إسماعيل القادري
إسماعيل القادري
508

الفساد وتعويم الدرهم المغربي

26/2/2018
اتجهت الحكومة المغربية نحو تطبيق نظام تحرير سعر صرف العملة أو ما يسمى بـ"تعويم العملة"، وقبل أن نخوض في هذا الموضوع، لا بد أن نعود سنوات إلى الوراء، لكي نضع الحدث في سياق تاريخي أولا، ولكي نحدد تداعيات وأسباب تبني الحكومة المغربية لهذه السياسة، وبالعودة إلى فترة حصول المغرب على الاستقلال سنجد قولا مأثورا للراحل الملك محمد الخامس -رحمه الله-  مفاده أن المغرب سينتقل من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وفي هذا إشارة إلى الإصلاح والنهوض بالدولة.
 
 ربما تكفينا هذه اللمحة القصيرة كتأطير وجيز لبعض السياسات التي يتبناها المغرب اليوم، ولو نحاول تقويم ما تم إنجازه بعد الحصول على الاستقلال، خصوصا في المجال الاقتصادي، سنجد إنجازات وفي مقابلها سنجد إخفاقات. لنركز على الإنجازات خصوصا وأن المغرب اليوم قد تبنى سياسة تعويم العملة، كخيار واحد ووحيد أمام الضغوطات التي تفرضها مصادر التمويل العالمية "صندوق النقد والبنك الدوليين"، وبالتالي كيف يعقل أن نتحدث اليوم عن إنجازات في ظل وجود رقم مهول يمثل ديون المغرب الخارجية، ويقارب 143 مليار درهم، وعلى إثره لم يعد بمقدور المغرب أن يقترض وكاهله مثقل بالديون، فما الحل إذا؟
 
الآن عندما ارتفعت مديونية المغرب تسندون فاتورتها لجيب المواطن، وأي مواطن؟ ذلك المواطن البسيط الذي لا يفقه شيئا من ألاعيبكم، لكنه في المقابل يرى غناكم بين ليلة وضحاها!
سنلجأ إلى "تعويم الدرهم المغربي". إن تنزيل سياسة تحرير سعر صرف العملة أو ما يسمى بـ"تعويم العملة" يقتضي أن تكون الدولة قوية اقتصاديا، لكي تخلق الموازنة بين ثنائية الاستيراد والتصدير، وحديثنا عن تعويم الدرهم بين الدولار والأورو شبيه بالحديث عن "العوم أمام القرش المفترس" إن صح التعبير! وقد نهجت مصر هذه السياسة وانظروا إلى حال الجنيه اليوم، لقد فقد قيمته بالأضعاف، لذا فإن توجهكم نحو تحرير سعر صرف الدرهم المغربي، لا بد أن تصاحبه ضمانة مفادها عدم انهيار العملة المغربية، وإلا حلت الكارثة التي لا شك أن المواطن المغربي سيؤدي ضريبتها، رغم أن هذا التحرير نسبي كما تحدثت عنه الحكومة المغربية، لكن حتما سيروجون لتحرير مطلق كواقع لا مفر منه، هي البداية فقط .
 
في الأمس القريب، كان المغرب يسبح ومجموعة من الدول في نهر واحد، والآن هذه الدول هي قوى اقتصادية عالمية بدون ديون خارجية، سياساتها قوية، مؤسساتها على وعي بالمسؤولية الملقاة على عاتقها، ومرافقها على درجة عالية من التأهيل، الحاصل هي نماذج يحتذى بها على المستوى العالمي، وقد باتت تقارع الكبار في شتى المجالات، فلماذا المغرب لم ينهج نفس المنوال؟ لماذا لم يركب سكة التقدم والإصلاح القوي، بل اكتفى لنفسه ببضع إنجازات أقل ما يقال عنها أنها تبقى خجولة أمام ما قامت به الدول التي كان في الأمس القريب يسبح وإياها في نفس الفلك؟ ماذا فعل الساسة المغاربة بـ143 مليار درهم قيمة الديون الخارجية؟ كلها أسئلة أتشاطر في طرحها مع كل مواطن مغربي اليوم.
 
حال المغرب لا يسر عدوا ولا حبيبا، أتحدث عن المغرب العميق الذي لا تنظر إليه آلات التصوير الخاصة بالإعلام المسيّس، أتحدث عن تلك المرأة التي تنقل فوق دابة عندما يأتيها مخاض الولادة، أتحدث عن ذلك الأب الذي لم يجد لابنه مقعدا شاغرا في المدرسة، أتحدث عن ذلك الشيخ الذي لم يجد سريرا في المستشفى، أتحدث عن المغرب الذي أبكي لحاله كلما رأيت الساسة يتبجحون بأموال الشعب؛ سيارات فخمة، حسابات وعقارات في الخارج، أبناؤهم يدرسون في الخارج، زوجاتهم يتسارعن وراء عمليات التجميل في أفخم صالونات العالم، أمهاتهم يتعالجن في أرقى مصحات العالم، ماذا فعلتم في هذا المغرب سوى الاختلاس والتبجح في المنابر الإعلامية؟ بأي العهود أوفيتم من تلك التي ألقيتم على مسامع الشعب في حملاتكم الانتخابية، أين مغرب الديمقراطية والمساواة والحريات والحقوق، الذي ناديتم به قبل أن يوليكم الشعب على أموره؟
 
ألا يخجل منكم أحد إذا مر بسيارته الفخمة من شارع ليرى ذلك الذي وعده بالأمس في أسوأ حالاته اليوم؟ عندما يهدد هذا البلد -حفظه الله- عدو خارجي، سيجد شعبا تواقا للنضال، سيجد رجالا يضحون بالغالي والنفيس في سبيل وطنهم، والأمس القريب يخبركم بكل هذا، في حين أن الساسة سيلوذون بالفرار بعد أن استنزفوا خيرات هذا الوطن، والآن عندما ارتفعت مديونية المغرب تسندون فاتورتها لجيب المواطن، وأي مواطن؟ ذلك المواطن البسيط الذي لا يفقه شيئا من ألاعيبكم، لكنه في المقابل يرى غناكم بين ليلة وضحاها، ويستغرب لبعض الساسة بين فقر الأمس وثراء اليوم بعدما مارسوا السلطة، فهل يستطيع الساسة المغاربة تبرير ثرائهم الفاحش، تبرير ممتلكاتهم، بل لنقل تبرير سكنهم ومنازلهم؟ لا طبعا، فما راكموه من ثروة هو بفعل النهب والاختلاس والمحسوبية والزبونية، هي مافيات تحكم المغرب، كدست الأموال فيما مضى من الزمن، وما زالت طامعة في جيب المواطن.
 
  
 
ولنعد إلى التاريخ القريب حين كان المغاربة يدافعون عن هذا الوطن، كان أبناء الساسة يدرسون في الخارج، وعندما جاء النصر وتحقق الاستقلال تسلل هؤلاء داخل المغرب وكأن شيئا لم يكن، فاستحوذوا على المناصب العليا والدنيا، وراكموا الأموال والثروة لأحفادهم وأحفاد أحفادهم في الوقت الذي اكتفى فيه المغاربة بفرحة الاستقلال، وبالرجوع إلى خطاب ذكرى العرش الأخير، سنجد قولا مأثورا لملك البلاد مفاده "إن الأحزاب السياسية والطبقة السياسة في مجملها، عندما تكون النتائج سلبية تختبئ وراء القصر الملكي، وعندما تكون النتائج جيدة تسارع إلى توزيعها فيما بينها والخروج إلى المنابر الإعلامية"، وفي هذا إشارة إلى أن ملك البلاد يقر بتغلغل الفساد في البلاد، بفعل وجود بعض أشباه الرجال في المناصب العليا والدنيا، الذين انعدمت فيهم روح الوطنية والضمير الإنساني قبل المهني، طبقة فاسدة يحكمها الجشع وحب المال والسلطة، ورثوا المناصب فورثوها بدورهم لأبنائهم وذويهم، ويضحكون على ذقون المغاربة بمباريات شكلية معلومة نتائجها قبل إعلانها، وأي مباريات؟
 
إنها تلك الخاصة بحراس الأمن، أما المباريات الخاصة بالمناصب العليا فلا يجد الطالب المغربي سبيلا للالتحاق بها، رغم كل الشواهد التي تحصل عليها عن جدارة واستحقاق بعد أن استنزف جيب العائلة التي كافحت وضحت بكل شيء، إنه واقع مرير تذرف معه دموع الآباء والأمهات الذين اقتصر حلمهم فقط في رؤية فلذات أكبادهم يعيشون بكرامة..!
 
ربما قد حان الوقت لنحدث قطيعة مع ماضي التسيب، فاليوم لم يعد ممكنا كما كان في الأمس القريب أن تمرروا سياساتكم المجحفة والناهبة لحقوق المواطن، فالمغرب له رجاله ونساؤه وشبابه الغيورون على وطنهم، والمتشبعون بروح المسؤولية والوطنية والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل هذا الوطن، فقط تنحوا من مناصبكم واتركوا الكراسي لمن هم على أهبة للأخذ بزمام الأمور، والمضي قدما بهذا البلد نحو الإصلاح، انتهت صلاحيتكم وصلاحيات خططكم، فلم يعد هناك شيء للنهب سوى أن أثقلتم كاهلنا بالديون التي لا بد أن تدفعوا ثمنها من المال الذي راكمتموه لسنوات طوال.
 
بعض الفصول في الدستور ربما حان الوقت لتفعيلها وتنزيلها على أرض الواقع، وأخص بالذكر هنا ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة كخيار لا بديل عنه للخروج من الأزمة، ولكل هذا نقول كفى من العبث بمستقبل شعب، كفى من التسيب والفساد، فالمغرب أحق بالريادة لا بالتبعية. نعم لمغرب الحق والقانون، نعم لمغرب الديمقراطية والمساواة، كفى من المحسوبية والزبونية والوساطة والرشوة، نعم للكفاءة وتكافؤ الفرص والجد والاجتهاد، كفى من الموظفين الأشباح وتبذير المال العام، نعم للموظفين الأكفاء والتدبير العقلاني والتأهيل العالي للمرافق العمومية والمؤسسات، نعم لجودة التعليم ومجانيته على رأس كل القطاعات، نعم لحياة كريمة، وكفى من المراهنة على خوف الشعب من المثل السوري، فالشعب المغربي على درجة عالية من الوعي والحب الكبير الذي يكنه لملك البلاد خاضع تحت رعايته وتحت شعار واحد "الله الوطن الملك".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة