتعيد تشكيلها. فهل تستطيع روسيا الصمود على مدى طويل؟ الوقت وحده، وقريبا كما يبدو، هو الكفيل بالإجابة عن ذلك.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة