هيا توركو
هيا توركو
474

سوريا.. في ذكرى النفي الشيشاني

25/2/2018

هل أكتب في ذكرى النفي الشيشاني عن سوريا أم أكتب في هذا التاريخ الذي تباد فيه الغوطة وغيرها عن الشيشان؟! كيف أكتب وعمن أكتب؟ في 23 شباط/فبراير من كل عام يصادف ذكرى النفي الشيشاني أو يوم الرحيل الأكبر، اليوم الذي هجّر فيه ما يقارب 600 ألف نسمة شيشانية عن بلادهم قسرا في عام 1944 م بقرار من الجنرال الأوستيني موسى كوندخوف وبتوقيع من زعيم الإجرام الطاغي ستالين، حيث حدث واستمر النفي لـ13 عاما.


أخذتُ قلمي وورقة بيضاء أشبه بتلك القلوب المنكسرة، بدأت أكتب وأكتب عن الشيشان في ذكرى النفي، في كل كلمة أكتبها كان قلمي يخونني ويكتب عن سوريا، حتى غضبت للحظة ورميت قلمي على الطاولة، لأنظر إليه ويثير شفقتي وكأنه يخبرني: أنا صوت الحق فلا تسكتيني!عدت وأخذت قلمي لأشقّ تلك الصفحة وأباشر من جديد في كتابة مقالة صغيرة تحاكي وضع الشعب الشيشاني في أيام النفي .. ليعود القلم ثانية وينحرف عن هدفي ويكتب عن إبادة سوريا..


هنا حادثني عقلي الباطني قليلا واستوقفني قلبي قائلا: اكتبي ، لقد عاهدتنا أن تكتبيِ بصوت الحق فاكتبي ما رأيتِ وما سمعتِ، اكتبي أيضا ما قرأتِ.. اجعلي دموع جدتك التي كانت تنهمر في شهر شباط/فبراير من كل عام وهي تخبرك عن قصة النفي... اجعلي تلك الدموع حروفا بين السطور تلمع، اكتبي عن تلك الرضيعة التي قد حُبِسَت في القطار برفقة المئات وتم إحراقها ظلما وعدوانا... 

اكتبي عن الطفل الرضيع الذي بلغ من عمره يوما واحدا فقط .. أجل يوما واحدا كان كافيا لأن يرى ظلم الطغاة مفارقا الحياة بجسد متفحّم بعدما أشعلت روسيا في جسده وأجساد من حوله النيران

اكتبي عن يوم النفي الذي حصل في شعب تعداده لا يتجاوز 600 ألف نسمة كان مجتمعا للاحتفال بالذكرى السنوية للجيش الأحمر السوفيتي؛ فتمت محاصرته وسيق بكل وحشية بأكمله إلى قطارات لا تصلح للاستخدام البشري، نفذ العملية 150 ألف جندي من الجيش السري الروسي، فراح ضحيتها أكثر من 70 ألف شهيد شيشاني، قد فارقوا الحياة في جبال سيبيريا المتجمدة بين مرض وتجويع ومن ثم تجمد. اكتبي عن تلك السيدة التي أُدخلت إلى بيتها عنوة لتشاهد خمسة رؤوس مذبوحة ومرمية على الأرض لأبنائها الخمسة ..


اكتبي عن ذلك العجوز الذي أبى أن يجعل مع الله شريكا آخر فأعدموه برصاصة واحدة. اكتبي عن ذلك الشعب الذي حارب بعيدا عن وسائل الإعلام والسوشيال ميديا. اكتبي عن مجزرة حيباخ التي حصلت في قرية حيباخ الشيشانية في 27 شباط/فبراير عام 1944 م التي راح ضحيتها ما يزيد عن 600 شهيد، أكبرهم رجل قد قتل عن عمر يناهز 104 سنوات؛ ذنبه أن قال لا إله إلا الله وحده..


هيّا اكتبي عن الطفل الرضيع الذي بلغ من عمره يوما واحدا فقط.. أجل يوما واحدا كان كافيا لأن يرى ظلم الطغاة مفارقا الحياة بجسد متفحّم بعدما أشعلت روسيا في جسده وأجساد من حوله النيران. اكتبي يا صدى أفكاري كل كلمة حق تجول في خاطرك ولا تخشي شيئا فأنا هنا فقط لأنقل للخارج ما يجول في داخلك.. ولكن تريثي قليلا..

هل نسيتُ شيئا؟ أجل، نسيت أن أكتب أن النفي الشيشاني يحدث من جديد، وأن السياسة المنهجية المتبعة تمارس من جديد بحق شعب أعزل، وها هي روسيا اليوم تعيد حادثة النفي بمنطقة جديدة في الشرق الأوسط.. تحرق الأطفال وتذبح النساء وتعدم الرجال على مسرح كبير، يشاهد هذه المسرحية كل ظالم ومجرم مع تصفيق حار يكاد يسمع صوته أولئك الغاضبون الذين يقفون خارج إطار المسرحية لا يستطيعون أن يعبروا عن غضبهم إلا ببضع كلمات، إن الوضع في سوريا عجزت لغات العالم عن ترجمته، وعجزت قواميس العربية عن إيجاد كلمة واحدة تصف شناعة الموقف هناك.

يخلق الإنسان يا صديقي عاريا، بلا ملابس ولا هوية، بلا اسم يميزه ولا حتى كنية، يخلق على دين التوحيد، وبعدها يمنحونه الصفة الدينية، يخلق الطفل عاريا بلا مذهب ولا قومية ثم يُمنح الاسم والطائفة والأفكار الذهبية

رويترز
 

مع الأسف تزامن في تقويمي هذين الحدثين، تعددت الحروب والعدو واحد، اليوم قد أثبت الحيوان للعالم بأسره أنه هو من كرمه الله، فليس العقل مصدر فخر وعز على الدوام، والدليل على ذلك أننا لو رمينا طفلة بريئة على قارعة الطريق تُقتل وتُذبح وتُقصف وأوقفنا على الطرف الآخر من الطريق رجلا وكلبه، فإن الكلب سيهبّ مسارعا لإنقاذ الطفلة دون أن يفكر في مذهبها ومذهبه أو طائفتهما أو حتى أن يحكم على الطفلة من مكان مقتلها، إن الكلب سيسارع على الفور في إنقاذ الطفلة دون الحاجة لاستخدام عقله.. بينما الرجل هذا سيشاهد الطفلة ومن ثم سيسأل نفسه عن مذهبها وطائفتها وإن كانت تستحق القتل أم لا، ولأي مكان تنتمي.. سيقف الرجل يستخدم عقله لساعة كاملة وفي الختام سيرحل دون أن يلقي لها بالا قائلا: لا علاقة لنا.

يخلق الإنسان يا صديقي عاريا، بلا ملابس ولا هوية، بلا اسم يميزه ولا حتى كنية، يخلق على دين التوحيد، وبعدها يمنحونه الصفة الدينية، يخلق الطفل عاريا بلا مذهب ولا قومية ثم يُمنح الاسم والطائفة والأفكار الذهبية، فيصبح شابا يحمل بيده البندقية، يَقتل لأجل فكرته صديقَه الذي شاركه في المقاعد الدراسية، ويمحو لأجل ملّته كل من عانقه في حياته الطفولية.


لا يسعني الآن إلا أن أطوي ورقتي البيضاء، فدموعي كادت تبللها، وكادت الورقة البيضاء أن تمتزج بالحبر الأسود هذا، لكن أسئلة أخيرة قد جاءت لخاطري؛ هل سيدرك ابني يوما هذه القضية؟ أم أنه سيكبر ويتابع المباريات الروسية؟ ويشجع الأندية الشيوعية؟ هل سيكبر ابني يوما ويرسم على خده أعلاما روسية؟ وإن عاتبته يوما صرخ في وجهي أمي خذيها في روح رياضية!!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة