يوسف بكاكرية
يوسف بكاكرية
354

النفاق الافتراضي

20/2/2018
هي سنوات قليلة انقلبت فيها حياتنا رأسا على عقب، حياة تحول فيها المتن هامشا، والهامش متنا، وأصبحت فيها توافه الأمور ضرورة، والضروري غدا تافها، حياة أصبح فيها الزمن سرمديا لا بداية ولا نهاية له، حياة انتفت فيها ثنائية الروح والمادة، لتحل محلها ثنائية المادة والمادة، ولا بديل لغير المادة. قبل سنين خلت، كانت مجتمعاتنا تسير وتنظم وفق نمطين من التشريع والقوانين: الديني الروحاني المستنبط من النصوص الشرعية والدينية، أو الوضعي المدني الذي وضعته السلطة السياسية، وهو في أغلبه مستنبط من خلفيات فكرية وسياسية غربية، أما الآن فلا شريعة ولا قانون يسير مجتمعاتنا سوى المصلحة الشخصية لكل فرد لوحده من أفراد المجتمع الواحد، وهو ما انعكس حتى على ما تشهده حياتنا من تطور، بغض النظر عن كونه إلى الأحسن أم إلى الأسوأ .

يتغنى الكثيرون اليوم بما تشهده الإنسانية من ثورة في عالم الرقميات والتكنولوجيا، وكأنهم ورثوها عن أجدادهم الذين حلبوا النوق وسكنوا الخيام وهم لا يعلمون أنه مجرد مستهلكين سذج لما ينتجه الغرب لخدمة مصالحه هو وتعطيل مصالحنا نحن، لأنه يعلم جيدا أن وعينا المتدني لن يحسن استعمال هذه الابتكارات، فمارك زوكربيرغ ابتكر هذه النافذة الزرقاء ليسهل حياة الإنسان ويسهل عملية المثاقفة وتطوير الذات، ولكن طريقة استغلالنا لهذا الشيء ينطبق عليها فعليا قول الشاعر:
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا

الهوية.. ذلك الكل المركب والقضية الفلسفية التي أرقت جميع الباحثين في جميع التخصصات، لم نعد في حاجة لها في ظل ما تشهده مجتمعاتنا من إفلاس في القيم والمبادئ التي كانت قديما تجسم وتنحت هويتنا
فهذه المواقع التي سهلت الحياة العامة للفرد الغربي وجعلته يسير أموره بكبسة زر، على العكس تماما عندنا، لأنها لم تقدم لنا خدمة قط، سوى أنها فضحتنا وكشفت وجوهنا الحقيقية للعالم، وأرت للناس كم من الحقد والبغض والعنصرية تشبعت بها النفس العربية عبر مختلف مراحل التاريخ، لأن هذه المواقع التي يسعى الكثير اليوم من خلالها لرسم تلك الصورة المثالية والساذجة عن أنفسهم، ما تلبث أن تفضحه بمجرد تعليقه على أي موضوع كان، لا يتوافق مع أيديولوجياته وأفكاره، كيف لا ونحن في زمن اضمحلت فيه فكرة مقارعة الحجة بالحجة لتحل محلها مقارعة الشتيمة بالشتيمة، ناهيك عن هتك أعراض الناس والتدخل في حياتهم الشخصية لمجرد خلاف بسيط قد يحل بحوار قصير، لأنه بالأساس ليس سوى سوء تفاهم ساذج.

كل هذا شيء والنفاق والبهتان الذي تمتلئ به هذه المواقع شيء آخر، فثمانون بالمئة -إن لم يكن أكثر اليوم- ممن يستعملون هذه المواقع يستعذبون تقمص أدوار المصلح الاجتماعي والمعلم والداعية والعالم والطبيب والشخصية العامة، فأغبهم يظن أنه بمجرد بضع كلمات مسروقة من حساب آخر أنه قد حل مشاكل العالم العربي، ولم يبق له سوى حل مشاكل الدول الأخرى، وهو في الواقع المعيش والفعلي لا يحسن حتى تكوين جملة مفيدة بالعامية في نقاش ساذج حول طاولة في مقهى مع ثلة من ثلاثة أشخاص، لذلك أصبحت هذه المواقع مرتعا خصبا للنكرات الذين همهم الوحيد إيجاد مكانة في مجتمعات هي بالأساس لا تحظى بمكانة بين الأمم.
 
في هذه المواقع انتفت عديد المفاهيم التي قضى النقاد وعلماء الاجتماع وعلماء النفس سنين في ضبطها وتحديد كنهها وماهيتها، فتقسيمات جرامشي للمثقف وتحليلات لوكاتش وإدوارد سعيد وغيرهم قد ذهبت أدراج الرياح، فأين مثقف اليوم من تلك المفاهيم، فمثقف اليوم لم يعد يتحمل عناء التأليف والنشر والتنظير لسنين طوال وتلك العزلة النفسية والحسية، بل هي بضع كلمات وصور عن تنقلاته حول العالم على أن تتناسب والضرورة الزمنية حتى يحصل على الآلاف من التفاعلات وتعليقات المجاملة الساذجة، والتي غرضها الأول مصلحة يسعى المجامل للحصول عليها في ما بعد..
 
أما الهوية ذلك الكل المركب والقضية الفلسفية التي أرقت جميع الباحثين في جميع التخصصات، لم نعد في حاجة لها في ظل ما تشهده مجتمعاتنا من إفلاس في القيم والمبادئ التي كانت قديما تجسم وتنحت هويتنا، فسابقا كنا نكتشف ضعفنا بعلاقتنا بالآخر أما اليوم فصار الأمر أصعب بكثير لأن الأنا والآخر يسكنان نفس الجسد، فنحن الأنا ونحن الآخر، لأننا أدركنا بعد مدة طويلة أن الصراع لم يكن يوما مع الغربي أو الأجنبي، بل الصراع بالأساس لم يخرج بعد من ذواتنا، لأنها ما زالت تعاني من ذلك الانفصام، ليس في شخصيتين فقط بل في شخصيات عدة، فالنفس العربية لم تعد تستطيع مسايرة الوتيرة المتسارعة في هذا التطور، لذلك تتسع الفجوة كل يوم بيننا وبين واقعنا، ولم نعد حتى ندرك في أي زمان وفي أي مكان نعيش.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة