د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
628

لماذا كان من المستحيل على عبدالناصر أن يقود حربا؟

21/2/2018

ماذا لو أننا تصورنا شخصا آخر مكان أنور السادات في منصب القائد الأعلى في حرب أكتوبر 1973.. وليس هناك بالطبع أفضل لهذا التصور من الرئيس جمال عبد الناصر بكل أمجاده.. وهو الذي كان كل واحد من أنصاره يتمنى له بل ويتحرق شوقا لأن يقود ناصر حربا ينتصر فيها على عدو.. أي حرب..  وهو أيضا الذي كان يتمنى له أنصاره لو أنه كان قاد مثل هذه الحرب المجيدة في أكتوبر 1973. وفي الواقع الذي يصوره لنا استيعابنا للتاريخ أنه كان يستحيل على الرئيس عبد الناصر أن يقود حرب أكتوبر لعدد كبير من الأسباب، نكتفي بأن نذكر أربعة منها:

السبب الأول:

لم يكن الرئيس عبد الناصر مثلا قادرًا على أن يتخلى عن الخبراء السوفييت.. وهو الذي أحس في قرارة نفسه بالإحباط العميق من ضعف أو ارتباك عناصر القيادة الوطنية العسكرية في 1956 و1967.. وصحيح أن إحباطه هذا كان يمكن -على أيدي المؤرخين والكتّاب- أن يبلور ويركز في شخص عبد الحكيم عامر.. لكن عبد الناصر نفسه لم يكن يفعل هذا لأنه كان قد رأى بعيني رأسه وسمع بأذنيه بعض ما يجعله لا يتصور قدرة هؤلاء القادة -الذين زاملوه وزاملهم- على إدارة معركة.

 

لم يكن أداء عبد الناصر يتحمل الصبر والمواظبة على هذا التكتم الشديد الذي وظفه السادات وأجاد توظيفه من أجل تحقيق المفاجأة لعدوه.. ولم يكن الخطاب الناصري يتحمل هذا التواضع في الحديث عن النتائج

وربما كان السبب في ضعف أداء هؤلاء القادة أمام عبد الناصر يرجع إلى ما كان عبد الناصر نفسه قد وصل إليه من مجد و«كاريزما»، واقتراب من التأله حتى كان القائد الكبير من هؤلاء لا يتصور نفسه قادرًا على أن يجادل عبد الناصر في التفصيلات العسكرية أو يشرح له خطة أو تكتيكا حتى لا يصبح أقرب إلى منْ يعدون تلقائيًا من الكفار!! وكان كل قائد من هؤلاء يبدو مفضلًا لبديل آخر على الاتهام بالكفر وكان هذا البديل هو أن يتلقى التعليمات والتوجيهات من الزعيم الملهم.

 

ولا شك أن الإعداد لحرب أكتوبر واتخاذ قرارها وتوجيه دفتها ومتابعة سيرها، كان يتطلب قدرًا كبيرًا من المناقشة التي تتسم أو تقترب من الندية بين القائد الأعلى والقائد العام وقادة الأفرع الرئيسية على الأقل.. وهذا هو ما كان متاحًا في شخصية أنور السادات بقدر كبير في ذلك الوقت، ولم يكن متاحًا في شخصية عبد الناصر لا في أضيق الحدود ولا في  أندرها.. وربما كان غائبا تمامًا.

 

السبب الثاني:

لم يكن أداء عبد الناصر يتحمل الصبر والمواظبة على هذا التكتم الشديد الذي وظفه السادات وأجاد توظيفه من أجل تحقيق المفاجأة لعدوه.. ولم يكن الخطاب الناصري يتحمل هذا التواضع في الحديث عن النتائج وفي الحديث عن الأهداف.. ولم تكن خطة من قبيل خطة المفاجأة التي اعتمد عليها السادات في حرب أكتوبر لتقبل التنفيذ ولا حتى القبول من عبد الناصر بكل مجده، فقد كان عبد الناصر حريصًا على الدوام على أن يحتفظ بصورته الإعلامية الضخمة والمضخمة برغم حجم الهزيمة وما بعدها. بل فلنقل ما هو أدق، وهو أنه كان مضطرا إلى الاحتفاظ بهذه الصورة الإعلامية الضخمة وتغذيتها في كل حين وآن.

 

السبب الثالث:

لم يكن لدى الرئيس عبد الناصر أدنى استعداد للقيام بالمخاطرة.. وكان حرصه على صورته وصورة قواته المسلحة تحت قيادته أو بعد أن عادت هذه القوات إلى قيادته لا يسمح له أن يدخل في أية عملية إلا إذا كان ضامنًا نتيجتها.. ومتأكدًا من أن قواته وإمكاناته تسمح له بالتفوق.. وإذا نظرنا إلى أوضاعنا العسكرية قبل 1973 وأوضاع العدو فإننا نكتشف بسهولة أن هذا لم يكن متاحًا على أي مستوى.

السبب الرابع:

إن الرئيس عبد الناصر قد أدخل نفسه في دوامة الحسابات والحسابات المضادة وفي التحسب لصورته عند قادة المجتمعين الغربي والشرقي على حد سواء.. وكان حريصا كل الحرص على ألا يظهر في صورة البادئ بالعمليات العسكرية!! وكأنما كان من الممكن للنصر أو للحرب نفسها أن تبدأ في إطار خطوات دفاعية.. وربما يسخر القارئ من أن تسيطر مثل هذه الفكرة على عقلية رئيس مخضرم كعبد الناصر.. وربما يستغرب القارئ هذه الفكرة.. لكن الحقيقة أن هذه الفكرة كانت قد بلغت من السيطرة على صاحب القرار المصري المصيري حدا لا يمكن التقليل منه. وهناك أدلة كثيرة على سيادة هذا التفكير التحفظي.. لكني أكتفي بدليلين فقط:

 

كان من الصعب على الرئيس عبد الناصر أن يقود حربا كحرب أكتوبر التي قادها السادات بسهولة تتوافق مع شخصيته القادرة على الكتمان والجسارة والمفاجأة والمخاطرة والمجازفة

مواقع التواصل
 

الأول: هو ما كشف عنه الدكتور عبد العظيم رمضان في دراسته التاريخية الموثقة عن موقف عبد الناصر المتردد من الموافقة على اتخاذ القرار بالهجوم على «إيلات»، مما جعل أبطال هذه العملية يصابون بالإحباط مرة بعد أخرى من هذا التردد على مستوى القيادة، برغم أنهم كانوا يرون النصر ويحسونه.. ولما تكرر إحباطهم لجؤوا في النهاية إلى إغلاق أجهزة الاتصال التي كانت تنقل إليهم الأمر بالتوقف في اللحظات الأخيرة.. ولولا هذا الإغلاق لجاءهم الأمر المعتاد بالتوقف عن الهجوم، ولضاعت فرصة ذلك الانتصار العظيم في إيلات.

أما المثل الثاني الذي أستدل به على هذه الجزئية فلربما كان مثلا مذهلا، وهو البيان الأول لقواتنا المسلحة في حرب أكتوبر.. فقد نص هذا البيان على ما نعرف نحن الآن أنه لم يحدث، وهو أننا قمنا بالعبور ردا على هجوم قام به العدو الإسرائيلي.. وهكذا كان البيان الأول نفسه يضع في حسبانه أن يلقي باللائمة في بدء الحرب على العدو.. وكأنه ينزع شرف الهجوم بصورة مؤقتة من قواتنا المسلحة.. وبالطبع فإن هذا التكتيك الدفاعي عن صورتنا المحاربة كان نتيجة للحسابات التي سادت موقفنا منذ 1967.

 

وربما كانت هناك أمثلة أخرى غير هذين المثلين تدلنا على أنه كان من الصعب على الرئيس عبد الناصر، الذي أخذناه على سبيل المثال، أن يقود حربا كحرب أكتوبر التي قادها السادات بسهولة تتوافق مع شخصيته القادرة على الكتمان والجسارة والمفاجأة والمخاطرة والمجازفة وادعاء دور مناقض للدور الحقيقي الذي قام به.. وهو ما كان من المستحيل على عبد الناصر -وأمثاله- أن يقوم به على أي مستوى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة